قصة: شمس غيوانية تحت سماء درب غلف
عبد الرحيم التوراني
إلى جدران درب غلف الشاهدة على شفا الهدم، وإلى أهله الصامدين قبل أن يساقوا إلى الاختباء..
إلى الثرى الذي يراد محو ملامحه لتقام عليه عمارات صماء تتزين لمهرجان مونديال 2030، وتستجيب لشراهة حيتان المضاربة العقارية..
إلى الذكرى الحية لكل من: بنحمو الفاخري، ومصطفى الذهبي، والإخوان الشافعي، ومحمد تيمورية، وأحمد صبري، وإدريس الخوري، والبشير جمكار، والعايدي الحنبلي...
أمشي في شوارع الدار البيضاء وكأنني أنفذ مهمة لا أعرف ماهيتها. كلما تقدمت خطوة واجهتني حواجز. لم تكن حواجز من خرسان أو أسلاك شائكة، كانت حواجز من اللا- مرئي، كجدران زجاجية تظهر فجأة في منتصف الرؤية، تعيق التقدم دون أن تترك أثرا ماديا.
كل حاجز كان يهمس لي بالصمت:
هذا الطريق ممنوع عليك.
أغير الشارع.. أجبر على الانعطاف.. أجدني في شارع جانبي أضيق، لكنه لا يدوم طويلا. أصادف حاجزا جديدا. هذا الحاجز ليس كالأول.. إنه أكبر وأثقل، ككتلة من الهواء المجمد. إنه يضغط على صدري، يذكرني بالثمن الباهظ لكل خطوة إلى الأمام.
تراكمت الحواجز وتراكم الإرهاق في روحي.. قررت العودة. العودة إلى حيث الأمان الوحيد الذي أعرفه، إلى بيتي.
استدرت وعدت أدراجي. لكنني لم أجد زاوية الشارع التي دخلت منها. لم أجد اللوحة الإرشادية… ركضت قليلا في الاتجاه الذي ظننته صحيحا، حتى توقفت فجأة، يدي على فمي.
لم أجد بيتنا، بل لم أجد حي درب غلف بأكمله.
المكان الذي كان يضج بضوضاء الجيران ورائحة خبز الصباح وبقايا الذكريات المتربة، تحول إلى فضاء رمادي شاسع، كساحة بناء مهجورة بلا ملامح، بلا ذاكرة. وكأن يد القدر محت كل ما كان هنا بضربة فرشاة واحدة.
نظرت إلى السماء… كانت سماء أخرى. ليست الزرقة المألوفة، ولا حتى غيوم مدينتي. كانت سماء بلون الصدأ الداكن، تتخللها خيوط ضوئية حمراء لم أرها من قبل. كأنني لم أخطئ الشارع فحسب، بل أخطأت الكون بأكمله.
أصابني رعب وخرس. لم يأت الرعب من شيء قادم، بل من الغياب المطلق لما كان. جف حلقي وفقدت القدرة على إصدار أي صوت. لم أسأل نفسي: ما العمل؟ لأني أدركت في تلك اللحظة القاحلة أني لن أجد لديها الجواب. لم تعد نفسي تملك خارطة هذا الواقع الجديد.
وجدتني أجلس على الأرض العارية، مستسلما لجاذبية الرعب.
ولما نزلت، فوجئت… الأرض لم تكن عارية كما ظننت. كانت مكتظة. مكتظة بسكان الحي المفقود.
كانوا يجلسون على الأرض الرمادية، لا يتحدثون، ينتظرون شيئا ما في صمت مطلق. لكنهم لم يكونوا جثثا، بل كانوا واعين وهادئين.
تعرف علي بعضهم. رفعوا رؤوسهم ببطء نحو وجهي المذعور. نادوني باسمي، بنبرة عتاب خفيفة:
أهلا بك يا عبد الرحيم… أين كنت؟
ثم لاموني على تأخري:
لم التأخير في الخارج؟ الدنيا برد وزلازل وقصف ودمار يا عزيزي. لماذا لم تختبئ؟
شعروا بيدي الباردة. سحبتني سيدة عجوز كانت تضع حجابا رماديا إلى جانبها. لم تبتسم، لكن عينيها كانتا تحملان لوم الأم الخائفة.
– تعال واختبئ معنا هنا..
قالت بصوت خفيض لا يكاد يسمع:
– حتى تهدأ الأوضاع. هذا المكان هو الوحيد الآمن الآن… هذا المكان الذي لا يراه أحد…
جلست معهم، أصبحت جزءا من الصمت المكتظ على الأرض العارية، في ظل السماء الصدئة. أدركت أن الخروج كان وهما، وأن الحياة الحقيقية باتت هنا… في الاختباء الجماعي من واقع لم يعد يحتمل العيش فيه.
لا أعرف كم دامت مدة الاختباء.. نهارا، أسبوعا، عاما، أم عشرينا عاما؟!
أصبح الزمن هنا كيانا مرنا مطاطيا، بلا عقارب تقيسه أو شمس تميز بدايته من نهايته. كنا بصدد إعادة أسطورة أهل الكهف، لكن ليس تحت صخرة في جبل، بل تحت سماء صدئة، وداخل صمت جماعي على أرض قاحلة.
لم يعد أحد ينظر إلى السماء، ولا يهتم بالزلزال أو القصف. كانت تلك الأشياء قد أصبحت مجرد ضوضاء خارجية لم تعد تخصنا. وتحولت همومنا إلى هموم وجودية صغيرة: هل يكفي هذا النفس الضحل ليوم آخر؟ هل ستخوننا هذه الأرض العارية التي وعدتنا بالأمان؟
كانت حياتنا تدور حول الهمسات. الهمسات التي تروي قصص حي درب غلف المفقود، كيف كانت رائحة الياسمين عند النافذة، وكيف كان صوت بائع الخضار وهو ينادي بضاعته، وكيف كان شكل السقف في ليلة ماطرة. كانت هذه الذكريات هي عملتنا الوحيدة، نتبادلها في صمت، خوفا من أن يتبدد صوتها لو نطقنا بها بصوت عال.
أثناء جلوسي، شعرت بيدي تلمس. كانت يد السيدة العجوز نفسها. لم تنظر إلي، بل نظرت إلى الفضاء الرمادي أمامي.
– ماذا تنتظرين أن يحدث يا خالتي؟
سألتها أخيرا، بصوت مبحوح كأنني لم أتحدث منذ عقود.
التفتت إلي ببطء، وفي عينيها ألف سنة من اليأس والسكينة.
– لا ننتظر شيئا يا ولدي.. نحن ننتظر ألا يحدث شيء آخر…
أدركت أن الاختباء ليس مرحلة عبور، بل طريقة حياة.. شكل جديد للوجود بعد أن تحطم العالم الخارجي.
مرت لحظات أخرى.. رفعت عيني نحو الأفق الرمادي.. لاحظت شيئا لم يكن هناك من قبل. على حافة الفضاء القاحل، ظهرت نقطة ساطعة. لم تكن الشمس بل كانت نقطة زرقاء متلألئة، كأنها قطعة صغيرة جدا من سماء مدينتي القديمة، سماء ما قبل الحواجز.
هذه النقطة الزرقاء لم تكن جزءا من السماء الصدئة. كانت تلمع من الأسفل، وكأنها تنبعث من قلب الأرض التي نجلس عليها.
هل كان هذا بصيص أمل؟ أم أنه آخر فخ من حواجز العالم الوهمي؟
عندما نطقت العجوز بعبارتها البالغة الحكمة واليأس معا.. (نحن ننتظر ألا يحدث شيء آخر..)...
أدركت أن صمتهم لم يكن سكونا، بل كان جدارا خفيا يحميهم.
سحبتني العجوز التي عرفت باسم (مِّي الدكالية)، إلى قربها، وهمست:
– لا تتحدث بصوت عال… الجدران هنا تسمع ما لا تراه الأعين.
– لكن… أين الجدران يا خالتي؟
سألتها وعيناي تجولان في الفضاء الرمادي الذي لا يحوي سوى الأفق.
نظرت مِّي الدكالية إلى جارتها الجالسة بجوارها، هزت رأسها ببطء، ثم عادت وهمست:
– الجدران يا ولدي هي التي منعتك من الوصول إلينا في البداية.. الحواجز التي رأيتها في الشوارع؟ إنها جدران خوفنا نحن.. كلما شعرنا بالخطر، ارتفعت هذه الحواجز في الخارج، تحمينا وتضلل الغرباء…
تجمدت كلماتي.. إذا لم تكن الحواجز شيئا خارجيا بل كانت إسقاطا نفسيا جمعيا من أهل درب غلف المختبئين!
هل هذا يعني أننا… نحن من صنع هذا المكان الرمادي؟
تساءلت بصوت خفيض.
تدخل رجل مسن يرتدي جلباب صوف باليا، كان يجلس متكئا على حقيبة سفر صغيرة. عرفت أنه كان معلم التاريخ في الحي، واسمه مصطفى الذهبي، تحدث بصوت يشبه خشخشة أوراق قديمة:
– اسمع يا بني… عندما فقدنا الحي، لم نفقده مرة واحدة.. فقدناه قطعة قطعة.. فقدنا الأمان، ثم فقدنا اليقين، ثم فقدنا أسماء الشوارع… في اللحظة التي أدركنا فيها أن العالم لن يتوقف عن تدميرنا.. بالقصف.. بالبرد.. بالوباء.. بالزلازل… قررنا نحن أن نتوقف عن رؤيته.. إخفاء الحي لم يكن هروبا بل كان دفاعا عن آخر بقايا وجودنا…
نظرت إلى وجوههم المكتظة، إلى آلاف الأعين التي كانت تشاهدني الآن بترقب. سألت مصطفى الذهبي سؤالا طالما أرقني:
– لكنني رأيت سماء مختلفة.. سماء الصدأ تلك… ما هي؟
تنهد مصطفى الذهبي بعد أن مسح شاربه الكث، وارتفعت رائحة الغبار والحنين من سترته.
– تلك هي سماء التنازل.. إنها اللون الذي يظهر عندما تتخلى عن ألوان أحلامك.. سماء مدينتنا الأصلية.. الزرقاء، موجودة خلفها. لكن لا يمكننا رؤيتها إلا إذا… لم نعد نخاف من رؤية الخراب الذي سيأتي معها…
تذكرت النقطة الزرقاء التي رأيتها تلمع من الأسفل. همست:
– رأيت نقطة زرقاء تلمع.. صغيرة لكنها حقيقية… ما هي؟
تبادل الجالسون نظرات ذات مغزى. كان هناك تردد واضح في عيونهم.
أخيرا أجابت مِّي الدكالية، وهي تمسك بيدي بقوة:
– هذه يا ولدي… هي ذاكرة طفل ولد هنا قبل أن يختفي الحي.. ذاكرة صافية لم تعرف الحواجز بعد. إنها ليست لنا.. إنها أمل لم نعد نجرؤ على حمله.
أدركت عمق معادلتهم: الأمان يتطلب التنازل عن الرؤية والأمل. الاختباء يعني التوقف عن التمني.
جلست صامتا. كان السؤال الأخير يزن على لساني، سؤال يخصني وحدي:
– هل سأتمكن من العودة؟ هل سأستطيع أن أجد طريقي إلى الخارج من هذه الأرض الرمادية؟
ابتسم مصطفى الذهبي ابتسامة باهتة:
– لا يوجد طريق للخروج يا بني.. يوجد فقط… طريق للعودة إلى الداخل… عندما تختفي الحواجز من داخلك، عندها فقط يختفي المكان الذي نحن مختبئون فيه.
سقطت الكلمات الأخيرة لأبي الزين علي كأنها حكم قدري نهائي:
– لا يوجد طريق للخروج يا بني.. يوجد فقط… طريق للعودة إلى الداخل…
كان أثر هذه الحقيقة على شعوري مزيجا غريبا من الراحة والرعب.
الرعب جاء من إدراك أنني لست تائها في مدينة غريبة، بل أنا سجين رغباتي وقلقي الخاص، وأن الحواجز التي منعتني هي حدود الأنا التي ارتفعت دفاعا عن نفسي. لقد كنت أبحث عن ملجأ خارجي، بينما الملجأ كان ينتظرني هنا، داخل هذه الدائرة المغلقة من اللاوعي الجماعي.
الراحة كانت صادمة إذ لا حاجة للمقاومة بعد الآن. لا حاجة للبحث عن الشوارع المفقودة أو النجوم المألوفة. لقد وجدت أهلي ووجدت التفسير. أنا الآن في كهف السكينة الباردة، حيث لا قصف ولا زلزال ولا حواجز جديدة ترفع. هنا في هذا الصمت المكتظ، كان هناك نوع من الأمان الذي لم أعهده من قبل، أمان الخلاص من فعل الاختيار.
شعرت بوزن ثقيل يستقر على صدري، وزن التنازل عن المسؤولية.
البقاء بدا مغريا. كان يعني أن أندمج في هذا الوجود الجماعي الهادئ. أن أتنفس نفسهم الضحل، وأتبادل معهم همسات الذكريات حتى تذوي هي الأخرى. البقاء يعني إسقاط سماء التنازل الصدئة على عيني بشكل دائم، وأن أعيش في انتظار (ألا يحدث شيء آخر). هنا يمكن لروحي المنهكة أن تستريح من مطاردة الحواجز.
لكن…
لكن هذا الأمان كان أمان العدم.
كانت هناك وخزة عنيدة كشوكة صغيرة عالقة تحت الجلد. كانت تلك هي النقطة الزرقاء المتلألئة التي تلمع من الأسفل، من ذاكرة الطفل الذي لم يعرف الخوف بعد.
إذا بقيت سأدفن هذه الوخزة.. سأصبح مثلهم جدارا آخر في طريق العائدين. سأساهم في رفع المزيد من الحواجز الخفية في شوارع العالم الوهمي.
أما المغادرة فكانت تتطلب عملا وحشيا.. تدمير الحواجز من الداخل.. كانت تتطلب أن أستحضر الشجاعة لرؤية الخراب الذي سيأتي معها (كما قال مصطفى الذهبي)، أن أتقبل فكرة أن العودة إلى السماء الزرقاء قد تعني العودة إلى الزلازل والقصف والموت.
جلست على الأرض العارية محاطا بكتلة الصمت البشري. مددت يدي إلى الأسفل، نحو النقطة الزرقاء التي كانت تضيء بذاكرة طفل لم يكتشف بعد ضرورة الاختباء.
لم أستطع المغادرة، لكني لم أستطع البقاء أيضا.
لقد تحول الصراع الآن من (أين أذهب؟) إلى (من أنا في هذا الفراغ؟…).
في ظل صمتهم الكثيف، لم أجد الإجابة في كلماتهم، بل في تلك الوخزة الزرقاء التي كانت تلمع في الأسفل. كانت بمثابة ثقب صغير في قماش الواقع الرمادي، يطل على شيء ناصع البياض من زمن آخر.
مددت يدي نحو الأرض العارية، نحو مصدر الضوء الأزرق. لم تمنعني مِّي الدكالية، بل كانت عيناها تراقبانني بنظرة اعتراف حزينة، كأنها تشهد على محاولة طفل للقفز من نافذة عالية.
حفرت بأصابعي في التراب الرمادي.. كان ناعما وجافا. عندما لامست أصابعي النقطة الزرقاء، شعرت بدفء مفاجئ ينساب في عروقي، يطرد البرد الذي تسلل إلي من سماء الصدأ.
لم تكن النقطة الزرقاء شيئا صلبا. كانت جوهرة مضيئة صغيرة، تشبه قطعة من زجاج البحر المصقول، لكنها تنبض بحياة غريبة. رفعتها إلى مستوى عيني.
في اللحظة التي نظرت فيها إلى داخلها، لم أر انعكاسي. رأيت صورة سريعة كشريط فيلم يتم لفه بسرعة جنونية:
صوت ضحكة طفل يتردد فوق ضوضاء المدينة.
تتدفق رائحة الياسمين بحِدّة لا تُنسى، أعتى بكثير مما حكته همسات الجيران. ويطل وجه مصطفى الذهبي المكتسي بالزغب المضيء وهو يقهقه ملء فمه، بلا خشخشة في صدره ولا تعب، مشيرا بيديه نحو سماء زرقاء متناهية الصفاء.
ثم ينساب مشهد مِّي الدكالية وهي تشدو لحفيدها من ريبرتوار مجموعة ناس الغيوان، لا همسا هذه المرة، بل بصوت كامل قوي وفصيح:
(يا أيتها الشمس الطالعة..
إن صادفت أمي الحنون،
فقولي لها: إن ولدك تنهمر دموعه ضارعة..
يا أيتها القافلة الراحلة..
إن رأيت أمي الحنون،
فقولي لها: إن ولدك لم تقبله أي زاوية..
ارعي يا خيول إخوتي السبعة..
ارعي الزهر وشقائق النعمان...).
***
كانت النقطة الزرقاء هي الذاكرة غير المتنازل عنها، ذاكرة لا تعرف سماء التنازل.
بمجرد أن استوعبت هذا الدفق من الحياة واللون، شعرت بشيء يتغير. الرمادية المحيطة بي بدأت تترقق. شعرت بصدع يتكون داخل صدري، ليس صدعا مؤلما، بل كسر في قشرة سميكة. كانت هذه هي الحواجز الداخلية تنهار.
تفككت الحواجز التي منعتني من رؤية الطريق، لأنني لم أعد أهتم بحمايتها. لقد أصبحت حماية الماضي الجميل أقوى من الخوف من الواقع القاسي.
التفت إلى أهل درب غلف.. كانوا لا يزالون جالسين، لكن وجوههم كانت باهتة ومظللة. رأيتهم الآن ليس كأهل، بل كتجسيد للخوف المشترك.
– يا خالتي! ناديت مِّي الدكالية، بصوت لم يعد خفيضا أو مبحوحا.
البرد والزلازل والقصف حقيقي… لكن الياسمين والضحكة القوية حقيقية أيضا! ولا يمكن أن ندفن شيئا حقيقيا لنجد أمانا وهميا!
اهتز جسد مِّي الدكالية قليلا كصخرة تعرضت لزلزال خفيف. نظرت إلي بعينين واسعتين، كأنها ترى شبحا.
– الصوت… لا ترفع صوتك! ستجذبهم!.. همست بذعر.
– من هم يا خالتي؟.. سألتها بقوة.
– من الذي نخشاه أكثر من نسيان أنفسنا؟
في تلك اللحظة ظهرت النقطة الزرقاء في يدي. وبدلا من أن تعكس السماء الصدئة، بدأت تعكس صورة بيتي… صورة حقيقية، بألوانه المألوفة، وباب منزلي الصغير.
لم يعد علي أن أجد طريق الخروج في الشوارع، لأن الطريق قد تشكل داخلي… المكان الذي كنت مختبئا فيه لم يعد موجودا لي.
رفعت رأسي ونظرت نحو السماء الصدئة. بدأت تتشقق. لم تنشق بعنف وقصف، بل انشقت صوتا. سمعت صوت ضحكة مصطفى الذهبي يخترق سكون المكان، ثم تبعه صوت الغناء القوي لمِّي الدكالية.
تفككت سماء التنازل الصدئة، وسرعان ما غمرني الضوء الأزرق النقي والمألوف.
لما فتحت عيني كنت جالسا في زاوية شارع عبد الرحمان الزموري، بجوار عمود إنارة صدئ. الشمس في الأعلى كانت حقيقية، ذات لون أصفر دافئ. كانت سماء مدينتي المألوفة. شعرت بضوضاء السيارات المعتادة، ورائحة القهوة من مقهى قريب.
نظرت حولي. بيتي كان هناك، شامخا وموجودا. الحي بأكمله لم يكن مفقودا قط.
لكن…
لكن على الأرض بجواري، لم تكن هناك أي جوهرة زرقاء. كان هناك فقط حجر صغير، عادي تماما، لكنه يحمل علامات أصابعي التي حفرت فيه بقوة.
نهضت. مشيت نحو بيتي، دون أن تواجهني أي حواجز. لقد زالت جميعها. أدركت أن الشوارع لم تتغير… أنا من تغير.
لقد استغرقتني رحلة العودة إلى الحي المفقود وقضاء ما قد يكون عشرين عاما في الاختباء، لكي أجد ما كنت أبحث عنه خلف أبواب بيتي المغلقة: الشجاعة لكي أرى.
عدت إلى شوارع المدينة.. خفيفا من حمولة الخوف، أدركت أن أعظم حواجز الحياة ليست خرسانية أو مرئية، بل هي الحدود الداخلية التي نصنعها لحماية أنفسنا من الألم، وأن العودة الحقيقية ليست إلى مكان مفقود، بل إلى الذاكرة التي لم تتنازل عن لونها الأزرق.
