في نقد وثيقة الحزب الشيوعي اللبناني: من فلسطين إلى الاغتيالات والطرد وبينهما المقاومة (4)

في نقد وثيقة الحزب الشيوعي اللبناني: من فلسطين إلى الاغتيالات والطرد وبينهما المقاومة (4)

حسين قاسم

قراءة نقدية لمشروع الوثيقة السياسية التي قدمتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني للمؤتمر الثاني عشر للحزب الذي عقد في مطعم الجسر ــ الدامور،  يقدمها عضو المكتب السياسي السابق في الحزب الشيوعي اللبناني حسين قاسم.

هنا الحلقة الرابعة الهادفة إلى “صياغة مساهمة متواضعة لرسم بياني للاسباب الحقيقية، الخفية أحياناً والظاهرة أحايين، للخلافات أو التناقضات داخل الحزب، منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، والتي أدت إلى حدوث انشقاقات وتكتلات حزبية داخله، بحسب قوله، متسائلا عن “القاسم المشترك الذي جمع أسباب الخلافات الداخلية الأساسية في الحزب الشيوعي اللبناني؟”.

عن فلسطين وخلافات الحركة الشيوعية

شكلت موافقة الاتحاد السوفياتي على قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين الصادر عام 1947 والذي حمل الرقم 181 إلى دولتين عربية وعبرية، قنبلة انفجرت في مواجهة الحركة الشيوعية العربية الناهضة آنذاك على إثر انتصار الاتحاد السوفياتي على الفاشية والنازية بالحرب الكبرى، مما أثار موجة عداء غير مسبوقة للشيوعية في المنطقة العربية، وقد ساهم موقف أمين عام الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش المؤيد لقرار التقسيم، وهو المكلَّف سوفياتياً الإشراف على الحركة الشيوعية العربية، بتسعير موجة العداء المذكورة، حينها انبرى الشهيد فرج الله الحلو أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني لصياغة موقف ضد قرار التقسيم، مشيراً فيه إلى أنه إذا كان للاتحاد السوفياتي اعتباراته ومصالحه كدولة كبرى، لكن هذا لا يتعارض مع موقف يتخذه الشيوعيون والوطنيون العرب، رفضاً لموقف دولي يمس مصالحهم القومية والوطنية بالصميم. 

أثار هذا الموقف غضب المرجعية البكداشية إلى مستوى تخوينه، تراجع فرج الله عن موقفه، ثم أدت موجة العداء حد ضمور الأحزاب الشيوعية العربية جماهيرياً وتعرضها إلى حملة قمع من قوى الاستبداد، وقد دفع فرج الله ثمن موقفه اغتيالاً وتذويباً لجسده بالأسيد في أقبية حكم عبد الحميد السراج في دمشق في حقبة الوحدة المصرية ــ السورية. ناهيك عن مصادفة هذه المرحلة مع محاولات قيادة الحزب الشيوعي اللبناني الاستقلال عن الحزب الشيوعي السوري لأنهما كانا حزباً واحداً، وهي بالأحرى كانت محاولات للبننة الحزب، أي انها تحمل في طياتها تعزيزاً وتأصيلاً لوطنية الحزب وتنمية لشعور وطني لبناني، بدأ يتنامى ويتشكل بعد نيل لبنان استقلاله في العام 1943، بيد إنه من هذه النقطة بدأت الخلافات حول الأولويات، كيف يُرسَم سُلَم الاولويات، وطني، قومي، أممي؟ أم العكس، أممي، قومي، وطني؟، حينها بدأت قوى التغيير في الحزب الشيوعي اللبناني، ورمزها جورج حاوي، تُعبِر عن موقفها مستعملة كل الأساليب بما فيها الناعمة لتبقى داخل الحزب من جهة ومن جهة أخرى لإحداث تغيير سياسي جوهري في موقفه، مثلاً كانت تطرح أن تكون أممياً اكثر، عليك أن تكون قومياً أكثر، ولكي تكون قومياً وأممياً أكثر عليك أن تكون وطنياً أكثر. 

عشرون سنة من الهزائم

استمرت تلك الحالة عشرون سنة، إلى حين حصول هزيمة الأنظمة العربية في حزيران 1967، على أثرها وبوهج نتائجها وتطورات حزبية أخرى، انعقد المؤتمر الثاني للحزب ليصحح المسار وليحدث تغييراً جوهرياً في الموقف السياسي، تصحيحاً للموقف من القضية الفلسطينية ومن القضية القومية، معيداً الاعتبار لفرج الله الحلو ولموقفه ومرتباً للأولويات، صارت الوطنية اللبنانية أولاً يليها القضية القومية ومركزيتها القضية الفلسطينية لتليها القضية الأممية، مع تصور مفهوم لها لا يتعارض مع مصالحنا الوطنية والقومية. 

بالمقابل خرجت من الحزب قوى حزبية مؤثرة وبقي لها جذور بداخله، وإن كانت جذوراً نائمة عبرت عن نفسها بطريقة أو أخرى فيما بعد.

 ثم جاء المؤتمر الثالث ليعطي أهمية أكبر للدور الوطني وللتحالفات الوطنية ولإطلاق المجال أمام النضال الديمقراطي العام، على إثره اجتاحت البلاد نهضة يسارية ديمقراطية عارمة، لتحدث هلعاً لدى البرجوازية اللبنانية، مما ساهم بالإسراع بنشوب الحرب الأهلية لوضع حد للتغيير الصاعد. لتتوج بصياغة البرنامج المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية بحيث شكل التحالف الاشتراكي ــ الشيوعي، بقيادة الشهيد الكبير كمال جنبلاط، وليحصل على إثره غزو النظام السوري للبنان، موجهاً ضربة قاضية لأحلام التغيير الحقيقي في لبنان. 

الروس رفضوا أوليتنا الوطنية

لكن على صعيد الحزب، كان للموقف السوفياتي الرافض لموقف القيادة بالتصدي للغزو السوري أثره داخل الحزب وإن كان غير مؤثراً، لا سيما أن موقف الحزب آنذاك حكمته أولويتنا الوطنية وليست الأممية ولا التبعية للسوفيات، بالمقابل شكلت تلك المحطة نقطة أخرى تضاف للنقطة الأولى، بحيث أن منسوب التناقضات ينصب على الموقف من القضية الوطنية ويزيد من تفاعل النقاشات الداخلية حول العلاقة مع السوفيات ومع النظام السوري.

 أما النقطة الثالثة والهامة في الخط البياني والتي يجري التعتيم عليها أحياناً هي اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1982، بحيث أن السوفيات ما استحبوا تلك الخطوة، وأفادونا أن لبنان سقط تحت السيطرة الإمبريالية الأميركية والإسرائيلية، وإنهم سيردوا في أية بقعة في العالم، كون الصراع هو صراعاً كونياً وأن لبنان ساحة من ساحاته خسرتها حركة التحرر الوطني العالمية.

 بدورها قيادة الحزب رفضت هذا الطرح، وارتأت انه عندما يتعلق الامر بالقضية الوطنية وبتحرير الأرض من الاحتلال، فهذا واجبنا ونحن أصحاب القرار بشأنه، وانطلقت المقاومة كما هو صار معروفاً، لكن الموقف السوري كان مشجعاً وداعماً، الى أن حصل تطور داخل القيادة السوفياتية، وعلى أثرها حصلنا على دعم غير مسبوق لنضالنا المقاوم كان له الأثر الحاسم في تحرير القسم الأكبر من أرضنا المحتلة، في حين تعالت بعض الأصوات التي تتهم القيادة بأنها مغامرة، بحيث إنها تخوض معركة غير متكافئة وقد تودي بالحزب إلى كارثة، معركة يخوضها الشيوعيون واليساريون دون تغطية عالمية وعلى الأخص سوفياتية.

النظام السوري وضبط “المقاومة”

 النقطة الرابعة في الحد الفاصل، حيث خرج الخلاف إلى العلن، وكانت ساحته المؤتمر الخامس، سبق ذلك اندحار العدو في العام 1985 عن معظم أرضنا المحتلة بفضل مقاومتنا “جبهة المقاومة الوطنية  اللبنانية” (جمول)، بهذا الإطار حاول النظام السوري أن يضع التحرير في خانته واعتبارها إنجازا من إنجازاته، وارتأى ضبط إيقاع العمل المقاوم كله تحت وصايته، رفضنا نحن، وكانت خلفية رفضنا هي ذاتها الخلفية الوطنية التي رفضنا بموجبها النصيحة السوفياتية، ولتلك المرحلة تفاصيل كثيرة ستأتي لاحقاً، كذلك في هذه الحقبة رفضنا الطلب السوري الانخراط في حرب المخيمات على خلفية موقفنا القومي من القضية الفلسطينية، وعلى خلفية موقفنا الوطني رفضنا طلبهم بالدخول بحرب إقليم التفاح ضد حزب الله. 

بهذا الإطار رجحنا الموقف الوطني بأننا لن نقاتل فصيلاً يقاتل إسرائيل على الرغم من أن الصراع الدموي بيننا وبين حزب الله كان دائراً، وكنا سوياً فاروق دحروج وأنا عند غازي كنعان عندما وصف حزب الله بـ”الإخوان المسلمين الشيعة”، قائلاً لنا إنه جاء دوركم بالانتقام منه، فرفضنا ذلك رفضاً قاطعاً. 

هذه النقطة من أهم النقاط، بحيث إنها تختزل موقف الحزب المركب والمعقد، من جهة اغتيالات ضدنا تنفذها جماعات إيران وسوريا، بالوقت الذي تشهد فيه الحرب اللبنانية محاولات لوقفها تمثلت بمؤتمري جنيف ولوزان زائداً ملابسات الاتفاق الثلاثي، وعلى صعيد الحزب الداخلي طُرحت مسائل سياسية تطالب بالانسحاب من الحرب وأن يشمل عملنا النضال ضد القوات السورية والاسرائيلية معاً، تقابلها طروحات أخرى مضادة. 

لكن الذي أود تسجيله هنا، أن قضايا الخلاف في الحزب تتوالى عند التقاطع ذاته والذي صار أوضحا وهو الموقف من الدور والوجود السوري. 

استقالة حاوي وطرد قيادات

النقطة الخامسة هي مصادفة تحرير باقي الأراضي اللبنانية المحتلة من العدو الاسرائيلي مع موت حافظ الاسد في العام 2000، أصدر الشهيد الكبير جورج حاوي تصريحاً هاماً، اعتبر فيه أنه باندحار العدو وتحرر الأرض صار لبنان وطناً ولم يعد ساحةً أو ملعباً لأحد، داعياً إلى دخول الجيش إلى الجنوب وإلى إعادة انتشار القوات السورية، تطبيقاً لاتفاق الطائف، هذا الموقف تبناه المجلس الوطني للحزب (اللجنة المركزية) في تموز – يوليو من العام نفسه. 

في صيف ذلك العام جرت الانتخابات النيابية وعند تقييمها انفجرت خلافات سياسية حادة في القيادة، وعلى أثرها جرى طرد عدد من رموز النهج السيادي أو الوطني، ثم استقال “ابو أنيس” (جورج حاوي) مجدداً من رئاسة المجلس الوطني، أدت هذه التطورات إلى انكفاء عشرات الكوادر. 

ما أود قوله هو أن الخلاف ينحصر عند نفس النقاط السابقة، أي الموقف من الدور السوري وما يمثله.

 النقطة السادسة هي تطورات العام 2005 وانسحاب قوات النظام السوري واستشهاد الرفيق جورج حاوي، لا بد من لفت النظر إلى أنه في النقاط الخمس السابقة كان الحزب يتوقع حصول تطورات في المشهد السياسي ويُحضر نفسه لها، لكن الحزب في المرحلة التي سبقت تطورات العام 2005 لم يتوقع تداعيات القرار الدولي الرقم 1559، وكذلك الحركات الداخلية من قرنة شهوان إلى المنبر الديمقراطي إلى لقاء البريستول، إلى دور بكركي وإلى تداعيات أحداث 11 ايلول- سبتمبر، ومن بعدها غزو العراق وأفغانستان، فأخذ الموقف الوسط ليعلنه بلغة صنفته مع قوى الثامن من آذار، لا سيما الموقف من اغتيال الأمين العام الأسبق جورج حاوي ليضعها فوراً في خانة اتهام الإمبريالية وإسرائيل، مما وضع الحزب في تجمع قوى الثامن من آذار، بينما هو ليس منهم أو معهم، علماً أن أبو أنيس لم يكن في قوى الرابع عشر من آذار، مع أن الاوساط القيادية الداخلية أكدت أن النظام السوري وحلفائه هم من قتلوه، لتستمر هذه القضية الهامة دون اهتمام أو متابعة من القيادات المتعاقبة لدرجة تثير الريبة والتساؤل في آن. 

الموقف من السيادة وتدخلات إيران

في هذه النقطة، يتصاعد ويتجمع الخلاف حول الموضوع نفسه منذ نكبة فلسطين حتى اليوم، وحالياً وبعد انكفاء دور النظام السوري نتيجة انسحاب جيشه في العام 2005، ترأس المشهد حزب الله مكملاً مسيرة النظام السوري في الهيمنة على لبنان ومصادرة القرار السيادي للدولة اللبنانية وليحول لبنان إلى ساحة للنفوذ الإيراني، لا سيما أن المسؤولين الإيرانيين أكدوا مراراً إنهم يسيطرون على قرار الدولة اللبنانية، لكن بالمقابل ظل موقف الحزب ملتبساً، لا هنا ولا هناك، وبصرف النظر عن موقف أحدنا، لكن وعي الناس ترجح أن مواقف الحزب تميل إلى مواقف حزب الله وقوى الممانعة إلى أن أتت الوثيقة لتزيد هذا الالتباس، وقد أشرنا لذلك في إطار التفنيد الدقيق للفقرات التي تعبر عن ما نذكره حالياً.

 إذا أردنا ان نستنتج مما تقدم هو أن المشكلة ذاتها منذ نكبة فلسطين حتى اليوم هو حول قراءة الموقف الوطني وأن المسائل الاخرى، على أهميتها، لم تكن سبباً مهماً، فلا التباين في النظرة للعقيدة ولا في أساليب التنظيم وغيرها كانت عناصر تؤدي إلى احداث هذا الكم من التراجع والضمور في عمل الحزب. وحده موقفاً وطنياً جذرياً يُحدد طبيعة القضية الوطنية اللبنانية هو الكفيل بإعادة الحزب إلى صلب الحياة السياسية اللبنانية، وهو موضوع الحلقة المقبلة.

Visited 8 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

حسين قاسم

ناشط وكاتب سياسي لبناني