“أم الربيع، زهرة الدم”.. الرواية السيرة لعبد اللطيف عوام

“أم الربيع، زهرة الدم”.. الرواية السيرة لعبد اللطيف عوام

المصطفى اجماهري

تشترك كتابات الجيل السبعيني في المغرب بأنها متحت من نسغ معاناة تلك المرحلة، فردية وجماعية، معتبرة أن الكتابة ضرورة لا ترفا. وتندرج رواية “أم الربيع، زهرة الدم” في هذا السياق بالذات.

فبعدما تعدى سنه الستين عاما، وبعد غيبة طويلة عن الساحة الأدبية أطل علينا القاص عبد اللطيف عوام برواية شيقة ومؤثرة اختار لها عنوان “أم الربيع : زهرة الدم”، وهي من الروايات المغربية القليلة ذات النفس الطويل إذ ناهزت صفحاتها 370 صفحة ولولا كتابتها الرقيقة لكانت صفحاتها قد تعدت ذلك بكثير.

بدأ عبد اللطيف عوام الكتابة في سبعينيات القرن الماضي قاصا له خصوصياته السردية والأسلوبية، ثم مرت حياته الأدبية، مثل غالبية أبناء جيله، بحالتي مد وجزر طبعتا تلك المرحلة الزمنية الصاخبة بالأحداث والمواقف الحادة. في خضم تلك التقلبات غاب عبد اللطيف عوام في رحلة البحث عن الذات وعن سبل العيش الكريم، فافتقد المشهد الأدبي حينها قاصا واعدا إلى أن عاد إلينا، بعد سنوات  من الغياب الطويل، مساهما وباحثا في التاريخ المحلي لمدينة آزمور ومشاركا في غالبية الندوات التي نظمت في الموضوع.

في بداية التسعينيات سوف يعيش هذا الكاتب ظروفا خاصة، كانت هذه الرواية، في اعتباره الشخصي، هي خلاصه الوحيد منها. وهو ما يذكرني بما سبق أن قاله الكاتب الفرنسي إيريك فوتورينو (من أب مغربي يهودي): “إن هناك كتبا وجب علينا كتابتها’. وكان من نتيجة هذه الظروف أن الرواية بعد الانتهاء من كتابتها سنة 1994 بقيت حبيسة الأدراج إلى أن أفرجت عليها الظروف سنة 2015. فهي إذن رواية متأخرة الصدور بأكثر من عقدين على كتابتها. ويمكن القول إنها رواية الكثافة والاتساع في نفس الآن. كثافة الأحاسيس واتساع الوصف. ويبدو لي، من خلال قراءتها، أن الروائي كتبها بقلبه وجوارحه وبثها تجارب شخصية وانكسارات ولدتها آمال السبعينيات وأحلامها الضائعة. بل يخال لي، أن القالب الروائي هنا كان وحده الشكل الفني الملائم لاستيعاب ذلك الصخب كله واللوعة برمتها. 

 عبد اللطيف عوام بين المصطفى اجماهري والنقابي المختار تيمور في مصب أم الربيع
عبد اللطيف عوام بين المصطفى اجماهري والنقابي المختار تيمور في مصب أم الربيع

وإذا كان من الصعب تلخيص أي عمل روائي دون خشية العسف عليه، فإنه يمكننا المغامرة بتقديم فكرة سريعة عنه لتقريبه من القارئ. فالنص ينسج عن طريق الذاكرة والخيال، مجموعة من الأحداث، في مدينة المحروسة (آزمور)، حول ثلاثة أطفال يعبرون من الطفولة إلى المراهقة، وتتفرق بهم السبل وتتقاطع حيواتهم مع شخصيات أخرى، أهمها شخصية وادي ام الربيع، الذي يشكل عصب هذا العمل الروائي. ولعل هذا النص يبني الواقع لا لكي يتصالح معه ولكن ليكشفه ويعريه، متسائلا حول مدى أهمية العلاقات الإنسانية، ولماذا الفراق والخيبات؟ إنه نص عن التاريخ وكيف يتوارى مخلفا الغبار وعن المكان وما يلحقه من الدمار.

وفي رأيي المتواضع فإنه لا يمكن قراءة هذه الرواية، ذات البعد الملحمي، دون استحضار التوضيحات التي بثها الكاتب في مقدمة عمله والتي كانت بمثابة أسباب النزول. لقد كانت هذه الرواية نتاج مرحلة عصيبة من حياة الكاتب، يقول عنها، إنه كان خلالها مطرودا من عمله ومحاصرا في بيته، تحت وطأة المرض ومختلف المضايقات، في وقت كان والده قد فارق الحياة. وحدها والدته رافقته في الامتحان.  وهكذا مثلت الكتابة لديه طوق نجاة ورد فعل ضد إحباط وجودي، اختار معه الكاتب النبش في المرحلة الحالمة من حياته ألا وهي مرحلة الطفولة والفتوة والتي جاء هذا النص ليسترجع آثارها.

ويجدر التأكيد على أن عنصر المكان في هذه الرواية يستحوذ على القسط الأكبر من الاهتمام والتركيز، وبالتالي من الوصف. حتى أن السارد-المؤلف لم يترك شيئا للصدفة، كما يقال. بل إنه وقف مليا عند عناصر الحيز ولم يتجاوزها إلا بعدما أشبعها وصفا. وإذن أفلا يدل طغيان الوصف هنا على تماهيه مع حالة الكاتب النفسية وقد فرض عليه وقت الكتابة فرضا عندما عاش المنفى الداخلي. بل إنه من ثمة ندرك كيف أن الرواية انطلقت من مكان مغلق محاصر نحو فضاء مفتوح على الطبيعة وعلى المدينة وواديها، وهو وادي أم الربيع، الذي يعتبره الراوي بمثابة عصب المدينة.

وارتباطا دائما بالمكان، تعمل الرواية على نفض الغبار عن كثير من الذكريات والعادات المتصلة بفترة الحكي مثل التربية الأسرية الصارمة، والتساكن مع الطائفة اليهودية، ونوعية التوابل المستعملة في الطهي، وظاهرة لحلاقي، وتخريجة الجامع، وسيجارة المناسبات “أنفا”، وعادات استهلاك الشابل. كل هذه العناصر وغيرها في الرواية تعمل بهدف إعادة الذاكرة للذاكرة. وهو ما يذكرنا، كثيرا أو قليلا، برواية “القاهرة الجديدة” لنجيب محفوظ التي يتحدث فيها عن مظاهر ومعالم مندثرة.

أما على مستوى اللغة، فقد كتبت الرواية بلغة رقراقة، غنية بالتفاصيل ودقيقة في الوصف مع استعمال التشابيه الذكية وتوظيف مفردات مختارة. كما أعاد الكاتب الاعتبار لكثير من تعابير اللغة اليومية المتداولة بين الناس، كالقول: ولما كنت عاجزا أعطيت حماري (ص72)، لم أرد أن أخسر له (ص112)، يعيش وحيدا ولا يكون به أحد (ص 123)، إذا لم تفرقني عليك سأسلمك للمخزن (ص140)، كان ينام من ناحيتي على جنب الراحة (ص320)، لا تريد أن تتمحن كثيرا (ص312).

وفي الرواية أيضا تنويعات على مستوى بعض التركيبات مثلا : الذين يعرفون من أين تِؤكل سمكة الشابل (ص220)، الاستعدادات جارية على ساق وقدم (ص 93).  

وخلاصة القول إن عبد اللطيف عوام (الذي يتوفر على نصوص أخرى مهيأة للنشر)  ابتعد، في عمله الجديد، عن الشكل الروائي بمعناه الكلاسيكي ليقدم للقارئ نصا مفتوحا ومركبا من معايشات وتأملات في المجتمع والحياة من خلال نموذج إنساني من شباب السبعينيات، ونموذج مدينة هي آزمور.

Visited 7 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المصطفى اجماهري

كاتب وناشر مغربي