ثلاث قصائد للشاعر والتشكيلي السوداني حسين شريف

ثلاث قصائد للشاعر والتشكيلي السوداني حسين شريف

 ترجمة: صلاح محمد خير

 (1) رماد

 بينما تشمِّر المدينة عن ساعديها 

 لملاقاة لهيب أبريل، وعربدة احترار مايو، 

توكأت على عكازتين  تبدوان كساقين؛ 

وحدها أنفاسي المتلاحقة 

تدفعني إلى المسير.

   ترتجفُ ذرات الغبار الغامضة

على نسيج الضوء، واللهب، 

وبعض بلور مهشم.

 متاريس وأهرامات 

من سيارات متآكلة 

تتكدس مثل

 ركام الجيف،

 أو تصطف أفاريز

 من معدن صدئ؛  تعرض للتعذيب،

 وانحنى للريح. 

 هذه هي المدينةُ،  التي دُفن فيها الضوء؛ 

هذه هي المقبرة الجديدة

 بآلهتها المنسية، 

 وهيامها المضاع، 

 هذه عاقبة وضع المتاريس،

 خنق الصرخة، 

 قتل الصرخة. 

الآن، 

يسكن الضوء مكاناً ما.

 لملم النهار مصابيحه 

 وانسل، 

 قاصداً مقبرة العائلة 

 وهنا،

 وسط أنقاض تفوح برائحة الجثث، 

 وأزقة تتلوى كالأفاعي، 

 وحجارة تنزف دماً، 

 تبسط المدينة ذراعيها؛ 

 ترتق فتوقها، 

 وتلعق جراحها.

جراح طعمها طعم الملح!

هذا هو الجدار المُنْتحب؛ 

 تكسو جسده الخدوش والدماء.

 هذه نهاية 

 تفضي إلى الصليب، 

 وإلى جرذ يقرض، ويقرض 

 داخل تلافيف العقل. 

الحر جن جنونه. 

استلقينا متجاورين 

مثل حدّي مدية، 

 والنهر الذي يشق طريقه بيننا، 

لا يداوي، ولا يطعم من جوع.

 عيوننا فلين محترق، 

 ولا تقوى على النظر. 

 من بين قشور 

التجهم والركوض

 انزلقنا 

 بعض حلقات 

 في سلسلة الوجود، 

 وعانقنا ميراث 

 الخواء 

 والرماد. 

هذا فصل محتضرٌ؛ 

 فصل تافه ومشدود الوثاق،

 ينتظر دوي المدافع. 

 حيث لا جدال ولا إجماع. 

وحده صوت 

الصمت 

 يضع حداً للحوار. 

 (2) عناق 

بعيداً عن التقاء صخب وهدوء 

 أمواه يتعذر عليها الارتماء 

 في أحضان خطوبة لاهثة بالافتتان؛

 بعيداً عن ظلام ألسن عكرة يكسوها الزغب,

وعيون وسنانة تعانق أمواج الأرق..

ها أنت تأوي إلي بيوت سلوانك الرحب.

 هل تذكر؛

 كيف أن البشاعة المفاجئة للشموس المدفونة

 جعلتك تنزلق في فضاءات التحجر،

 مطلقاً أفاعيك هاصرات الفرائس،

 مزلزلاً لحظة ميلادك؟

 أيها السم الإلهي!

ها أنت تستلقي الآن

 مضرج بدم عتيق

 يطوق الحمم.

 مروجك المموجة مبسوطة

مثل راحة كف شحاذ يستجدي العطايا.

 لم يعد أمامك سوى الرجوع 

إلى فراغ مقامك البدائي

لتعانق الرماد و صوت العدم.

 (3) أنت 

 توهجك أبدية؛

رقصة شبقة، متصوفة

 لجزيئات عناصر عُظمى

غرقت في فضاء التجلي.

 حينما تدور الذاكرة

كمجرى الدم؛

 حينما يستحيل الحب إلى ظلال زائلة

تلوذ بالفرار مثل مياه سراب مخاتل؛

 هل سيكتب علينا الزوال،

 و نصبح طلقاء كما الكوكب السيار،

 هل يمكننا أن نمسك بفراغ يفصل بين الكلمات؟

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

صلاح محمد خير

مترجم سوداني