محمد صوف: يد ممدودة

محمد صوف: يد ممدودة

المصطفى اجماهري

أحرص منذ سنوات طوال، كلما زرت الدار البيضاء، على لقاء الصديق القاص محمد صوف في مقهى الخضراء بمرس السلطان. غالبا ما يكون معنا، في هذه المناسبات، الصديق أحمد لعيوني، الباحث في تاريخ مزاب. وقد يلتحق بنا أحيانا الناقد السينمائي حمادي كيروم. ما يجمع هذا الرباعي ليس وحده الانتماء لعالم الكتابة، بل أيضا الانتماء السابق لنفس المؤسسة التعليمية، ثانوية الإمام مالك بحي بلفدير. وفي كل لقاء من هذا النوع تسنح لنا المناسبة لنفض غبار الزمن عن ذكريات مشتركة ظلت ساطعة في حياتنا رغم تقلبات السنين.

والذكريات، إذ تطويها السنون، تتآكل وأتصور أنني بالكتابة قد أقبض عليها أو على بعضها قبلما تنمحي إلى أبد الآبدين. وفي الحقيقة فإن السنين، من منظور كل منا، قد تكون عنيفة وقد لا. كما قد تكون بين بين. وبالنسبة للصديق محمد صوف، ولكثيرين مثلنا من أبناء جيل الاستقلال، فالحياة ولئن كانت بسيطة إلا أنها لم تكن سهلة. وقد تحدث الأخ محمد صوف نفسه في مختلف حواراته الصحفية عن مراحل حياته وما طبعها من مواجهات مع الظروف. ولا داعي لأن أكرر هنا ما سبق أن قاله بهذا الصدد، فالواقع المغربي يعلو ولا يعلى عليه، ولكني آتي من الأخير لأقول إن محمد صوف بشخصيته الإيجابية قد خلق ليتجاوز الإكراهات. كيف لا وهو رجل البدائل والمهارات.

قد يعتقد بعض القراء الذين لا يعرفون الرجل أنني أغالي مدفوعا بآداب المجاملة أو مثقلا بروابط الصداقة الطويلة التي جمعتني به. ولكن الأمر ليس كذلك. وإلا فليجبني من يهوى المجادلة: كيف لكاتب أن يستمر في العطاء بمعنويات عالية وبإنتاج أدبي متنوع وبوتيرة محمودة، وقد عانى ظروفا خاصة قرب زوجته الراحلة وقد أقعدها مرض مزمن أكثر من عقدين من السنين. وهو الوحيد الذي رعاها في محنتها بصبر وحب. فلم يكن لها غير الله سواه. فمن منكم يعرف كاتبا بهذه المواصفات؟ ومن منكم يعرف كاتبا في جعبته أكثر من سبع صنائع؟ ألم نعرفه بنكيا، ونقابيا، وكاتب سيناريو، وناشرا، وصحفيا، وكذا ترجمانا محترفا؟ ومحمد صوف، في كتاباته كما في سلوكياته، كاتب ليبرالي لكنه يعمل بالمقولة اللينينية المعروفة: “لنبن الحزب تحت نيران العدو”. وهي مقولة تعني لي شخصيا مدى سعة صبر الرجل وإيجابيته في الحياة. بل إنني، من باب المقارنة، أستغرب لمن تتوفر لهم كافة الوسائل الممكنة وغير الممكنة ومع ذلك لا ينتجون غير الضجيج.

وأنا أكتب هذه السطور تحضرني الآن صور كثيرة من لقاءات سابقة مع محمد صوف وزوجته الكريمة. وهي، كما عرفتها، إنسانة مرحة ورقيقة الإحساس. إلا أن صورة واحدة بالتحديد ظلت راسخة في ذهني منذ أكثر من ثلاثين سنة. تعود هذه الصورة إلى بداية الثمانينيات حين كنت أتابع تكوينا بالرباط، وكان علي أن أنتقل إلى الجديدة، مقر العائلة، مرة في الشهر. والذي يحدث أنه في كل سفرة أستقل باكرا، من طريق القامرة (قبل بناء المحطة الطرقية)، الحافلة القادمة من الشمال نحو البيضاء التي أصلها في السادسة صباحا. وقبل أن أستقل الحافلة الذاهبة إلى الجديدة أعرج على الأخ محمد صوف، في ذلك الوقت المبكر من الصباحات الندية، فتستقبلني زوجته بفنجان قهوة وبعض “كعب غزال” قبلما يستيقظ سي محمد ويذهب إلى عمله.

تعود معرفتي بالصديق محمد صوف إلى منتصف سنة 1978. كنت وقتها قد نشرت مجموعتي القصصية الأولى “أمواج”، ووقعت مع شركة سوشبريس عقدا لتوزيعها. رافقني إلى مقر شركة التوزيع بحي بلفدير المرحوم الشاعر الميلودي بلحديوي. وهناك على مكتب الموظف المكلف بالشركة كانت نسخة من المجموعة القصصية “تمزقات” موضوعة. سمح لنا بتصفحها فقرأنا عليها اسم صاحبها محمد صوف. عندها طلبنا من الموظف عنوان المؤلف إلا أنه تلكأ بدعوى السر المهني. لكننا ألححنا عليه معبرين له عن نيتنا في التعرف على كاتبها كأديب شاب نقتسم وإياه نفس الانشغالات والطموحات. وبعد تردد ثم استئمان على عدم الوشاية به أعطانا العنوان. ولحسن الحظ لم يكن السكن بعيدا كثيرا عن مقر الشركة. توجهنا إلى منزل محمد صوف بحي روش نوار. وجدنا هناك والدته رحمها الله التي أخبرتنا بأن ابنها يعمل بالبنك الهولندي بساحة 16 نونبر وسط المدينة. فكان أن اتصلنا به توا في مقر عمله. ورغم ضغط العمل، نظرا لمسؤوليته عن مصلحة الزبناء، إلا أنه رحب بلقائنا وأعطانا الوقت الكافي للتعارف. بل وقع لي نسخة من المجموعة بالإهداء التالي:

“إلى الأخ اجماهري المصطفى مع يد ممدودة نحو صداقة مستمرة”.

محمد صوف مع المصطفى اجماهري
محمد صوف مع المصطفى اجماهري

وتوالت لقاءاتنا ببيته وبالمقهى. ثم أصبحنا كوكبة من الأدباء الشباب ضمت أيضا الناقد صدوق نور الدين. ثم توسعت دائرة الصداقات الشبابية لتشمل، خلال فترة، الأخ مبارك بيداقي الذي كان وقتها قد شرع في كتابة بعض النصوص الشعرية. ووقتها أيضا كانت بدأت تروج في المنابر المغربية وقبلها العربية عبارة “الأدباء الشباب”. إلا أن التسمية حملت بعض الالتباس وسوء الفهم.  إنما ما كان يعنينا حينها هو التفكير في إطار للتلاقي والنقاش المنظم بين كتاب ذلك الجيل سواء أكان مقهى أو ناديا أو صحيفة. وسوف نتبادل الرأي في الفكرة حينما التأمنا في القنيطرة بمناسبة عرس الأخ العربي بنجلون. ثم، بعد أيام، استضافنا المرحوم الشاعر الميلودي بلحديوي في شقته بحي ريفييرا بالدار البيضاء. لكن الفكرة سرعان ما تم نسيانها في معمعة انشغال كل منا بمستقبله المهني وإقرارنا بأن مرحلة الشباب في طريقها إلى الزوال، إن لم تكن قد زالت فعلا عند بعضنا. وفي جميع الأحوال، فقد ظل محمد صوف، لسنين طويلة، محور التواصل بين المجموعة وذلك لاعتبارات ذاتية (شخصيته المنفتحة)، وأخرى موضوعية (عمله وسط الدار البيضاء). وبفضله أيضا تمكنا، وقتها، من التلاقي مع أدباء شباب آخرين من بينهم الشاعر محمد فراح، صاحب ديوان “السيف والأكفان البيضاء”، والناقد السينمائي حميد نحلة الذي هاجر إلى فرنسا بعد ذلك، والشاعرة سعاد فتاح، صاحبة الديوان اليتيم “دعوني أقول” الصادر في بيروت، والتي كانت تشتغل بشركة توزيع الصحف سوشبريس.

وأخيرا فهذه شذرات استدعيتها من ذاكرة البدايات، من زمن السبعينيات، تخص أديبا أخلص لهموم الكتابة وشجونها. أديب يحتل اليوم مكانة مرموقة في المشهد الثقافي المغربي برصيد محترم من المؤلفات يتعدى العشرين كتابا، ومساهمات متميزة في المجلات والدوريات، ومشاركات منتظمة في اللقاءات المختلفة والندوات.

Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي