يا زمان الوصل .. في الحي اللاتيني

يا زمان الوصل .. في الحي اللاتيني

 جورج الراسي

لم نعش سقوط الأندلس لكننا نعيش سقوط الحي اللاتيني، في ذلك الزمن لم يكن الخارج من الحي هو نفسه الداخل اليه، المقاهي، والكتب المنثورة في المكتبات وفي زوايا الشارع والأكشاك التي ترزح تحت ثقل الصحف والمجلات، ورائحة الشواء التركي و”الباستا” الإيطالية   وكؤوس النبيذ و”التكيلا” والعرقوحتى ذلك الأرمني الذي كان يمتلك حانوتا من مترين مربعين بمحاذاة  بركة ‘السان ميشيل” خصصه للف سندويشات فلافل قلما تذوقت مثلها، كل  ذلك كان يعطي للحضارة معان عديدة. عشت ذلك في باريس حتى إمتلأت رئتاي بتلك النسمات وبتلك الروائح  وبتلك  الحضارات.

مسيرة الحرية والمساواة

في مثل هذه الأيام، منذ أربعين سنة بالتمام والكمال، وصلت إلى باريس مسيرة ضخمة انطلقت من مرسيليا تطالب بالحرية والمساواة لأبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، الذين أصبح  معظمهم من “الفرنسيين”  بحكم القانون، ولكنهم ظلوا من مواطني الدرجة الثانية بحكم الأمر الواقع  كانوا جموعا حاشدة،  تقدمتهم لافتة كبيرة كتب عليها “مسيرة من أجل المساواة وضد العنصرية.

وفي هذا الأسبوع أحيت باريس  تلك الذكرى في أجواء أقل ما يقال فيها أنها مناقضة تماما لتلك الأمان. في ذلك الوقت كنت منغمسا بإصدار مجلتي الباريسية Dialogue International الحوار الدولي التي استمر صدورها بين أعوام 1980 و1990، وكان من الطبيعي ان أخصص عددا لذلك الحدث ، فقد كان شعار المجلة “مجلة إفريقيا والعالم  العربي”، وعلى رأس إهتماماتها كل ما له علاقة بالأحداث العربية والتطورات الإفريقية في السنوات الأولى ما بعد الإستقلال الظاهر.

و أذكر أن الرئيس فرنسوا ميتران  كان في السنوات الأولى من عهده الذي بدأ  في أيار من عام 1981 وقد استقبل وفدا يمثل المسيرة واستمع إلى مطالب المتظاهرين بإعتباره “رئيسا اشتراكيا”.

هذا كان منذ أربعين عاما أما اليوم!

محاكم التفتيش

اما اليوم  فالمشهد مناقض تماما، وقد ساهمت أحداث غزة برفع الغطاء  عن موبقات كثيرة، ليس اقلها خطورة أنها توحي بأننا عدنا دفعة واحدة وبدون مقدمات إلى زمن محاكم التفتيش.

فمنذ ايام قليلة تم إيقاف تلميذ عمره عشر سنوات لأنه طرح سؤالا على معلمه  فحواه: هل هناك علاقة بين الصورالمهينة للنبي التي نشرتها بعض الصحف الفضائحية وبين إغتيال استاذين  بطريقه  بشعة؟

اشتم الأستاذ عند ذلك الطفل جينات إرهابية، فشكاه إلى ناظر المدرسة ونقل الناظر الشكوى إلى دائرة البوليس التي ما لبثت أن أوقفت الطفل وقادته إلى التحقيق، ولا ادري إذا كان ما زال موقوفا شيء مذهل…!

ومنذ أيام أيضا اوقف اللاعب الدولي في فريق مدينة نيس يوسف عطال ، الجزائري الأصل،  لأنه أدلى بتصريح يدين فيه العنف الأعمى المستشري في غزه، فقد تحركت الدولة بكل أجهزتها واتهمته “بالتحريض على العنف وإثارة الكراهية” واقتيد مخفورا إلى مركز الشرطة ولم يطلق سراحه فيما بعد  إلا بكفالة قدرها 80  الف يورو!

ومذ ذاك وهو يردد على مدار اليوم  انه “ضد كل انواع العنف” حتى يسلم من قبضتهم.

شيء مذهل أيضا

ومنذ يومين لا أكثر يتعرض رئيس وزراء فرنسا السابق ووزير خارجيتها  في عهد الرئيس جاك شيراك دومينيك دو فيلبان إلى حملة شعواء بتهمة  “معاداة السامية” لأنه المح إلى قوة اللوبي اليهودي في المؤسسات الإعلامية  والمصرفية والسينمائية العالمية!

شيء مذهل أيضا وأيضا.. لإإذا لم تكن هذه “محاكم تفتيش” فكيف تكون تلك المحاكم؟

نحن هنا وسنبقى

كل شيء  فهمته إلا تهمة “معاداة السامي،  “يا جماعة  السنا نحن أيضا “ساميين” أبناء سام، كما صنفنا ذلك العالم النمساوي؟ اليس الغرب هو مختبر “معاداة السامية” على مدى قرون طويلة وبكلفة ملايين الضحايا؟

هل نعم اليهود في تاريخهم بحسن الضيافة كما  نعموا بها في كل أقطار العروبة من اليمن إلى المغرب الأقصى؟ كم من الرؤساء الفرنسيين “هاموا”  بالعالم العربي، آخرهم ساركوزي  الذي أمن نجاحه قبل أن يغمد سيفه في صدر وزيرة العدل المغربية الأصل المغرمة بقطر وصولا إلى ماكرون الذي افقدته  الأحداث الأخيرة اتزانه.

 لكن قمة السوريالية كانت تلك المسيرة التي سارعلى رأسها رئيسة الجمعية الوطنية ورئيس مجلس الشيوخ ـــ نفد الرئيس  بجلده ـــ  من أجل إدانة  “العداء للسامية”.

إفهم: ضد العرب ومسلمي فرنسا!

يا جماعة مسلمو فرنسا هم مواطنون فرنسيون، لديهم طقوسهم في  اللبس والأكل والإحتفال، لكنهم يحترمون قوانين الجمهورية، في احد الإستطلاعات سئل شباب من أصل جزائري: هل يفضلون خدمة العلم  (الخدمة العسكرية) في فرنسا ام في الجزائر، فكان جواب 80 بالمئة  منهم انهم يفضلون إجراءها في فرنس..!

عرب فرنسا “منخرطون تماما” بينهم وزراء ونواب ومئات من اعضاء البلديات والمجالس المحلية.

وعندما تشاهد التقارير التي يبثها التلفزيون الفرنسي يوميا على مختلف قنوات يخيل اليك ان البلد ليس فيه غير العرب: الطبيب عربي، والممرضة عربية وسائق التاكسي عربي، وصاحب محل البقالة عربي، وفي بعض الأحيان الشرطي عربي، والضابط عربي الخ.

طبعا هنالك فوارق اجتماعية وثقافية ودينية وطبقية تفسر انفجارات الغضب بين الحين  الآخر في الضواحي المكتظة التي ينهشها الفقر و البطالة ومروجي المخدرات  وكلما سقط شاب برصاص رجل بوليس ارعن، ولكن لسان حال الأغلبية الساحقة من عرب فرنسا هو: نحن هنا وسنبقى….

من الكسكس إلى ماكدونالد

لعل من أهم اسباب تمسك عرب فرنسا بهذا البلد هو المنحدر الذي تنزلق إليه معظم دولهم الأصلية بخاصة في كل له علاقة “بحقوق الإنسان” فهذه عبارة ما زالت غريبة على الأذن العربية ثم إن الأجيال الجديدة ليست مغرمة “بالكسكس” قدر غرامها بالإمبريالي ماكدونالد، واقع الأمر ان الفتيات هن الأكثر انجذابا إلى هذه الحياة الجديدة لأنها الطريق الأقصر للتحرر من سطوة ذكور العائلة وفتح آفاق التطور أمامهن.

وبالمناسبة فأن لقب عرب فرنسا هو Les Beurs وكلمة  Beurمستمدة من إحدى الضواحي المحلية حيث يقلبون الحروف، فيقولون مثلا عن المرأة Meuf بدل Femme وتتحول كلمة “عربي” إلى  Beurوهي تشمل كل الوافدين من الأقطار المغاربية سواء كانوا “عربا” او “بربر” او إلى اية اثنية أخرى انتموا.

اخيرا وبإنتظار ان يستعيد الحي اللاتيني رونقه بعيدا عن “معاداة السامية  وكما يقول اخوتنا المهاجرون: “إن لله وإن إليه de retour” (راجعون).

شارك الموضوع

جورج الراسي

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *