“أوراق كاتب عدل”… ثقافة قانونية بقصص تحاكي الواقع

“أوراق كاتب عدل”… ثقافة قانونية بقصص تحاكي الواقع

د. خالد العزي

يحاول صخر عرب في كتابه “أوراق كاتب عدل”، الصادر عن الدار العربية للعلوم ــ ناشرون، أن يعرض الكثير من القصص بطريقة سلسة وبأسلوبه المميز في تقديم القصص والأحداث، التي تحكي مشاكل كثيرة يتعرض لها الناس خلال إنجاز معاملاتهم وأرواقهم القانونية، نتيجة عدم المعرفة التامة بالقوانين، وغياب الثقافة القانونية لدى الجميع، والتي تضع المعاملة تحت الشبهة القانونية، لأن العدو الفعلي للناس ولكتاب العدل هم “المزورون والنصابون المحترفون”، الذين يوهمون الجميع بأعمال مخالفة للقوانين، نتيجة معرفتهم بطرق للاحتيال على القانون، وإيهام الآخرين بقدراتهم الخارقة في حل المشكلات القانونية، لكن قدرات كاتب العدل تقف في المرصاد لإسقاط محاولاتهم. 

في البداية ظننت بأن الكتاب، الذي يحمل عنوان “كاتب عدل”، يحاول تفسير القوانين والمعاملات القانونية وكيفية تسجيلها، من نقل الملكية وإجراء المعاملات الخاصة والعامة وفقا لنصوص القوانين التي يمكن اتباعها في القانون اللبناني، بحسب المواد والنصوص والتفسيرات القانونية المتبعة لدى المحامين وكتاب العدل. لكن الكتاب لم يتوقف أمام هذه النصوص والقوانين بعمق، لأنها غير المقصودة بالشرح، حيث اعتبرها الكاتب ضمن سياق العمل القانوني الذي يتمتع به كل قاضي أو محام أنهى دراسته للقانون اللبناني، وهو أمر عادي جدا في إطار التخصص، لكن الكاتب حاول من خلال نصوصه المتعددة تقديم خبرته مع الزبائن بمختلف فئاتهم العمرية وتوجهاتهم الاجتماعية والدينية، بهدف التوعية القانونية وكشف أعمال المزورين والسماسرة الذين يستخدمون أصحاب الحقوق والمهنة القانونية، لمصالحهم في تحقيق الربح والسمسرة، ولو كان ذلك على حساب الأخلاق والقيم والوطنية والدين والقانون. 

هذا الكتاب، صرخة واضحة من مواطن مارس مهنة كاتب العدل طوال ستة وثلاثون عاما، وعرف الكثير من نقاط الضعف والقوة، وكان اجتهاده الأساسي مرتكز على ضميره المهني وعلى القانون لحماية حقوق الناس، بالرغم من تعرضه للكثير من المواقف المحرجة، التي صورها في حكاياته. في إحدى الحكايات يعرض صخر عرب كيف تعامل مع سكان المخيمات والمعتقلين مقدما اجتهادات لتحصيلها عبر وكالات استلام أموال من قبل منظمة التحرير الفسطينية في مناطق خارج نطاق الاحتلال، لا سيما في البقاع اللبناني وسوريا، وهو بذلك استطاع مساعدة الفلسطينيين القابعين في مخيمات الشتات الكثيرة.

 لم يخف صخر عرب من تحمل المسؤولية الوطنية ليجتهد بالقانون لمساعدة هؤلاء الذي يعانون من المحتل واستطاع الوقوف بوجه العملاء والمحتل بطريقة غير مباشرة بشجاعة. كما تحدى المزورين الذين اختبأوا تحت عباءة الدين والفقه والشريعة، كاشفا الأخطاء التي يرتكبونها. ومن يطلع على الكتاب يدرك أنه أمر ضروري للاطلاع عليه من قبل القانونيين وكتاب العدل  والباحثين. 

صخر عرب، هو ابن مدينة صور الجنوبية، وكتابه يعتبر الأول من نوعه في لبنان، وربما في الوطن العربي، كونه يعرض في مضمونه المشاكل التي تواجه كتاب العدل، ويقدم تجربته عبر حكايات واقعية مفيدة للقارىء، تسهم في تعميم ثقافة قانونية لدى الجمهور، وتيسر سبل محاربة ومحاصرة السماسرة الذين يهددون القانون والدولة والناس.  إن إنتاج صخر عرب يساعد في تجديد العمل الكتابي والإبداعي لدى أصحاب التجارب المختلفة، ويقدم خدمة للآخرين، مغنيا المكتبة اللبنانية والعربية في نفس الآن.

Visited 9 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني