اقتصاد الجنّة والنار

اقتصاد الجنّة والنار

عزالدين العلام

     في حوار أورده النيسابوري بين “بهلول المجنون” وإسماعيل بن عبد الرحمان الكوفي، يقول هذا الأخير: “لقيني بهلول المجنون فقال: أسألك. قلت سل. قال: أي شيء السخاء؟ قلت: البذل والعطاء. قال: هذا السخاء في الدنيا، فما السخاء في الدين؟ قلت: المسارعة إلى طاعة الله. قال: فتريدون منه الجزاء؟ قلت: نعم بالواحدة عشرا. قال: ليس هذا سخاء، هذا متاجرة ومرابحة. قلت: فما هو عندك؟ قال: لا يطّلع على قلبك وأنت تريد منه شيئا بشيء”.

   تماما على النقيض ممّا تصوّره بهلول “المجنون”، يمكن القول إنّ التصور المادي أو الحسي للعالم الأخر بيوم حسابه وجناته وناره هو الغالب عند “عقلاء” تراث الإسلام. إذ يتمّ تصوير الجنة، وهي درجات، بكلّ معطيات الكمال والحسن والالتذاذ الأبدي، حيث الحوريات والولدان، الأنهار والوديان، المأكولات والمشروبات…جزاء لمن غلبت حسناته سيّئاته. كما يتمّ تصوير جهنّم بكلّ مواصفات العذاب المبين من نار مستعرة وشقاء أبدي وعطش قاتل، عقابا لمن خفّت موازينه، ناهيك عن توصيف يوم الحساب بكلّ التدقيق الحسي والمادي.

   نجد عند الحارث بن أسد المحاسبي (عاش في النصف الأول من القرن الثالث للهجرة) في كتابه الذي اختار له عنوان “كتاب التوهم” وصفا بالغ الدقة ليوم الحساب، إذ لم يكتف بما ورد حول الموضوع من أخبار، بل أرخى العنان لمخيلته، وبدأ قصته منذ خروج الروح من البدن، رويدا رويدا، إلى يوم البعث والنشور، وملاقاة الله بعد طول انتظار يفوق الثلاثمائة سنة تحت حرّ الشمس وتزاحم الأجساد، حيث تعرق الأبدان على قدر مراتبها. فهذا يبلغ العرق كعبيه، وذاك يبلغ العرق شحمة أذنيه على حدّ وصف هذا الفقيه.

   ولعلّ المحاسبي في كتاب “التوهم”، وابن قيم الجوزية في “حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح”، والسيوطي في “الدرر الحسان في البعث ونعيم الجنان”، فاقوا كلّ متوقع في تصويرهم للنعيم الأبدي. فعلى امتداد عشرات الصفحات، تبدأ رحلة المؤمنين الناجين بدخولهم باب الجنة، وهي في الحقيقة أبواب حسب المراتب ودرجات الإيمان. آنذاك، يهبّ نسيم طيب وروائح عبقة، وتصطف القصور والبنايات من الزمرد والياقوت، تحاذيها أشجار وعرائص. ويجد كلّ مؤمن تحت تصرفه جيشا من القهارمة والوصفاء والخدّام والحجاب، وأخيرا ما لا يُحصى من الحوريات المستعجلات للقائه والوثوب عليه، يملأن وجهه بأفواههن، وصدره بنهودهنّ، ناهيك عن أباريق وكؤوس من الخمر والسلسبيل…

   اعتمادا على مصادر تراثية متعدّدة، لخّص الكاتب عزيز العظمة كل معطيات هذا التصور الحسّي في كتابه “دنيا الدين في حاضر العرب”، وبالضبط في الفصل الذي أعطاه عنوانا ذو دلالة كافية، وهو “سمفونية اللذات”. والواقع أني عندما قرأت هذه “السمفونية” الذكورية تساءلت عن مصير المؤمنات الإناث في الجنة؟ أيتحولن إلى رجال ليستمتعن بما يتمتع به المؤمنون الذكور؟ أم يصبحن هنّ الحوريات على حدّ قول أحد الفقهاء: “إنما الحوريات هنّ المؤمنات البارات”؟

   في التناسب إذن بين الحسنات والسيئات، أو بالأحرى في احتساب عدد الحسنات وعدد السيئات، ومن تمّ الدخول إلى الجنة أو جهنم، هناك ما يمكن أن نسميه بـ”اقتصاد الجنة والنار”. ففي يوم “الحساب” ولهذه التسمية دلالتها، “يوم تأتي كلّ نفس تجادل عن نفسها”، ويكون الذهول عاما إلى حدّ نسيان الأم لوليدها، يدخل الجنة “من ثقلت موازينه”، ويصْلى نار جهنم “من خفّت موازينه”. هكذا تصبح العلاقة بين العبد وربه علاقة خوف وتوجس ومقايضة بدل أن تكون علاقة حبّ وتماه. كما تصبح العبادات والطقوس الملازمة لها أدوات ووسائل للعبور نحو النعيم الأبدي واجتناب عذاب جهنم. نوع من الأخذ والعطاء بدل أن تكون “ابتغاء مرضات الله” كما يقولون. وهنا بالضبط يحدث نوع من التبادل أو المقايضة، أو لنسميه اقتصاد الجنة والنار.

   لا شكّ أنّ ثنائية الجنة والنار، وما يتفرع عنها من ثنائيات (ثواب/عقاب، وعد/وعيد، نور/ظلام، خير/شر، فضيلة/رذيلة، مؤمن/كافر، حسنات/سيئات…) نجدها، وإن بدرجات متفاوتة، في أغلب المعتقدات والديانات التي عرفتها البشرية، هي نوع من الفضاء المشترك لأغلب الديانات. فقديما آمن الفراعنة بالحياة الأخرى وبالخلود كما يدل على ذلك “كتاب الموتى”، وهو ما يفسّر تحنيطهم لموتاهم وتجهيزهم لهم في قبورهم. كما يحكي بعض المهتمين بالميثولوجيا السومرية عن اعتقادات تخص الجنة بمياهها وخضرتها، والنار بلهيبها وحراسها الغلاظ. وللهندوسية تصور مخالف تماما للجنة والنار، مرتبط بفكرتهم عن تناسخ الأرواح، وانتقالها جيئة وذهابا حتى تكتمل طهارتها، ناهيك طبعا عن الديانات التوحيدية.

   بعيدا عن مناقشة الموضوع في جوانبه الدينية، وحتى لا تصبح الجنة وتوهم التنعم بها مطية لأفعال لا تُحمد عقباها، وحتى لا تكون النار أداة ترهيب وتخويف تحول دون تحقيق الناس ما يرغبون فيه، يبدو كمْ هو ضروري اليوم، تجاوز تقنية الترغيب والترهيب كأساس لكلّ تربية اجتماعية. الفرق شاسع بين تربية النشئ، أسريا ومدرسيا على أخلاق مدنية ترتكز على احترام الآخر باعتباره فضيلة إنسانية، يفرضها الاعتراف بالإنسان كقيمة في حدّ ذاته، وبين أن نجعل من هذه الفضيلة وسيلة، لا أقل ولا أكثر، للدخول إلى الجنة. فرق شاسع أن نعد، أو بالأحرى أن نتوعد الراشي والمرتشي، أو السارق، وخاصة سارقي الأموال العامة، بعذاب جهنم، وبين محاسبتهم، هنا والآن، واسترداد المال العام بدل “العفو عمّا سلف”[1]. لا معنى لعقاب أخروي مؤجل في حضور جزاء دنيوي عاجل. بإيجاز هو الفرق بين أن نبني أخلاقياتنا على أساس مدني، وبين أن نتركها معلقة في آخرة لا ندري لها مستقرا.

   والطامة الكبرى في هذا الموضوع قد تحصل، إن لم تكن حصلت بالفعل، حينما يتمّ الجمع بين هذه الصور الفردوسية التي يعد بها الله عباده المؤمنين، وما يقول البعض أنّه الإسلام الحق والإسلام الصحيح المبني على الجهاد في سبيل الله (والأصح في سبيل جناته)، ولا أتحدّث هنا عن الجهاد في معناه الرمزي أو الصوفي، بل في معناه الحربي والإرهابي. هو ربط كافي لتجييش البعض من عباد الله المحرومين من أبسط شروط الحياة ممّا يستدعي مواجهة هذه الطامة الكبرى، أولا، بنقد الغيبيات التي لا أساس عقلي، بل وحتى ديني ترتكز عليه، وثانيا، وهذا أصعب منالا، بتحسين شروط حياة الناس المادية والتربوية.

_______________________________

[1] تلك هي العبارة التي تذرّع بها رئيس حكومة مغربي “إسلامي” حتى لا يتمّ محاسبة ناهبي المال العام.

Visited 6 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

عز الدين العلام

باحث وأكاديمي مغربي