في نقد وثيقة الحزب الشيوعي اللبناني: شعارات من زمن مضى (2)

في نقد وثيقة الحزب الشيوعي اللبناني: شعارات من زمن مضى (2)

حسين قاسم

يقدم عضو المكتب السياسي السابق في الحزب الشيوعي اللبناني حسين قاسم قراءة نقدية لمشروع الوثيقة السياسية التي قدمتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني للمؤتمر الثاني عشر للحزب الذي عقد في مطعم الجسر ــ الدامور ننشرها على حلقات وهنا الحلقة الثانية يناقش فيها القضية الفلسطينية والاقتصادية ــ الإجتماعية في لبنان: 

القضية الفلسطينية

تشير الوثيقة إلى أهمية القضية الفلسطينية ومركزيتها وأولوية الصراع مع العدو الصهيوني، لكن كان الأفضل إضافة لهذا التأكيد، أن يبادر حزباً له دوراً هاماً وتاريخياً في دعم نضال الشعب الفلسطيني، في مناقشة معمقة وصريحة وواضحة، لا أن يهرب للامام عبر ترداد شعارات مضى عليها الزمن وتخلى عنها اصحاب القضية الفعليين، وبالتالي أليس ثمة داعٍ لأن نناقش شعار القرار الوطني الفلسطيني المستقل الذي رُفِع منذ بدايات الثورة الفلسطينية وكرستهِ مسيرتها الشاقة، وبالتالي فإن لهذا الشعار تداعيات وهي أن الشعب الفلسطيني صار هو المسؤول عن مصير قضيته ونحن ندعمه حسب ظروف بلادنا، أي أن وضع لبنان هو أولوية على أية قضية أخرى بما فيها القضية الفلسطينية. 

ثم ألم يحن الآوان القول أن انظمة الاستبداد العربية وعلى رأسها النظام السوري قد أساء للقضية الفلسطينية بما يوازي جرائم العدو الصهيوني، ألم يحن الآوان القول أن الدور الإيراني فعل بالقضية الفلسطينية ما عجز عنه الإحتلال الاسرائيلي وعنيت به ضرب الوحدة الفلسطينية عبر دعمه وتشجيعه للانقسام الذي تقوده حركة حماس وغيرها، بل تشير الوثيقة لعكس ذلك في الصفحة ٦٣ حيث تلفت النظر الى الدعم الذي قدمته ايران لحركات المقاومة ضد العدو الصهيوني. 

مؤسف جداً تصنيف حركة حماس على انها مقاومة. والشيء بالشيء يذكر فأن الوثيقة في الصفحة ٦٤ تشيد بالنجاحات التي حققتها إيران ولم تنبس بأية كلمة تشير لقمع النظام الإيراني وإضطهاده وإجهاض إنتفاضاته عدا عن سياسة القهر وقمع الحريات وسلب حقوق الطبقات الشعبية والفقيرة وكأنها مسألة لم تعد من اهتمامات معدي وثيقة ستطرح أمام الشيوعيين، ناهيك عن دورهم في ضرب المقاومة الوطنية اللبنانية وتحويل أنبل ظاهرة في التاريخ العربي الى جعل لبنان ورقة صراع مع العدو وليس دوراً تحررياً يُستند اليه لبناء وطن ديمقراطي حر قوي وقادر، والأنكى من ذلك وهو ما يبدو فضيحة الفضائح إنه خلال التعرض لنقاش آثار الدور الايراني في المنطقة العربية تشير الوثيقة الى أن هذا الدور يسهم في إعاقة قيامة الدولة المركزية وتعطي العراق أنموذجاً، دون أية إشارة الى بلد الشيوعيين اللبنانيين، وكأن من أقر الوثيقة لم يسمع بالتصريحات المتتالية للمسؤولين الإيرانيين الذي يتباهون على الدوام بسيطرتهم على لبنان ومصادرة قراره السيادي، ولا ينتبهون لخطابات جماعة إيران في لبنان وتبعيتهم للدولة الايرانية. 

ثم أن المهزلة تكمن في الصفحة ١٨٤ بالاشادة بالدورين الإيراني والروسي في الحرب السورية، لا سيما بالدور الايراني وحلفاؤه، دون أي ذكر أو تعرض لهؤلاء عن مسؤوليتهم بإجهاض الثورة السورية عند انطلاقتها كثورة سلمية راقية نبيلة، ودون أية اشارة لدور هؤلاء في قتل وذبح الشعب السوري وسبي نسائه واطفاله وتهجيرهم في أصقاع المعمورة ومساهمتهم المشبوهة في تغيير الديمغرافيا السورية في تقسيمها وتفتيتها. للدلالة أن من أقر تلك الوثيقة ما زال يعيش في الماضي هي الدعوة المكررة من أجل مقاومة عربية شاملة، أقل ما يُقال في هكذا اقتراح هو تسلية وإقتراح طفيلي يكز عن الماضي وكأنه لم يختزن هذا الحزب العريق مخزوناً ثورياً، فأراد من قرر الوثيقة ان يتسلى بشعارات رنانة، ألم يسأل المعنيون انفسهم متى طرح الحزب شعارات غير قابلة للتحقيق كي يُطرح اليوم هذا الشعار؟. و

لكي تُستكمل المهزلة في الوثيقة بأنها تذكر في الصفحة ٦١ من الهجمة على سوريا بانها استهدفت دعمها للمقاومة، عن أية مقاومة يتحدث هؤلاء؟ عن جمول؟ ومن ضرب جمول ومن إغتال كوادرها وقتل قائدها جورج حاوي. ثم حدث ولا حرج عن نقاش الربيع العربي والانتفاضات العربية، كأن الوثيقة تتحدث عن تطورات حصلت في كوكب آخر، وهي تستعرض كأن الحركة الشيوعية العربية كانت تعرف وتدرك أن البلدان العربية قادمة على ثورات وانتفاضات، ثم وكأن الأحزاب الشيوعية العربية إنخرطت بهذه الانتفاضات، فيما هو معروف أن بعض هذه الأحزاب وقف مع أنظمة الإستبداد، وأخذ البعض الآخر مواقف ملتبسة، فيما إكتفت البقية بالتفرج وتستنبط حوارات ونقاشات عن جنس الملائكة. 

آن أوان الشيوعيين اللبنانيين أصحاب المبادرات الوطنية والقومية والاجتماعية تبني خطاب آخر جذري، مختلف كلياً عن الخطاب الراهن البعيد عن التاريخ التنويري والنهضوي للحزب الشيوعي اللبناني. 

البنية الاقتصادية ــ الاجتماعية

في الفصل الثالث ص ٧٠ تحت عنوان البنية الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، تعرض الوثيقة تفصيلياً عرضاً يشمل مسائل عديدة لكنه يقفز عن مسائل اساسية، ربما سقط سهواً عن بال معديها أم قصداً، أن يجري إغفال كيف اقدم النظام السوري على تلزيم العمل المقاوم ضد الاحتلال الاسرائيلي الى حزب الله، أسوة بتلزيم باقي قطاعات الدولة لقوى السلطة آنذاك، سيما وأن ذلك تم على حساب دورنا البارز في المقاومة وما رافقه من إضطهادنا وقمعنا وإقفال المنافذ امام مقاومينا وحصارنا وقطع اإداداتنا، فكيف تسقط هذه المسألة من بال من أعد هذه الوثيقة، انه لأمر مريب جداً. 

ثم تلجأ الوثيقة إلى تحريف الوقائع في محاولة لتبرئة الهيمنة السورية على لبنان آنذاك حيث لجأت السلطة وبتوجيهات سورية من ضرب الإتحاد العمالي العام والاطر النقابية بإستهداف مباشر للحزب تمهيداً لتحويل النظام اللبناني لنطام بوليسي ليكتمل المشهد برفض الترخيص للتلفزيون الذي كان يملكه الحزب وذلك بنفس السياق. في الفصل السادس ص ١٣٥ تحت عنوان التحالفات وفي قسم مبادئ الممارسة التحالفية لا سيما مع القوى الدينية، تُقر الوثيقة بممارسة حزب الله مقاومة ضد “إسرائيل” والمخططات الامبريالية في لبنان والمنطقة، وتضيف الوثيقة أن التباين الفكري معه والسياسي ومفهوم المقاومة، لم يمنعنا من التقاطع حول مقاومة الاحتلال الصهيوني للبنان وحول الموقف من الكيان الصهيوني، دون الإشارة الى عدم سماحه للشيوعيين بممارسة هذا الدور والأهم عدم الاشارة للإعتداءات التي تعرضوا لها في الجنوب. وتشير الوثيقة في معرض سرد التمايز عنه بأنه كان من أقوى حُماة النظام الطائفي خلال انتفاضة ١٧ تشرين، لكنها لا تشير بتاتاً الى دوره القيادي في قمعها بالقوة وبالموقف الهام والحازم ضد الانتفاضة الذي أدلى به أمين عام حزب الله عند أوجها، مع أن الملفت كان إيراد هذه المسألة تحت بند التحالفات في إشارة بارزة الى موقع الحزب في المرحلة القادمة وهي المرحلة الأكثر اهمية وخطورة في تاريخ لبنان. 

وإستمراراً بإضفاء الضبابية والميوعة على مواقف مصيرية وهامة، أنه في القسم الثالث تحت عنوان الوضع اللبناني ص٢٠٦ تشير فيه الوثيقة الى أن تدخل البرجوازية الامبريالية الصهيونية والأنظمة العربية أدى سابقاً الى تحجيم الحركة الوطنية ووووو واليوم يستمر هذا التدخل ويخضع لشروط الكيان الصهيوني في ترسيم الحدود البحرية وسحب سلاح المقاومة، دون أية اشارة هنا حول دور ما يسمى بسلاح المقاومة التي تتغزل به الوثيقة لإفشال المخطط الصهيوني، أي اذأ لم تكن وظيفة هذا السلاح إفشال أكبر عملية إحتلال لثروة لبنان الوطنية، فما هي وظيفته إذن؟ 

ناهيك عن دور هذا  السلاح في قمع اللبنانيين مراراً، والأهم هو هذا التمادي في حمل شماعة الإمبريالية، إن الطفل في لبنان يدرك إنه اذا لم يقبل حزب الله بالمفاوضات البحرية مع اسرائيل فلن تحصل بتاتاً، فكيف أن من يطرح هذه الوثيقة لا يعرف، ام إنه يدرك ويحاول تبرئة المرتكب.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

حسين قاسم

ناشط وكاتب سياسي لبناني