في نقد وثيقة الحزب الشيوعي اللبناني: جمود وخوف من التطور التكنولوجي (1)

في نقد وثيقة الحزب الشيوعي اللبناني: جمود وخوف من التطور التكنولوجي (1)

حسين قاسم

يقدم عضو المكتب السياسي السابق في الحزب الشيوعي اللبناني حسين قاسم، قراءة نقدية لمشروع الوثيقة السياسية، التي قدمتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني للمؤتمر الثاني عشر للحزب الذي عقد هذا الشهر فبراير 2022 في مطعم الجسرــ الدامور. 

ننشرها على حلقات. 

 الحلقة الأولى:

 أن تبدأ الوثيقة في مقدمتها الى إلقاء اللوم على الجانب الفكري على الارتباك الذي أصاب الحزب منذ سقوط التجربة الاشتراكية المحققة، وعلى الوحدة الفكرية التي تركت انعكاسات سلبية على أدائه، ألا يُعتبَر ذلك تحميلاً للوثيقة وزراً كبيراً، لا سيما ان الحزب وفي عز توهج الفكر الماركسي شهد انقسامات متعددة وان نهضته كانت في تصحيح خطه السياسي الذي نحن بحاجة اليه أكثر من أية فترة سابقة، والأجدر هنا فتح باب الاجتهاد الفكري على الدوام وأن لا يُحصر بمناسبة حتى لو كانت مؤتمرية. ليجري بعدها طمس أهم انجاز للمؤتمر السادس الذي فتح المجال لتعدد المصادر الفكرية لتوصي الوثيقة الراهنة بآحادية الفكر الماركسي ــ اللينيني قاطعاً الطريق على تطوير فكر الحزب تمهيداً للإنفتاح على قوى اجتماعية متعددة. 

هذا التحديد أسر معدي الوثيقة في قالب جامد، عندما وصل الامر للتعريف عن دور الصين ونظامها وروسيا وكأن الامر اختلط على البعض المعتقد أن الاتحاد السوفياتي ما زال موجوداً وان ثمة نكسة وانتهت، ليصل الأمر إلى طرح مسائل مبسطة حول ما يجري في الصين، الصين التي تبني نظامها الصاعد على اسس رأسمالية بحيث أشار أن تلك المنطلقات هي من أهم اسباب نجاحاتها الاقتصادية، لا بل أن الصين تستثمر اليد العاملة وتستخدمها بأبشع صورها، أي تستغل ما تعرفه عن الطبقات الشعبية وتبيع قوتها الانتاجية مجاناً للاستثمار الرأسمالي، لا سيما وكما هو معروف أن الشركات الاحتكارية العالمية هربت من بلدانها إلى هناك لرخص اليد العاملة، أي أن قوة عمل الطبقة العاملة الصينية تباع ليس فقط للشركات الصينية بل الى الشركات الرأسمالية العالمية، وبالتالي إذا حقق الاقتصاد الصيني نمواً مضطرداً، فالفضل يعود لهذه الناحية، علماً أن التقديمات الاجتماعية هي دون المستوى المطلوب، ناهيك عن نمو طبقات مستفيدة تتكون شيئاً فشيئاً لتفرض مشيئتها وهيمنتها على النظام السياسي اللاحق، بحيث يصير دور الحزب الشيوعي هناك، الذي تشيد الوثيقة بدوره، هو بمثابة طوق لحراسة مصالح الطبقة الرأسمالية الصينية، وتبعاً للمادية التاريخية فأن تطور البنى التحتية للاقتصاد سيرافقه تطور في البنى الفوقية في مجالات العلوم والثقافة والسياسة تلائم تطوره، بيد أن الصين التي اختارت سياسة قمع داخلية، منعت إطلاق الحريات وتحقيق التطور الديمقراطي، اختارت سياسة ذكية ناعمة دولية وهذا فقط ما يميزها عن الدول الامبريالية الاخرى، فهي تعمل لمصالحها وتستثمر الشعوب الاخرى كزميلاتها من الدول الاستثمارية والاحتكارية الكبرى.

 هنا لا بد من لفت نظر البعض من أن الثورة الفيتنامية شكلت على الدوام منارة لكل قوى التحرر في العالم،إن فيتنام اليوم هي قاعدة أميركية متقدمة ضد الصين وما زال النظام الشيوعي فيها كالصين، وهي تتمتع بنهوض اقتصادي بارز وواعد، فلماذا لا تناقش هذه التجربة ايضاً؟.

 وبهذا المعنى إن تقدم الصين وفرض دور مقرر لها عالمياً لا يمكن أن ينطوي على مرحلة دولية على طريق الانتقال الى الاشتراكية، فهذا ذر للرماد في العيون، ووهم في محاولة للهروب للأمام، لعدم السعي لاستنباط سمة العصر الراهن، وهو تناقض فادح تتميز به الوثيقة فهو من جهة يجزم بأن الصين تسير في الطريق لتحقيق الاشتراكية، ومن جهة أخرى يطرح عدة خيارات لتطورها. 

للعلم إنه في الأزمة المالية العالمية التي حدثت في العام 2008 والتي وصفتها الوثيقة بأنها اخطر من أزمة الكساد الشهيرة وأن الرأسمالية لم تتعاف منها حتى الآن، فإن الصين قد ساهمت بدعم الامبريالية الاميركية بأن اشترت سندات خزينة بمليارات الدولارات أي إنها كمن يضخ الدم في القلب مباشرة، بينما هناك عدد من حلفاء أميركا كانوا أقل سخاءً من الصين.

 إن خوف معدي الوثيقة من التقدم التكنولوجي وعولمة هذا التطور، هو خوف ليس بمحله والأهم إنه ليس واقعياً، والذي بلغ اقصاه في الصفحة 29 وهو الخوف من عولمة البنية الفوقية مما يستولد هيمنة جيوسياسية وثقافية واعلامية وروحية وأيديولوجية ذات طابع أمبريالي على حد تعبير الوثيقة، لكن الأخطر هو خوف الوثيقة من أن التقدم الآلي سيزيد منسوب البطالة، كذلك سيزيد التفاوت بين مستويات الشعوب، من البديهي أن لا يستدعي ذلك خوفاً بل يستدعي رؤية التطور الحاصل من جوانب أخرى وليس من جوانب قراءات قديمة عفى عليها الزمن، فالأجدى هو الولوج إلى الثورة التكنولوجية بمناحيها كافة، بحيث تحتاج الى لغة اخرى وأدوات اخرى وقوى اخرى تتكلم لغة العصر، فالاشتراكية التي ما تزال عالقة بأذهان الناس هي الاشتراكية التي جلبت الويل والثبور وعظام الامور للناس، هي الأنظمة التي حولت شعوبها إلى مجتمعات فقيرة متخلفة منحطة، هي الأنظمة التي قمعت شعوبها كما هو الحال في كوريا الشمالية، هي التي دعمت قوى الإستبداد في مختلف أنحاء المعمورة، وأن الصين التي يتغنى البعض بتطورها هي نموذج عن إحتقار البشر وإستغلالها وبيع قوة عملها بأبخس الاثمان، وأن الدول الناهضة التي تراهن الوثيقة عليها هي دول هشة، باقتصاد هش، يجاهد من أجل إنتزاع بسمة من الإمبريالية وليس منافستها أو الصراع معها. إن الثورة التكنولوجية العالمية ومفعولها وبناها التحتية والفوقية تغلغلت في تفاصيل البشرية جمعاء، بحيث إنه صار من الضروري إطلاق يسار يحد من جشع أدوات هذه الثورة والحد من غلوائها بالنضال من داخلها بخطاب جديد مفهوم للجيل الجديد، يتحدث بلغة السلام والعدل والرخاء بعيداً عن مفردات العنف وكذلك عن المفردات التي ترمز للماضي. 

إن القوى العالمية وهي تبحث عن سُبُل حماية الكوكب والمحافظة على الطبيعة ولمعالجة الكوارث البيئية والمتغيرات المناخية، تتفق أميركا والصين ضد مساعي البشرية جمعاء. أخيراً وفي هذا القسم إن الاتحاد السوفياتي الذي شوه الصراع الدولي مما سمح لاميركا والغرب بالتفوق عليه والانفراد بقيادته وتقرير مصيره، كذلك فإن الصين سكتت على ممارسات اميركا طيلة العقود الثلاثة السابقة بحيث ان شبكات العولمة شملت ادق حياة الناس وان اداراتها محصورة عند الشركات الكبرى الاميركية.

شارك الموضوع

حسين قاسم

ناشط ومحلل سياسي لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *