أحمد بن صالح سيرة مناضل مغبون: فشل التجربة التعاضدية والطريق إلى برج الرومي (2ــــ2)

أحمد بن صالح سيرة مناضل مغبون: فشل التجربة التعاضدية والطريق إلى برج الرومي (2ــــ2)

 جورج الراسي

في8ــــ9ــــ1969 تلقى احمد بن صالح إتصالا هاتفيا من الرئيس بورقيبة  ينبؤه فيه انه قرر إعفاءه من وزارة التخطيط، وعين الباهي الأدغم مكانه، على أن يحتفظ بمنصب وزير التربية القومية  الأمر الذي لم يلق حماسة كبيرة من طرفه فطلب إعفاءه من كل مهامه .

ذلك الإتصال الهاتفي كان المسمار الأخير في نعش العلاقة بين الرجلين التي عمل الكثيرون من داخل “القصر” ومن خارجه على الإطاحة بها.

وزارات كثيرة والمطلوب واحد

واقع الأمر أنه بعد سماع خبر تنحيته عن رئاسة الإتحاد العام للشغل عن طريق الإذاعة عندما كان في مهمة عمل في مراكش، في مطلع العام  1957، كانت تلك  ضربة قاضية وضعت حدا لتجربة دامت عشر سنوات.

لكن الرئيس لم يبخل على بن صالح بالمناصب الوزارية خلال تلك المرحلة. فقد عينه في نفس تلك السنة وزيرا للصحة، ثم سلمه إبتداء من العام 1960 وزارات  المالية (في كانون الثاني/ يناير 1961)، ثم  الصناعة والتجارة والمناجم والفلاحة (عام 1964) ،  حتى وصل عددها في بعض الأحيان إلى خمسة، وهي ظاهرة لم تتكرر في تاريخ تونس.

إلى جانب ذلك كان قد واصل مهمته كرئيس للجنة إعداد الدستور لغاية  إعلان الجمهورية في 25ــــ7ــــ1957 .

تبع ذلك مؤتمر الحزب في بنزرت عام 1964، بعد الصدام مع فرنسا بخصوص القاعدة البحرية، وتغيير اسم الحزب من “الحزب الدستوري  الحر”، إلى”الحزب الإشتراكي الدستوري” بمناسبة زيارة جمال عبد الناصر. في هذه الأجواء الحماسية كان وزير الإقتصاد يطبق ما اصطلح على تسميته “بالسياسة التعاضدية”  .

التجربة التعاضدية 

هي بإختصار نوع من “رأسمالية  الدولة” بدأت “بالتعاضديات الفلاحية” في شمال البلاد على أن تعمم فيما بعد على البلاد بأسرها وتتحول إلى وحدات انتاج إقتصادية واجتماعية للقضاء على الاحتكار، وصدر قانون خاص بالإصلاح الزراعي، وكانت المرحلة الأولى تقضي بتقسيم وتصنيف الأراضي  التي سيطبق عليها الإصلاح، على أن يتم تجميعها في وحدات اقتصادية ذات مساحات عملية قابلة للحياة، سواء فيما يتعلق بالتمويل والإنتاج والتسويق والتنويع وتربية المواشي، وكان هذا التطبيق يرمي إلى جعل الزراعة ضربا من الصناعة، او “تصنيع الزراعة”، على حد تعبير بن صالح نفسه.

وما لبثت الأصوات المعارضة ترتفع من هنا وهناك بخاصة من طرف الذين حصلوا على ملكيات زراعية كبيرة خلال تصفية أراضي الإستعمار عن طريق المناورة والسمسرة والتحويلات المالية والتهريب واستعمال نفوذهم في الدولة لتحقيق مكاسب شخصية، بخاصة وان عملية الإصلاح الزراعي والتصنيع ساهمت في خلق انسان جديد مع تزايد إعداد النخب المتعلمة.

طبعا تلك كانت وجهة نظر بن صالح التي استوحت البرنامج الإقتصادي والإجتماعي الذي سبق ان اقرته الحركة النقابية والتي قالت بتعايش ثلاث قطاعات: العام والخاص والتعاوني.

وكان مؤتمر 1964 قد انتهى بتعيين بن صالح أمينا عاما مساعدا للحزب  أسوة ببورقيبة الأب، مكلفا بالعمل الآقتصادي والتنظيري، فكون “لجنة الإرشادات الإشتراكية كبرلمان شعبي، استمر عمله خمس سنوات.

إن كيدهن لعظيم

في تلك السنة 1964 إكتملت هالة بن صالح ولكن الأصوات المعارضة بدأت تتعالى في أوساط كثيرة. فلا الفلاح الصغير يريد ان يتخلى عن زيتونته المعمرة ، ولا المالك الكبير يرضى بتقسيم أرضه، وقسم كبير من اصحاب النفوذ ضد هذا “التغلغل  الإشتراكي” ويقال أن السفارة الفرنسية دخلت على الخط  ووزعت “تقريرا سريا” يدين فشل السياسة التعاونية، والواقع انها ارادت الإنتقام من بن صالح لأنها إعتبرته مسؤولا عن الأضرار بالمصالح الفرنسية، فقطعت فرنسا مساعدتها، مما أدى إلى تخفيض قيمة الدينار.

ومما زاد الطين بلة ان الرئيس بورقيبة أصيب عام 1967 بأول نوبة قلبية الأمر الذي فتح باب الخلافة على مصراعيه.

وكان الهجوم الأكبر على احمد من داخل “القصر” وبشكل خاص من طرف زوجة الرئيس السيدة وسيلة التي كانت تتمتع بنفوذ متزايد. هذا كان وراء المكالمة الهاتفية في 8ـــ9ـــ1969.

بعد ذلك لم يلتق بن صالح الرئيس سوى مرة واحدة، في شهر تشرين  الثاني/نوفمبر من ذلك العام حين ذهب لتهنئته بفوزه بالإنتخابات ، دون أن يتلقى دعوة من مدير الحزب لاحقا محمد الصياح.

احس أحمد ان المقصلة تقترب من عنقه، طلب الإذن بالسفر إلى فيينا لأن المستشار كراييسكي عرض عليه إدارة معهد الدراسات. لم يمانع  رئيس الوزراء الباهي الأدغم، لكن حرم الرئيس عارضت ذلك بشدة، وطلبت “ان يمر بدار خالتي” اي يذهب إلى السجن (بيت الخالة هو نفسه في كل ديار العروبة).

شهر آذار/مارس 1970 تم إيداع بن صالح في السجن وفقا لمشيئة “الماجدة”، جرت محاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وحكم عليه بعشر سنوات اشغال شاقة، زائد عشر سنوات إقامة جبرية بالإضافة إلى تجريده من كل حقوقه السياسية وإيداعه في زنزانة منفردة ومعزولة، في حين كانت “المدام” تريده في “برج  الرومي” وهو سجن تحت الأرض في مدينة بنزرت.

الهرب على طريقة هوليود

بدأ بن صالح يخطط للهروب في منتصف كانون الثاني/ يناير 1972، بعدما تاكد من وجود نية لتصفيته على غرار الكثيرين غيره. استغرق إعداد الخطة عاما كاملا وتطلبت كسب تواطؤ احد الحراس.

وهذا ما تم بالفعل إذ خرج من باب السجن في شهر شباط/ فبراير 1973، وهرع إلى مستشفى للعيون قريب حيث يعمل اخوه، الذي دبر نقله مع الحارس إلى الحدود الجزائرية في عز الشتاءوقد تطلب دخول الأراضي الجزائرية اجتياز غابة مشيا على الأقدام  في ظروف غاية في الصعوبة.

كانت الساعة الصفر لقطع الحدود هي الثامنة صباحاساعة تفقد السجناء وعندما دقت الثامنة كان يطأ الارض الجزائرية مع حارسه الأمين.

بدأت منذ ذلك الحين رحلة المنافي والتخفي لأنه كان يتوقع ان يتم إغتياله في أية لحظة وفي أي مكان.ولم يعد إلى بلاده إلا بعد وصول زين العابدين إلى السلطة في 7 تشرين الثاني/نوفمبر1987، ورفع الحظر عنه.

إنصرف فيما بعد للاهتمام بعائلته وبصحته المتدهورة في مدينة رادس إلى ان نقل في ذلك اليوم على وجه السرعة إلى المستشفى العسكري في العاصمة ليلفظ أنفاسه الأخيرة.

ارجو ان أكون قد وفيتك بعض حقك يا سي احمد.

 

شارك الموضوع

جورج الراسي

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *