جريمةُ حرق الأسرى المصريين الصهيونية.. بماذا تختلف عن جرائم داعش الإرهابية؟

جريمةُ حرق الأسرى المصريين الصهيونية.. بماذا تختلف عن جرائم داعش الإرهابية؟

عبد السلام بنعيسي

حين أعدم تنظيم داعش الإرهابي الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقا سنة 2015، اهتز الرأي العام العالمي كلُّه لهول تلك الجريمة البشعة، وأدانتها البشرية بأسرها بأقوى العبارات، فلقد كانت جريمة مروعة ولا تستحق إلا الإدانة، ولا يجوز إلا التنديد بداعش الذي اقترفها في حق طيارٍ كان أسيرا لديه، ومجردا من كل سلاح، اقترفها، ضدا في جميع الشرائع الوضعية والسماوية، التي ترفض قتل الأسير، بالأحرى حرقه حيا…

لكن بماذا تختلف الجريمة التي ارتكبها الجيش الصهيوني في حق الجنود المصريين الأسرى لديه سنة 1967، عما فعله داعش سنة 2015؟ لقد اعترف أفراد من ضباط هذا الجيش وجنوده بأنهم أعدموا حرقا حوالي 80 جنديا مصريا، ودفنوا بعضهم أحياء في مقابر جماعية. أليس هذا تصرفا داعشيا؟ ألا يتطابق ما قام به الجنود الصهاينة ضد الأسرى المصريين في فلسطين مع ما كان يفعله داعش في أسراه في المدن والبلدات العراقية والسورية التي كانت تقع تحت سيطرته؟ بل، أليس هذا التصرف الصهيوني في الجنود المصريين عبارة عن إعادة إنتاج للجرائم التي كان يقترفها النازيون حين كانوا يُقدِمُون على حرق اليهود في أفران الغاز، كما تعرضُ ذلك الرواية الصهيونية؟؟

لم يستسغ العالم حرق الطيار الأردني الكساسبة وأصابه الذهول نتيجة لما فعله فيه داعش، ولقد كان لنقل الحدث، بالصوت والصورة، أثر بالغ في إدراك العالم هول ما أقدم عليه داعش، حين ظهر الطيار الأردني والنيران تزحف نحوه، وهو المسكين يحاول يائسا إطفاء اللهب بيديه، ونفس الأمر، وربما أخطر منه، وقع للأسرى المصريين وهم يُحرقون على أيدي الجنود الصهاينة، والخلاف القائم بين الحالتين، هو أن عدد الأسرى المصريين كان 80 فردا، في حين كان الكساسبة لوحده، إلا أنه حظي بتعاطف كبير، لأن العالم شاهد ما وقع له، صوتا وصورة، في حين لم تتح هذه الإمكانية لنظرائه المصريين، فلقد كانت الكاميرا غائبة، وارتُكبت الجريمة بدون ضجيج.

حرقُ الأسرى المصريين ليس هذا فعلا طارئا ويتيما صدر عن الدولة الصهيونية، فلقد أعقبه حرقُ مستوطنيها سنة 2015 الطفل الفلسطيني الرضيع علي دوابشة، بعد إضرامهم النار في منزل عائلته، كما قام قبل ذلك مستوطنون آخرون في سنة 2014 بخطف الفتى الفلسطيني محمد حسين أبو خضير ذو 17 عاما من أمام مسجد في قرية شعفاط بالقدس أثناء توجهه لأداء صلاة الفجر، وأرغمه خاطفوه، في مكان مهجور، على شرب البنزين، وصبوه فوقه، ثم أضرموا النار في جسمه الطري، ناهيك عن المجازر والمذابح الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي يقترفها الصهاينة بالجملة، بمدافعهم، ودباباتهم، وصواريخهم، وطائراتهم ضد الفلسطينيين.

لنعكس الآية ولنتصور أن الأسرى الذي أحرقوا ودُفنوا في مقابر جماعية كانوا صهاينة، وأن الذين قاموا بذلك مصريين، أو سوريين، أو فلسطينيين، أو لبنانيين، ماذا كان سيقع؟ من المؤكد أن العالم كان سينقلب رأسا على عقب، وكان سيطالب بمحاكمة مقترفي تلك الجريمة، وكان سيفرض على دولتهم الحصار والعقوبات الخانقة لتسليمهم للمثول أمام القضاء، وكان الكيان الصهيوني سيجبي من هذه الحادثة مغانم مالية وسياسية كثيرة ومتنوعة…

لنتذكر ماذا فعل الغرب، حين أسر الجيش العراقي بعض الجنود الأمريكان في حرب إخراج القوات العراقية من الكويت، وقامت بغداد بإظهار صور لهم في شاشة التلفزيون للإخبار بأسْرهم، لقد انطلقت وقتها حملة دعائية لا حدود لها ضد العراق، واتُّهمت القيادة العراقية بخرق اتفاقيات جنيف التي تحُضُّ على احترام حقوق الأسرى، وتمَّ تهديد بغداد بسبب ذلك بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكن لأن الأسرى مصريين، فإن العالم الذي يسمي نفسه حرا، يضع في أذنٍ عجين، وفي أخرى طحين، ويشيح بوجهه للضفة الأخرى، حتى لا يرى ولا يسمع ما جرى من جرائم من جانب الصهاينة.

الغريب في الأمر هو أنه رغم أن الكثير من الوقائع تؤكد أن إسرائيل لا تختلف عن داعش في الجرائم التي تَنتُجُ عن سياستها العدوانية في المنطقة، فإنها لا تتردد في الزعم والتشدق بأن جيشها هو الجيش الأخلاقي الأول في العالم، والمثير هو أنه رغم كل هذه الأفعال القذرة الصادرة عن دولة الاحتلال، ورغم أنها دولة عنصرية ويحكمها اليمين المتطرف الذي يرفع المنتمون إليه شعار: العربي الجيد هو العربي الميت، ورغم أن الكيان الصهيوني كيان سرطاني زُرِع في المنطقة العربية لمنع تضامنها ووحدتها وتقدمها وازدهارها، رغم كل ذلك، فإن الحكام العرب يهرولون للتطبيع مع هذه الدولة المارقة، ويتوددون إليها، ويسترضونها بالغالي والنفيس…

ألا يخجل هؤلاء الحكام من أنفسهم، قبل الخجل من شعوبهم؟ ماذا سيقولون لربِّهم يوم يُعرَضون عليه، حيث ستبْيضُّ وجوه، وتسودُّ وجوه؟؟؟

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة