العلاقة بين الصراع في أوكرانيا وفلسطين ودور إسرائيل

العلاقة بين الصراع في أوكرانيا وفلسطين ودور إسرائيل

د.جمال القرى

نشر السفير الروسي في بيروت ألكسندر روداكوف في فترة قصيرة مقالين في الصحافة اللبنانية، الأول “روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط: أوجه التشابه والتوازي” في جريدة النهار بتاريخ 3 11 2023، والثاني “الغرب هو المحرّض على الصراعات الدولية” في جريدة الأخبار بتاريخ 22 11 203. الملفت في الأمر، أن الدبلوماسية الروسية تحاول إبلاغ رأيها السياسي ووجهة نظرها في الصراع الدائر في فلسطين  والشرق الأوسط وربطه بشكل مباشر بالصراع الدائر في أوكرانيا من خلال الصحافة لإيصاله إلى السواد الأعظم من الناس. وقد استخدم روداكوف لذلك، لغة دبلوماسية دقيقة تحمل الكثير من الرسائل، مشيراً كدبلوماسي إلى العناوين التي تهمّ بلاده بالدرجة الأولى، وقد حدّد كل ما يجري بين معسكرين لا ثالث لهما، الغرب المتوحش (وأداتها اسرائيل) والجنوب والشرق العالميين.

 لقد ربط مباشرةً بين تدخّل الولايات المتحدة والغرب في أوكرانيا لصالحها، وبين تدخّلهما في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل على حساب وحدة واستقلال شعوب المنطقة. فالـ “الخطوط الفاصلة فيما يتعلق بأوكرانيا وفيما يتعلق بفلسطين هي متطابقة عملياً”.. معتبراً أن ما يحدث في غزة وحولها، الآن، هو توفير الغطاء لعملية التطهير العقابية الإسرائيلية للقطاع، علماً أنه وفقاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا يحق للطرف المحتل الدفاع عن النفس، ما يشي برفع الغطاء القانوني عن أحقيّة إسرائيل بشنّ حربها على القطاع. أما اقتراب الحلف الأطلسي من حديقة روسيا الخلفية، وتزويد نظام كييف بالأسلحة والمرتزقة فقد اعتبره لاحتوائها وتقسيمها وتدميرها.

واستحضر روداكوف الماضي القريب والبعيد من أجل فهم أوسع لما يجري اليوم، مذكّراً بتحرير كييف من النازيين في الحرب العالمية الثانية، التحرير الذي طبع نتائج هذه الحرب بهزيمة النازية والفاشية من جهة، وبالانقلاب الذي حدث في اوكرانيا منذ عشر سنوات وقوّض الشرعية القائمة وانبعاث النازية الجديدة واضطهاد السكان الروس. وبيّن أنه “قبل عشر سنوات بالضبط -21 تشرين الثاني 2013 ــ ورداً على قرار الرئيس الشرعي لأوكرانيا فيكتور يانوكوفيتش تأجيل التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لبعض الوقت، لتقييم إيجابيات وسلبيات هذه الخطوة المثيرة للجدل بشكل واضح، بدأ ما يسمى بـ”الميدان الأوروبي” في كييف عملاً احتجاجياً مستوحى من أجهزة المخابرات الغربية.

وبعد بضعة أشهر من الأزمة التي أشعلها الخارج، تم التحريض على انقلاب دموي. ومن اللافت للنظر أن النظام الذي استولى على السلطة بشكل غير قانوني، ترك في نهاية المطاف، من دون إجراء تحقيق مناسب، ما يسمى “قضية القناصين” الذين أطلقوا النار على المتظاهرين لإثارة أعمال عنف لا يمكن السيطرة عليها. كما لم تتم معاقبة قطّاع الطرق الذين أحرقوا الناس أحياء في مجلس النقابات العمالية في أوديسا. وبقيت العديد من الأسئلة الخطيرة الأخرى المتعلقة بالقانون الجنائي من دون إجابة”.

 هناك بالتأكيد أوجه تشابه بين ما يحصل في أوكرانيا وفي الشرق الأوسط. الأول، محاولة الأطلسي إخضاع روسيا وتفتيتها عبر البوابة الأوكرانية، وكأنها خطوة لاحقة لاستكمال انهيار الاتحاد السوفياتي الذي يبدو أنه لم يُستكمل بالنسبة للغرب بعد، والثاني، محاولته الاستمرار بدعم الكيان الاستعماري الاحتلالي الذي أوجدوه في الشرق لاستكمال استتباع المنطقة واستخدامها في الصراعات الحيّة.

ولكن بعيداً عن هذا التطابق، يبرز سؤال عن دور إسرائيل واللوبي اليهودي بالذات في نقل الصراع إلى أوكرانيا أيضاً، لتصبح الجبهة الثانية المشتعلة بعد جبهة الأراضي الفلسطينية المحتلة المشتعلة منذ 75 عاماً. فبالإضافة إلى كل الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية، يبدو أن للإسرائيليين واليهود بحسب البحث الذي كتبه الباحث الروسي في السياسة والتاريخ والاقتصاد العالمي مياملين كيريل في العام 2014 تحت عنوان “اليهود يفتحون “جبهتهم الثانية” في أوكرانيا. سيتم قتل الغوييم على كلا الجانبين”، مشروع ديني على أرض أوكرانيا بدأوا بالعمل عليه منذ سنوات طويلة، ويُختصر بالنسبة إليهم بإعادة مملكة الخزر البائدة وإنشاء ما يسمّونه بـ”صهيون العالمية”. وهنا، يُذكر التصريح الحازم الذي أدلى به السياسي الأميركي هنري كيسنجر لصحيفة نيويورك بوست في 17 أيلول (سبتمبر) العام 2012، وقال فيه أنه “في غضون 10 سنوات (بحلول العام 2022) لن تكون هناك دولة إسرائيل”. لذا فإن إعادة توطين اليهود من دولة إسرائيل البائدة ستبدأ في أوكرانيا.

الكتيبة الإسرائيلية “عالية”

 هناك تقارير تشير إلى انضمام مقاتلين من الكتيبة الإسرائيلية “عالية” إلى ميليشيا الدونباس وارتكابهم الفظائغ بحق سكان الدونباس وفي جميع أنحاء أوكرانيا، وإعدامهم مدنيين في كييف وقنصهم وإحراقهم أشخاص في أوديسا، وقصفهم لوغانسك بالقنابل العنقودية. لقد تشكلت كتيبة “عالية” في العام 2002 من الجنود المحترفين في الجيش السوفياتي وجيوش دول رابطة الدول المستقلة (كانت ضمن الاتحاد السوفياتي) الذين غادروا إلى إسرائيل وشاركوا في حماية يهودا والسامرة. في المجموعة الأولى، وصل عشرين من المقاتلين المحترفين ذوي الخبرة في الجيش السوفياتي والإسرائيلي إلى الدونباس لمحاربة النازيين ليرتفع حجم الكتيبة اليهودية الجاهزة إلى 200 شخص.

بالاضافة إلى ذلك، فهناك حوالي 300 جندي من القوات الخاصة التابعة للجيش الإسرائيلي في “الميدان الأوروبي”، كانوا قد شاركوا بشكلٍ مباشر في الإطاحة بالرئيس ف. يانوكوفيتش. وقد دعاهم شخصياً حاخام كييف موشيه ريؤفين أسمان للمشاركة بالانقلاب. وقد شارك كيميائيون عسكريون محترفون من جيش الدفاع الإسرائيلي في إعداد خليط المواد الحارقة السامة التي استُخدمت في الإبادة الجماعية لـ “أوديسا خاتين” الذين تلقوا تدريبهم أيضاً في القوات الأميركية الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، حصل هؤلاء على دعم أيديولوجي وإعلامي ومالي للمساهمة في نشر الفوضى في أوكرانيا قدمته لهم شخصيات يهودية عالمية.

ويحذر العديد من المطلعين اليهود، بمن فيهم رئيس الجالية اليهودية في خاركوف، إدورد خودوس، ونائب رئيس مجلس الدوما في الاتحاد الروسي ف. جيرينوفسكي، من أن يهود العالم يعتبرون أراضي أوكرانيا إقليماً لإنشاء “الخزر الجديدة”، دولة اليهود.

دور القومي اليهودي المتطرف أفيغدور إسكين في الصراع في أوكرانيا

بعد “انتصار الميدان”، روّج القومي اليهودي المتطرف أفيغدور إسكين القومي لهذه الفكرة على التلفزيون الروسي، بناء “صهيون عالمية” تتوافق تماماً مع التلمود، الذي يدعو إلى إبادة جماعية عالمية للغوييم وتحويل من يبقى منهم إلى عبيد. واليوم، تفعل طائفتا القبالا والحسيدية في أوكرانيا الشيء نفسه، وتدعوان إلى غزو آسيا واستعادة الخزر.. بدأ إسكين حياته السياسية في الولايات المتحدة بين الأعوام 1981-1985، وشارك في واشنطن في نشاط اللوبي الذي يعمل لصالح إسرائيل و”حماية اليهود السوفيات”. وعمل من العام 1986 إلى العام 1990، كمراسل للمجلة الأسبوعية الأميركية الناطقة بالإنكليزية The Jewish Press، التي تميزت بالعنصرية الاستثنائية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة التي احتلها اليهود في العام 1967. التقطت وسائل الإعلام الإسرائيلية المركزية العديد من مواده، لذا يُعتبر أحد منظري الإبادة الجماعية للسكان الأصليين في الأراضي التي احتلها اليهود.

في 21 كانون الأول (ديسمبر) العام 1997، اعتقل من قبل الشاباك بتهمة نية قصف المسجد الأقصى في الحرم القدسي برؤوس الخنازير عبر المنجنيق. ولكن بعد تبرئته بالكامل من اتهامات تدنيس الأضرحة الإسلامية، حُكم عليه في 1 كانون الثاني (يناير) العام 2001 بالسجن لمدة عامين ونصف العام بتهمة التحضير لوضع رأس خنزير على قبر عز الدين القسام وإضرام النار في مكتب “المنظمة السلمية” للجيل العالمي.

أهمية أوكرانيا بالنسبة للخاباد أو الحاسيديم

اعتبر الخاباد مناحيم – مندل شنيرسون مناحيم المولود في العام 1902 في مدينة نيكولاييف الروسية (“أوكرانيا” الآن) أراضي أوكرانيا الحالية “يهودية حقًة”، أي الخزر، وأن استعادة الخزر، هو هدف رئيسي للصهيونية العالمية (في تفسيرها الحسيدية). وفي العام 1907، انتقل إلى مدينة يكاترينوسلاف الروسية (دنيبروبيتروفسك حالياً)، حيث عُيّن والده الحاخام ليفي إسحاق شنيرسون حاخاماً رئيسياً للمدينة. ومباشرة بعد وفاة لينين في العام 1924، انتقل شنيرسون إلى لينينغراد، وكان قريباً من تروتسكي وبقي هناك حتى بعد طرد “الثوري الدائم” في العام 1927 في عهد ستالين.

اليوم، يطلق شعب الخاباد على دنيبروبيتروفسك “مدينة ريبي” وكان يُطلق على شنيرسون نفسه اسم “مشياخ” – “المسيح اليهودي”. وكان نفوذه كبيراً لدرجة أن طائفة الخاباد لم تقبل أي زعيم جديد منذ وفاته، وتعتبره زعيم الصهيونية العالمية.

ونقلت خاباد مكتبها الرئيسي من نيويورك إلى مدينة دنيبروبيتروفسك، حيث تم بناء أكبر “مركز يهودي” في العالم دفعت تكاليفه الأوليغارشية اليهودية بمبادرة من غينادي بوغوليوبوف، رئيس الجالية اليهودية في دنيبروبيتروفسك، وإيغور كولومويسكي، “رئيس الجاليات اليهودية الموحدة في أوكرانيا، والاتحاد اليهودي الأوروبي وعضو مجلس الإشراف على المجتمع اليهودي في دنيبروبتروفسك”. وكلاهما شريك في المجموعة الخاصة المالية الدولية. وهذان أصبحا من منظمي الانقلاب في أوكرانيا.

الصراع طويل ومتداخل ومتشّعب ولا نعرف عنه سوى القليل! يبقى الأمل بوقف حمام الدم في فلسطين وانتهاء الحرب الروسية – الأوكرانية ومحاسبة المتسبّبين بتلك الحروب أمام العدالة الدولية إن صدقت.

شارك الموضوع

د. جمال القرى

طبيبة وكاتبة لبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *