فرنسا – الجزائر: هل القطيعة مع سياسة النيف ممكنة؟

فرنسا – الجزائر: هل القطيعة مع سياسة النيف ممكنة؟

باريس- المعطي قبال

في علاقات فرنسا بالجزائر هل سيبقى الماضي هو المستقبل؟ لأن هذه العلاقات لا يزال يحكمها ويتحكم فيها الماضي العميق. قد يطرح هذا السؤال على خلفية الزيارة الرسمية التي سيقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الخميس القادم (25 غشت) للجزائر والتي  تستغرق يوما واحدا. وقد دأب رؤساء الجمهورية الفرنسية لدى انتخابهم بتخصيص أول زيارة لهم خارج فرنسا للمغرب، الصديق والشريك التاريخي.

غير أن ماكرون ولأسباب سياسية ونزوات ديبلوماسية داس بخفة ولربما باستخفاف هذا الطقس! وسيكون برفقة الرئيس كاترين كولونا ، وزيرة الشؤون الخارجية إلى جانب وزراء وشخصيات أخرى. وتعد هذه ثاني زيارة يقوم بها ماكرون للجزائر بعد زيارة أولى سبق أن قام بها عام 2017 بعد انتخابه رئيسا. وفي غمرة حماسته سعى آنذاك إلى طي صفحة الماضي بتصريحه أن «الاستعمار جريمة». ولما انتخب، وبإيعاز من المؤرخ بنجامان ستورا، أطلق مجموعة إشارات للمصالحة بلا طلب للغفران في مسألة الاستعمار والجرائم التي طالت المقاومين وبعض رموز المقاومة مثل اغتيال المحامي والزعيم السياسي علي بومنجل في 23 مارس 1957 أو تصفية المناضل الشيوعي موريس أودان من طرف مظليين في الجيش الفرنسي عام 1957. فيما بعد عهد ماكرون لبنجمان ستورا (من الأقدام السوداء لمدينة القسطنطينة)، بمهمة إعداد تقرير الغاية منه إنجاز «مصالحة تذكارية». وعند صدور التقرير استقبله الإعلام الجزائري وبعض الأحزاب السياسية بوابل من القذف والتنديد. وبقيت المناوشات نشيطة بين البلدين وصلت حد سحب الجزائر لسفيرها من باريس، بعد أن  شكك ماكرون، في أكتوبر الماضي، في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي (1830-1962)، كما اتهم النظام الجزائري باستغلال ملف الذاكرة لأغراض سياسية. وبقي الوضع جامدا إلى غاية  انتخاب ماكرون لولاية ثانية. على خلفية هذه المناسبة، هنأ الرئيس عبد المجيد تبون إيمانويل ماكرون ودعاه إلى القيام بزيارة رسمية للجزائر. رد هذا الاخير بالايجاب مشيرا إلى أنه سيكون سعيدا بهذه الزيارة «لإطلاق أجندة الثنائية الجديدة بشكل مشترك والمبنية على الثقة والاحترام المتبادل لسيادة البلدين». وأضاف البيان الصادر عن قصر الإليزيه “التزامه مواصلة عملية الاعتراف بالحقيقة والمصالحة لذاكرتي الشعبين الجزائري والفرنسي”.

لكن ما المنتظر عمليا من هذه الزيارة التي تبررها حسابات سياسية واقتصادية واضحة؟ في ظرفية الأزمة الحالية مع الحرب الأوكرانية -الروسية وتفاقم نسبة التضخم والأزمة الاقتصادية، تبحث فرنسا عن مصدر جديد للغاز يعوض الغاز الروسي. هل ستلعب الجزائر هذا البديل من دون مقابل علما أنها راغبة في «معاقبة» فرنسا والدفع بها إلى تأدية الثمن غاليا في ملفات شائكة مثل ملف الصحراء المغربية، ملف التأشيرات، ملف التجارب النووية ، طلب التكفير عن جرائم فرنسا أيام الاستعمار الخ… لو بقيت الجزائر أسيرة «ديبلوماسية النيف» بلغتها المتخشبة وهلوساتها المستدامة، فإن هذه الزيارة ستكون مجرد جولة إيكزوتيكية لماكرون للجزائر أما إذا طوى تبون والعسكر كبريائهم ووضعوه في جيوبهم لطلب مساعدة فرنسا في إخماد الحرائق، بناء المستشفيات، والمصانع والبنى التحتية الأساسية، والعمل يدا في يد مع إخوانهم المغاربة لبناء مستقبل أجيال الحاضر والمستقبل كي لا يتحولوا إلى لحوم لقرشان البحر، إذ ذاك قد يكون لهذه الزيارة طعم أخر؟ لكن هل تبون وشركاؤه مستعدون لسلم الشجعان سواء مع فرنسا والمغرب؟ ذاك هو السؤال.

Visited 7 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".