العرب وأمريكا.. صراعات تاريخية – راهنة

العرب وأمريكا.. صراعات تاريخية – راهنة

حسين قاسم

على ضوء اللقاء العربي الأميركي في السعودية، بحضور الرئيس الأميركي بايدن، محاولة سبر أغوار التناقض العربي الأميركي، واكتشاف العمق التاريخي لصراعات ما زالت تمتد راهناً.

مرَّت العلاقات العربية – الأميركية بمتعرجاتٍ شتى، صعوداً ونزولاً، لا سيما بعد نكبة فلسطين، تخللها انقسامات عربية – عربية، وأزمات لم تخلُ من حروب، لا سيما بعد وضوح معالم الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي من جهة، والولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الرأسمالي من جهة أخرى، كانت محاور هذا الصراع، تدور حول القضية الفلسطينية، وما اصطلح على تسميته بالصراع العربي – الاسرائيلي، وحول الموقع الاستراتيجي للمنطقة العربية، وفي مجرى تلك التطورات، حصلت الثورة الخمينية في إيران، لتضفي على المشهد السياسي في الشرق الأوسط بُعداً آخر، إلى انقلاب الصورة رأساً على عقب أثر انهيار الاتحاد السوفياتي، وبالتالي انتهاء الحرب الباردة ليدخل الإقليم كله في أتون مختلف كلياً عن ما سبقه، ثم جاء الربيع العربي كاشفاً حقيقة مواقف مختلف الأطراف من القضايا التي تواجه شعوب الشرق الأوسط قاطبة، ونشوء صراعات مختلفة جاذبة لتدخلات متنوعة، لتسلط الضوء على الأسباب المُبيتة العميقة عند القوى الكبرى وتحديداً عند الإدارات الأميركية المُتعاقبة.

بيد أن الموقف الأميركي تأثر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانحسار الصراع على النفوذ العالمي مع الاتحاد السوفياتي بعد تراجع دور بريطانيا، تأثر في الشرق الأوسط بكيفية تحكم أميركا بمصير هذه المنطقة الهامة من العالم، لا سيما حول دعم دولة إسرائيل الفتية، التي قامت على اغتصاب الاراضي الفلسطينية وتشريد الشعب الفلسطيني، وعلى التحكم بالطاقة مع بداية بروز الطفرة النفطية، خاصة في دول الخليج العربي. طرحت أميركا أمام الدول العربية وشعوبها شعارات جاذبة لها في معركتها ضد الاتحاد السوفياتي، فرمت في خضمها شعاراً له حساسية كبرى عند الشعوب العربية المحافظة، وهو الخوف على الدين الإسلامي من الإلحاد الشيوعي الذي ينشره المعسكر الاشتراكي، ومن جهة ثانية أبرزت الخوف من الاتحاد السوفياتي من إسقاط أنظمتهم، فقد نجحت أميركا إلى حدٍ كبير بالاستثمار لاستمالة الأنظمة العربية وشعوبها في آن، إضافة إلى فشل الحركة الشيوعية العربية في تشكيل كتلة تغييرية وازنة مناهضة لأميركا، بحيث لم يستفد الشيوعيين العرب من وهج انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ومرت العلاقات العربية السوفياتية بإخفقات جمة، ثم بروز ما يسمى بحركة التحرر الوطني العربية، لتنتشر ظاهرة الاعتراض على الدور الأميركي لحد العداء لها، هذا العداء الذي بلغ أشده ما اصطلح على تسميته اعتداءات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، والذي أصاب أعظم قوة بالعالم في الصميم، بالمقابل لم يتشكل حلف متين بين قوى الاعتراض العربي بمتانة حلف القوى العربية الموالية لأميركا.

في خضم هذه الأحداث التي توالت فصولاً، نشأت عدة ظواهر، أو بالأحرى تكتلات تاريخية كانت لها أدوار مفصلية على امتداد الحُقب المُنصرمة، تاركة تداعيات ذات أغوار، كان أبرزها ظاهرة الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، بيد أنه ليس وارداً في هذه العُجالة تقييم أداء الرئيس المصري الراحل، وتبيان إيجابياته أو ثغراته، إنما المقصود الإيغال في عمق هذه الظاهرة وتأثيرها على مجرى الصراع العام، ومدى التأثير التي تركته على مواقف القوى العالمية الكبرى، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية، لا سيما إنه في الوقت الذي كان الفرز السياسي بين المعسكرين الشرقي والغربي يسير بقوة في بداية الحرب الباردة، ينبري قائد عربي بإشهار العداء لاميركا، ولا يُعلن التقارب مع الاتحاد السوفياتي، لا بل أكثر من ذلك راح باتجاه حركة عدم الانحياز، والأهم إنه أطلق القومية العربية داعياً إلى “وحدة عربية شاملة”، مُحدِثاً مداً شعبياً مؤيداً لشعاراته وأهدافه من المحيط إلى الخليج، ثم إنه ابتدع فِكرة العروبة في مواجهة التشدد الذي مثلته حركة الإخوان المسلمين المدعومة من الانكليز. لكن ما وددت الإشارة له هو مسألة أخرى، أي ليس تقييمنا للناصرية أو للحركات القومية، بل هي ما تركته تلك الظاهرة عند النُخب الأميركية وفي مواقع القرار الأمريكي، وفي هيئات التخطيط الاستراتيجي، حول خطورة نشوء حركات غير مُسيطر عليها في منطقة تحتوي على المنسوب الأكبر للطاقة العالمية، وعلى الخطر الذي تشكله على صنيعتهم إسرائيل، وهنا يخطر في البال، إنه عند وفاة عبد الناصر في ٢٨ أيلول ١٩٧٠ كان الأسطول السادس الأميركي يجري مناورات في البحر الابيض المتوسط، كان يحضرها الرئيس الأميركي نيكسون شخصياً، عندما أبلغ بوفاة الزعيم المصري أخذ قراراً بإلغاء المناورات، سألته إحدى الصحافيات عن سبب الإلغاء، فأجابها “إن من كان يُخيفنا وكنا نستعد لمواجهته قد مات، ولم يعُد من سبب لاستكمال المناورات”. بقيت ظاهرة عبد الناصر ماثلة في أذهان الأميركيين، ولم يحذفها مشروع خليفته أنور السادات وزيارته لإسرائيل وعقد الصلح معها، حتى إن السادات نفسه قام بحرب تشرين (أكتوبر) دون علم الإدارة الأميركية ولا السوفياتية، مما رسخ في قناعاتهم المزيد من خطورة الاستقلالية لبعض القادة في منطقة تضج بالأحداث الكبرى.

الظاهرة الثانية هي حركة التحرر الوطني الفلسطيني بقيادة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات (أبو عمار)، مما لا شك فيه ولا جدال حوله أن أبو عمار استطاع إعادة القضية الفلسطينية الى واجهة الاحداث، وأعاد فلسطين إلى الخارطة بعد أن اتفقت الأمم كلها، بمن فيهم بعض العرب على طمسها وإخفاء معالمها، من المعروف أن ابوعمار رفع شعار القرار الفلسطيني المستقل، رغم مركزية القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية، وهو بذلك كرَّس لنفسه ولقضيته استقلالية عن الجميع، ورغم الاتهامات التي تُكال له من مختلف القوى والدول، لكن عدوته إسرائيل تعرف أنه العدو الأول والرئيسي لها، وأميركا تعرف أن ليس بمقدورها إملاء شروطها عليه في القرارات الكبرى، وقد ظهر الأمر جلياً في محادثات كمب ديڤد برعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، حيث رفض أبو عمار الشروط الأميركية والإسرائيلية في حينه. هذه الاستقلالية التي أزعجت بعض القوى، وفي طليعتها النظام السوري، إلاَّ أن الأمر الأخطر تمثل بالدور الهام الذي اضطلعت به حركة حماس بتقسيم القرار الفلسطيني، والذي شكل خدمة كبرى لإسرائيل، حيث لعبت إيران دوراً أساسياً بذلك. بيد أن الإدارة الأميركية مع عرفات راكمت في عمق تفكيرها أنها مرة أخرى تواجه ظاهرة مستقلة ومتمسكة بعنادها إلى اقصى الحدود، مما سمح المجال لشارون بتصفيته.

الظاهرة الثالثة، بروز قيادات عربية رفضت الإملاءات الأميركية من جهة، ومن جهة أخرى رفضت الوصفات الأميركية لقيادة المجتمعات العربية عبر الحركات الإسلامية، تحت شعار الاعتدال الإسلامي، متخذة المثال التركي مع حزب التنمية والعدالة دليلاً على ذلك، حتى وصل الأمر عند الأميركيين إلى التفكير بقصف ثكنات الجيش المصري في أعقاب انقلاب السيسي على حكم الإخوان المسلمين بقيادة الرئيس الراحل محمد مرسي، كما تشير وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون في مذكراتها.

في هذا القسم، يبرز دور ولي العهد السعودي الحالي في مواجهة مكشوفة مع الإدارة الأميركية الحالية، وما الزيارة الأخيرة للرئيس بايدن خير دليل على ذلك، إنها مواجهة محفوفة بالمخاطر من حيث إمكانية نجاحها، لكنها تنقل الصراع إلى تجلياته العليا، وسط نهج للقيادة السعودية الحالية يتمثل بإحداث تغييرات جذرية في المجتمع السعودي نحو الحداثة ونحو الاستقلالية، باعتبار مصالح المملكة هي الأساس في علاقاتها الدولية، وفي السياق نفسه تخوض تونس معركة شرسة مع الإخوان المسلمين المدعومين من تركيا وأميركا، وعادت لتؤكد خيار تونس العلماني منذ أن أرساه الراحل الحبيب بورقيبة.

الظاهرة الرابعة، هي ظاهرة تنظيم القاعدة بقيادة المواطن السعودي أسامة بن لادن، إن هذه الظاهرة لا تُحتسب كغيرها من التنظيمات الإرهابية المتشددة، لا سيما فيما يختص بعلاقتها مع الإدارة الأميركية، حيث كان بينهما حلفاً واضح الأهداف والمهمات، وقد برز الأمر جلياً واضحاً في حملة المجاهدين العرب في أفغانستان لمواجهة الاتحاد السوفياتي والخطر الشيوعي، وكان للسعودية مساهمة فعالة في حملتها في مواجهة مزدوجة، من جهة للإلحاد الشيوعي، ومن جهة أخرى مواجهة أهداف الشيوعيين في تغيير أنظمة الحكم الرأسمالي وإقامة الاشتراكية، مما ساهم في تشكيل بيئة جماهيرية متطرفة في المملكة، لكن الحلف المذكور سقط بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي وانتفاء الحاجة الأميركية له، ثم تراجع الإدارة الأميركية وعدم إيفائها بالوعود التي سبقت ووعدت بها أسامة بن لادن، فانقلب عليها وتحوَّل إلى عدوها الأول. لكن الأهم بالموضوع هو تعاظم الحقد والكراهية وبلوغه الذروة باعتداءات الحادي عشر من أيلول. بيد أن الحقد الأميركي على العرب بلغ مستوياته القصوى، على صعيد الحكم والأجهزة الأميركية، كذلك على صعيد الشعب، وقد نالت السعودية القسم الوافر من هذا الحقد حيث وصل الأمر بالرئيس الأميركي الحالي ليكون أول تصريح له بعد انتخابه من أنه سيجعل السعودية دولة منبوذة. يبدو أنه وبعد أكثر من عقدين على تلك الاعتداءات أن الأميركيين ما نسوا ولم ينسوا إثارها في عمق وعيهم ووجدانهم.

الظاهرة الخامسة، هي ظاهرة الثورة الخمينية في إيران، والتي كانت أهدافها الأولى هي شعار تصدير الثورة أسوة بالثورات الكبرى، لا سيما الثورة البلشفية في روسيا، واذا كانت ثورة لينين في روسيا وجدت في محيطها القريب ملاذاً لنشر الأفكار الشيوعية واختيار الشعارات والبرامج المناسبة لتحقيق الأهداف، فإن الثورة الإسلامية في إيران وجدت في المجتمعات العربية البيئة المؤاتية لنشر الفكر الخميني واستعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية، واذا كانت الحرب العراقية الإيرانية أخرَّت بث الأفكار ونشرها بمختلف الوسائل، لكن سرعان ما تبنت النفخ في البوق المذهبي الشيعي والتركيز على الشيعة العرب لتحقيق الامتداد الإيراني في الإقليم، تماماً كما فعلت تركيا العثمانية أثناء استعمارها للمنطقة العربية، التي وجدت في تغذية الخلاف الشيعي السني وسيلة ناجعة لتفريق العرب وشرذمتهم. فإن إيران فاقمت الصراع المذهبي إلى حدوده القصوى، واستثمرت فيه مستغلة أخطاء الأنظمة العربية وحرمان الشيعة من حقوقهم أسوة بالأقليات الأخرى أيضاً، حتى بلغ طرح خطط التشيع الإيراني المغرب العربي، وقد لاقت أميركا وإسرائيل إيران إلى منتصف الطريق، ووجدوا في الدور الإيراني مجالاً لإضعاف الدور العربي، وتمزيقاً للشعوب العربية، وتحويلها إلى مستنقعات للصراعات الدينية والمذهبية والقبلية والعرقية والجغرافية، وتركيزها على عنصرين رئيسيين، الأول استمرار تقسيم القرار الفلسطيني عبر غض الطرف على الدعم الإيراني لحركة حماس في غزة، والثاني عبر استمرار تخويف العرب، لا سيما عرب الخليج، من إيران وإفساح المجال لها العبث بدول العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، وقد شكل التعاون الأميركي الإيراني في احتلال العراق في العام ٢٠٠٣ وإسقاط نظام صدام حسين، شكل الفضيحة الكبرى على خطورة الدور الإيراني وزيف شعاراته، خاصة عندما طلب الإيرانيون من الأميركيين حل الجيش العراق كثمن لمساعدتهم في احتلال العراق، لأن هذا الجيش تجرأ وهاجم إيران يوماً ما. بيد أن الهدف من هذا الاستطراد ليس فقط تبيان خطورة الدور الإيراني التاريخي على العرب، إنما يهدف للدلالة على عمق الحقد الأميركي على العرب، هذه المسألة التي يدركها الإيرانيون ولا يدركها بعض العرب.

إضافة لما تقدم، فقد أبرز عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك اوباما، والذي كان الرئيس الحالي بايدن نائباً له، أبرز عمق العداء للعرب والانحياز الكامل لإيران، وأن الإدارات الإميركية كلها تدرك أن إيران لم تخض حرباً واحدة ضد إسرائيل سوى بالإعلام، وأنها نجحت بجعل فلسطين وقضيتها، شماعةً تخفي وراءها خططها لأحكام السيطرة على الإقليم والنطق باسمه، وأن المشاريع التي أطلقتها أميركا حول الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد وغيرها، لا توجد ضمنها أية دولة عربية، أليس غريباً أن المفاوضات حول الملف النووي الإيراني واستطراداً الحوار حول الدور الإيراني في الشرق الاوسط لا يتضمن أي دولة عربية وأن العرب هم المعني الأول بتلك المسائل، أليس غريباً أكثر أن قمة طهران الأخيرة والتي تضم إيران وروسيا وتركيا لمناقشة الوضع السوري بغياب سوريا؟

أخيراً، صار ملحاً بروز قوى عربية تطرح شعاراً أساسياً بمستوى الموقف من الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وهو إخراج إيران من الإقليم، تمهيداً لقيام كتلة عربية تاريخية تضع حداً للاستهتار الأميركي والغربي وسائر القوى الأخرى، رغم الثراء الاستبدادي، ورغم الأحداث المتلاطمة في مختلف الساحات العربية، نحو إعادة الاعتبار للعروبة كخيار مناهض للحركات الدينية المختلفة، والانفتاح على الحداثة، وتحقيق الديمقراطية.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

حسين قاسم

ناشط وكاتب سياسي لبناني