أزهَارُ بُودْلِير وليلُ طاغُور وأفُولُ عَامٍ وبُزُوغِ آخر..!

أزهَارُ بُودْلِير وليلُ طاغُور وأفُولُ عَامٍ وبُزُوغِ آخر..!

د. محمّد محمّد خطّابي 

     اِنطفأت الأضواءُ، واختلط الحابلُ بالنابل، وانطلق العناقُ تلوَ العناق، ودارتِ الأكْؤُسُ الدّهاق، وتبعتها الأكوابُ المُترعة المُرّة المذاق، ووُزّعت  أشهى الأطباق، وارتفعت أصوات الموسيقى في كل نطاق، وأضحى الصّخب لا يُحتمل ولا يُطاق، واِمتلأت البطونُ حتى التّخمة بالطعام المُزّ، والكلّ يبسط يده كلّ البسط ولا يخشى في هذا الوم إملاق، واِنفرجت الأسارير والأشداقُ، وتعالت العيون مُحدّقةً في فضاءات السّماوات الطّباق.. وتمّ إيقاد الشمعدانات المذهّبة ذات الأيدي الأخطبوطية المتشعّبة، التي يضيئ زيتها حيناً، ويخبو حيناً آخر، وتتراقص، وتخفتُ أنوارُها فى رومانسيّة حالمة، وتتأرجحُ فتائلها فى خَجلٍ  وخفر دون إخفاق، وتحلو الرّقصات الصّاخبة، واِهتزازات تنّورات الصّبايا الحِسَان مع أعزّ الرّفاق، ودارت صواني طحالب السُّوشي اليابانية البحرية، وبطارخ الكافيار الرّوسيّة، والإيرانيّة الحمراء منها والسوداء، وشطائر أسماك جاوة النادرة، والشرائح المدخّنة من السَّلمُون النرويجي الشهيّ، وخلف النوافذ المُشرعة تتراءى من بعيد الشهُب الإصطناعية التي تملأ الفضاءَ، والتي تكاد تُغشى الأبصار، إنهم يفرحون، يمرحون، يعبثون، يتشاجرون، يتصالحون، يتعانقون، يصيحون، يُغنّون، ويُهلّلون، ويحتفلون بأفول عام واِستقبال آخر لمّا يزلْ فى غياهب المجهول.

الليالي المِلاح الوهميّة

   إنها لحظات الهَوَس، والنَّزَق، والفرح والجذل، والسّرور والحبور والمرح، أطفئوا المصابيحَ بُرهة، ثمّ أوقدوا الشّموعَ، والقناديل، وانشروا الأنوارَ، وانثروا الضّياء.. فإذا الوجوهَ باشّةً هاشّة ضاحكة، وإذا القلوبَ تخفق سعادةً وهناءةً، كلّ المدن، والضواحي والأرباض والحواضر الكبرى تسبحُ في ثبجِ فضاءٍ أثيريٍّ بهيج، وأضواءُ النيّون تملأ الدّنيا، وتسطع في أماكان بعينها، واستمرّ الظلامُ الدامسُ مُطبِقاً في أماكن أخرى، كثيرون منّا يجهلونها، قليلون منّا يعرفونها.. عاقرت الكؤوسُ بعضَها بعضاً، من فرط القهقهات، وزاغت العيونُ من فرط النظرات.

وظلّ آخرون منسيّين مُهمّشين يلفّهم البردُ القارس الذي يَصْلىِ المَقْرورَ، ويُبيحُ كلّ محظور، ويُجمّد الثلجَ الصقيعُ المتكاثفُ الجسومَ الهزيلة، وأبدانَ عاصبي البطون المُرمّلة النحيلة، الذين  يمزّق الطوىَ أوصالَهم، ويُغلفهم البؤسُ والتعاسةُ، ويسكنهم الضنكُ، هناك دائماً وفرة، وغزارة، وهناك تضخّم فائض، وهناك بالمقابل دائماً عَوَزٌ، وخصَاصَةٌ، وفاقةٌ، وفقرٌ، وحرمان، واحتياج، وقبضٌ من ريح، وحصادٌ من هشيم.

 دار الزّمانُ، وتوارىَ العام، وتوارت معه أحزانُنا، وأتراحُنا، وإستقبلنا في ذاتِ الوقتِ عاماً جديداً لا زالت أيامُه، ولياليه في طيّ المجهول، وخبايا الكِتمان، ها هو ذا عامٌ آخر من أعوام البشرية قد اِنْزَوَى، وَمَضَى إلى حالِ سبيله، وانسابَ كالسّيلِ العارمِ العَرَمْرَم، أو كالأتيِّ المنهمِرالمنساب بين أخاديد أيّامنا المنهوكة، ويذوي بين طيّات الزّمن، وثنايا النّسيان، وثبج السّنين، ومدارج سديم الفضاءات السّرمديّة الأثيريّة، اللاّنهائية، واللاّمنتهية، واللاّمتناهية لينضمّ إلى سلسلةِ عقودِ الأزمان المنصرمة  التي توالتْ، وذهبتْ لحال سبيلها بدون عودة ..!

أزهارُ بودلير وليل طاغور

    كان ”بودلير” يعشق نور الضياء يكره عتمة  الليل، الذي تتفاقمُ  فيه آلامُه المُبرحة، كانت تتراءى له فيه هوّات عميقة، حالكة، سحيقة، لا قعر، ولا قرار، ولا قاع لها، كان يشمّ فيه- كما كان يقول- رائحة القبور. أواني الورد  لديه، ومزهريّاته لا تكلّل سوى بـ”أزهاره الشرّيرة” الذابلة، وهو معذورٌ على كلّ حال، فهو فنّان معنّى، ومُبدعٌ معذّب، وفنّان عليل لا يشاطر السّامرين شغفَهم بالليل، وهيامَهم بحلكته، إنه نقيضُهم على آخر الخط.

وهذا “طاغور”العظيم في ”اِنتقام الطبيعة” نجده يؤكد أنّ إنشطار الليل والنهار لايهمّه،ولا اِنقسام الأيام والشهور، والأعوام، فتيّار الوقت عنده قد توقّف، فإذا الزّمن يرقص على أمواجه ويستحمّ في لججه، ويتمايل القشّ وتميس، وتميد الأغصان، إنه وحيدٌ تراه، مُجندلاً، كئيبباً، حزيناً في كهف حياته المظلم المدلهمّ، منغمراً في نفسه، منهمكاً في ذاته، منهوكاً بفكره، والليل الأسودُ، الأبديّ، البهيمُ الحالك، ساكنٌ كبحيرة نائية في جبالٍ نائيةِ  موحشة، بعيدةُ الغُور، عميقة القرار، تخافُ عمقَها نفسُه، الماء ينضحُ، ويرشقُ، وينساب، ويقطر، ويسيل من الشقوق المُبلّلة الناتئة، وفي البرك الضحلة، والغُمُر المُوحلة، والتِّرَع الآسنة تسبح الضفادعُ العتيقة ذات الألوان المزركشة المخيفة، إنّه رهين ذاتِه، ينشد ترتيلةَ اللاّشئ… إنّه حرّ كالرياح العاتية…!

آخر الليل الطويل نهارٌ مُشرق!

   كان البدائيّون ينتحبون غروب الشمس، وغيابَ القمر، وكانوا يبكون سدولَ الليل الذي كان يسرق منهم الضياء، ويحرمهم من  الجوّ الدافئ، ويطويهم تحت جبّته الحالكة، الآن ها قد تغيّرت الآية فأمسينا تَرَى النَّاسَ يهلّلون لمقدمِ الليل، فهو فى عُرفهم ساكنٌ، هادئٌ، حالم، لا حرّ ولا قرّ فيه، من أين يأتي الحرُّ، ومن أين يجيئ القرّ، وهناك العديد من المدفآت، والمبرّدات، ومكيّفات الهواء،والمراوح، والرّيش، والطنافس، والسجاجيد، والألحفة الحريرية، إنّهم مُحقّون في ذك لا ريب، فالنّهار ليس لهم، إنّه للكادحين، والعسيفين، المُتعبين، الذين يعملون في الحقول، والمغاور، والمعامل، والمَصانع، والمَزارع، والمَقالع، والمَدامع، والمَعادن، أمّا الليل فهو ملك لهم، أفرأيتَ إذن كيف إنقلبت  الآية..؟ أفرأيتَ كيف أنّ النّاس يتشاءمون، ويتثاءبون، ويستاؤون من غياب النّهار، وأفول الشمس..؟!  وقديماً قال الحكماء: الليلُ مهما طال فلابدّ أن يدركه صبحٌ مشرق وضّاح.

تجاوزَ الظلمُ  المدىَ

   تُرىَ ماذا يحمل تحت جناحيه وأعطافه هذا اليعسوب الأثيريّ الطنّان الذي لا يتوقّف عن الزَنِّ والتحليق منذ الأزلْ، ولم يزلْ، تُرىَ ماذا يُخفي في طيّاته وثناياه..؟ أَ شَهْداً حُلواً مُصفّى وزبيباً وتَمْرَا..؟ أم حنضلاً مُرّاً  وعلقماً وصِبْرا..؟ تفاقمت الحروب، واِشتعل أوارها، وحمي وطيسُها، وطغى الظالمون وتجاوز ظلمهم المدىَ في مكان عزيز على قلوبنا جميعاً، وتقف البشرية تشرئبّ بأعناقها لتتفرّج ولا تحرّك ساكناً.. في تلك المنطقة النائية حيثُ القومُ الرحّل الهائمون والتائهون في الأرض الذين وُهِموا بـ”الهداية” ما لبثوا يعيثون في هذه البقعة الطيبة فساداً، ما برحوا يحتسون نُخبَ العام الجديد في جماجم بشرية، أنا، وأنت، وهو، والآخرون وجميع أحرار العالم يعرفون أين تقع هذه الأرضُ الطاهرة.. إنها حيث يتسلّل الصيّادون ليلاً بفِخاخ البشر، وحشيتُهم أحدُّ  فتكاً من أنياب الذئاب، وكبرياؤهم أشدّ عمىً من الآجام المظلمة، والناس لا يبالون ولا يكترثون ولسان حالهم الأرعن يقول: فلنعانقْ، ولنعاقرْ ولنحتفِ، ولنجعل بيننا وبين الأحزان، والأشجان، والأدران برزخاً واسعاً، وهوّةً سحيقة عميقة انهم في خبلٍ من أمرهم وفى خطلٍ من فكرهم الأعوج.

الماضي فات والمُؤمّل غيبٌ

عُدْتَ يا يومَ مَوْلدِي/ عُدْتَ يَا أيّها الشقيّ                                                                                     

 الصِّبا ضَاعَ من يدِي/ وَغَزَا الشَّيْبُ مَفْرِقِي

إنهما البتان الخالدان الرائعان للشاعر المُعنّى البدين (بَدَناً) والرقيق (إحساساً) كامل الشنّاوي الذى عندما  وضع يوماً عمّته وجبّته من على رأسه وبدنه فى الأزهرالشريف وانصرف، وَضَعَ معهما كذلك كلَّ همومِه وأحزانِه، وأتتهُ الجرأةُ، والجَّهر بالحقيقة.. حقيقة الموقف الفادح، فصاحَ ذاتَ يومٍ والخلاّنُ يمرحون، والإخوانُ يصيحون مهنّئين إيّاه : ”كلّ سنة وأنت طيّب يا سّى كامل.. صحِّ النّوم “فصاح فيهم منشداً، مغتمّاً، مهموماً، كئيباً، حزينا بالبيتين الآنفيْ الذكر اللذين يضافان إلى مفهوم محاسبة، ومعاقرة، ومعاتبة، ومناغاة الزّمن فى بيت أبي العتاهية الشهير القائل: ألاَ  ليتَ الشباب يعود يوماً   / لأخبرَه بما فعل المشيب!   

كان الشنّاوي فى كلّ خطوة من خطواته يشبّ فى قلبه حريق، ويضيع من قدمه الطريق، كان صادقاً مع نفسه، ومع خلاّنه، ومع إخوانه،ومع واقعه لحظة تقييمه ليوم مولده، فقد خالف الناسَ في عُرفهم ،إنّه يتوجّس خيفةً وهلعاً ورهبةً من هذا اليوم، لأنّه يعرف مدَى فداحة الموقف بالنسبة له وللآخرين،فهو لم يُخْفِ وجهَه، ولم يَحشُ مُحيّاه في الرِّمال كما فعل غيرُه، واِنساق وراء القطيع، بل إنّه رفع رأسَه، واشرأبّ بعنقه عالياً، سامقاً، ليُدينَ الزَّمنَ القاهر، منذ أن زُجَّ به بدون استشارته في هذا العالم المشحون بشتّى ضروب العُنف، والعَنت،والتنكيل، والشقاء، والمُعاناة. ولئن قُرِنَ الكلامُ هنا بعيد ميلادِ شخصٍ، فذلك لأنَّ له ارتباطاً وثيقاً به، وفيه مَعنىً متقارب جدّاً بالنسبة لأفول عام، وقدوم آخر، هذا العام في الواقع هو بمثابة عيد ميلاد للبشرية جمعاء، ذلك أنّ كثيرين منّهم يشتركون في الاحتفال، والاحتفاء به جماعةً في كلِّ مكان، ففيه ترتفع الأهازيجُ، وتعلو أصوات الشّدو، والطرب، والغناء، والسّماع، وصلةُ كلّ هذه المعاني هي إلى الألمِ، والحزنِ، والأسى، والشّجن أقربُ منها إلى الفرح، والمرح، والسعادة، والجّذل، والغِبطة والحبور، ومع ذلك تراهم يتمادوْن في لامبالاتهم، ويتظاهرون بأنّهم سُعداء… وقد يكون صنيعُهم ذاك من باب الإنتقام، واغتنام الفرص وَعَمَلاً بنصيحة ”الخيّام”  القائل في هذا القبيل أن تمتّع بيومك قبل غدك، فمن أدراك أنّك راءٍ أو مُدْرِكٌ هذا الغدَ المجهول، أو من باب:  الماضي فاتَ والمُؤمّلُ غَيْبٌ  / ولكَ السّاعةُ التي أنتَ فِيهَا.!  

إنّه كلام يتناثر، ويتطايرفي الفضاء، تماماً كما تناثر وتطاير في القديم كلامُ  مَنْ شَيّد في أخيلته مُدناً فاضلة، وأقام فيها صروحاً وقصوراً ولكن العدالةَ ظلّت فيها طائراً حسيراً، كسيرَ الجناحين يحلّق بالكاد حولها، لا يَشمُّ سوى رائحةَ الظلم، والعنت، والتفاوت في كل مكان، واليومَ لم يعد ثمةَ أناس من هذا النّوع، فقد أصبحوا في عُرف الآخرين شبيهين بالحَمْقى أو بالمجّانين الذين يُفنون أعمارَهم في الأوهام، والأحلام، والخيالات، والترّهات التي لا طائلَ تحتها. بل ربّما كان هؤلاء هم الذين يعانون أكثرَ من غيرهم مختلفَ ضُروب البّؤس، والتعاسة، والضنك، النكد، والحرمان، بعد أن كسدت أسواق الفكر الخلاّق، ونشطت حركاتُ التقاليع  والمُوضة الرّخيصة في كلّ شئ، فى عالم الفنون، والجنون، والمجون من كل نوع.

أمّنا الطبيعة الكبرى المُهانة

     ألمْ ترَ الناس يذرعُون الشّوارعَ، ويجوبون المدن، يجرون عاجلين فوق البسيطة، ويزحفون تحتها، ويطيرون فوقها في الفضاء اللاّمتناهي الفسيح، ويغوصون فى أعماق البحار، وفى أغوارالمُحيطات، ويتزلّجون فوق لججها وأمواجها، ويقطعون الصّحارى والقفار؟والمَفاوز، والمهامه، والآكام، والآجام، إنّهم يتسارعون على غيرِ هُدىً منهم، وعلى غير عادتهم، يُسرفون، ويبذرون، يقتنون الحاجيات، والآليات، والمأكولات، والمشروبات، والهدايا، والهبات بِشَرَهٍ وَنَهَمٍ، ويقتلعون شجيراتِ الصّنوبر الغضّة، والأَرز اليانعة التي نحن في مسيس الحاجة إليها في هذه الأطوار العصيبة التي يجتازها العالَمُ المتحضّر، والمتصحّر أو فى طريق التصحّر..! وتماشياً مع سياسات الحفاظ على البيئة، واحترام الطبيعة، وَصَوْن الأدغال والغابات، والدفاع عن المحميّات الطبيعيّة، والإيكولوجية من كلّ نوع، بل نحن في حاجةٍ إليها أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، لنستظلَّ بظلالها، ونستمتع برونقها، وننعم ببهائها، وببساقتها، وبساتنها، ونضارتها، وجمالها الخلاّب. كم أنتَ قاسٍ أيّها الإنسان، كيف تسمحُ لنفسك؟ وكيف يتمادى بك الغيُّ، ويبلغُ بك الغرورُ لتتطاول وتتجنّى على الطبيعة أمّنا الكُبْرىَ المُهانة، وتقتل، وتقتلع بغطرسة وتجبّر تلك الشّجيرات البريئة لتجعلها زينةَ، وقتيةَ، عابرة في منزلك، تغمرها بالباقات، والبطاقات، والياقات، والورقات، والأضواء، والألوان، لتطوف حولها وأنت ثملٌ عديم الإحساس بها، وبما، وبمن حولها في لحظاتٍ كان أجدرَ بك  فيها  تعميق فكرك، وإعمال نظرك فيما يدور حولك، وما يجري فى هذا العالم من رزايا، وخطايا، وقضايا، وأهوال، وويلات. البشريةُ غزا الشيبُ مفرقَها كذلك مثل شاعرنا المكلوم إيّاه، وأضاعت عمرَها هباءً منثوراً في ويلات التقاتل، والتطاحن، والتشاكس، والمواجهة، والمعاداة، والبغضاء والتقتيل والتنكيل وما تزال… لعلّ هذه الأمور تجعلنا نأسى ونتأسّى، وتبعثُ اللّوعةَ، والحزنَ، والضّنكَ  في الأنفس الملتاعة المعنّاة، فالإنسان هو الكائن الوحيد في عالم الأحياء وبين ”العُقلاء” الذي يقتلع الأشجارَ ويصنع من لحائها ورقاً وهو الوحيد الذي يقتلُ فقط للاستمتاع وإشباع رغبة الانتقام في نفسه الأمّارةُ بالسّوء، ومن ثمّ تأتي تلك المباريات في عالم الصّيد، والقنص، والطّرد ولله في خلقه شؤون!  

على مشارف المَجْهُول

بزغ فجرُ العام الجديد، وأمسينا من جديد تحت رحمة القدر على مشارف المجهول، لابدّ أنّه يحمل في طيّاته، وثناياه كثيراً من التخوّفات، والتوجّسات، والتساؤلات، والاستفسارات، والإرهاصات، والآمال،والتطلّعات، والآلام معاَ، إنها لعبة الجَدّ، أوالحظّ كما وصفها أبو الطيّب المتنبّي ذات يوم في بيته العميق من داليته الشهيرة القائل:

هو الجدُّ حتى تفضل العينُ أختها  /  وحتى يكون اليومُ لليومِ سيّدا!

وأنت أيّها العام المنقضي الذي ذهب أدراج الرياح، لقد ودّعنا فيك بألمٍ مُمضّ صفوةَ من أصدقائنا، وثلّة من أحباّئنا، وخلاّننا، ومعارفنا ممّن كانوا بالأمس القريب يتعايشون معنا، وكانت تربطنا بهم علائقّ حبٍّ، وعُرى مودّة وإخاء، فواحسرتاه عليكَ أيّها الحَوْلُ النّكد… وتبّاً لك أيّتها الأيّام، بل أيّتها الأعوام لقد تأسّى من قسوتك، وتشكّى من فداحتك، السّابقون، وها أنتِ ما فتئتِ  تنوئين بكاهلنا،وتقضّين مضجعنا، وتثقلين بكلكلكِ ظهورَنا، وتتوالين مُهرولةً غير عابئةٍ، لا تلوين على شئ، مُسرعةً، مُهرولةً تنهبين أعمارَنا نهباً رهيباً، وتعصفين بحياواتنا عصفاً مُريعاً، ومع ذلك نظلّ نأمل، ونتأمّل، ونرفع رؤوسنا، ونجيلُ بأعيننا إلى السّماء نحدّق فيها بإمعان، كأننا  نستعطفها أمراً مّا كامناً في كنه أنفسنا، وفى أعماق أفئدتنا، وفى قرارة وجداننا.. أهلاً وسهلاً بك أيّها العام القادم.. ووداعاً لعامنا الفائت الذي تجرّعنا فيه وخلاله وما نزال أكؤساً  من المرارة والحنظل والعذاب والمعاناة.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا