ماذا لو حصلت حرب في لبنان… وانعكاسها على الناس

ماذا لو حصلت حرب في لبنان… وانعكاسها على الناس
أحمد مطر
     هذا هو السؤال الذي يعيش في وجدان اللبنانيين، لا سيما المعنيين منهم بما يجري في الجنوب، ربطاً مع الحرب المدمرة والخطيرة، التي تشنها إسرائيل المدججة بالأسلحة المتطورة، على قطاع غزة، بمدنه ومخيماته ومستشفياته ومساجده وكنائسه ومدارس الأونروا والجامعات والأبنية السكنية، فمتى تتوقف الحرب. 
يبرز الحرص الخارجي على قيام الدولة اللبنانية من كبوتها، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، رغم التخبط في دوامة الأزمات الراهنة، يحتاج إلى تحرك جدي من القوى السياسية لتفعيل حركة المشاورات والاتصالات الداخلية، بغية الوصول إلى الحلول المنشودة، ضمن تسوية على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.
الحفاظ على الصيغة اللبنانية الموحدة، والدولة اللبنانية الواحدة، والمجتمع اللبناني الواحد، يتطلب من كل الأطراف النزول عن شجرة المواقف العالية، والتعاطي مع أزمات البلد ومشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بواقعية سياسية تقوم على الاعتدال، والحوار مع الآخر، والتفهم المتبادل للهواجس والمخاوف التي تراود الشريك في الوطن. وبالتالي العمل الدؤوب لتحصين الوضع الداخلي، وتصليب الوحدة الوطنية التي تنخرها سوسة الطائفية والمذهبية، تحت شعارات شعبوية ، تزرع الكراهية والخوف في ربوع الطوائف، المستسلمة لقيادات تلعب على حبال شد العصب الطائفي والمذهبي . وفي حال استمر العجز الداخلي عن التوصل إلى تسوية ما، فإن الحراك الخارجي سيفرض على الأطراف المحلية صيغة الحل المرتقب، في إطار إعادة ترتيب أوضاع المنطقة، بعد حرب غزة، وتقدم حل الدولتين في المطابخ الأميركية والبريطانية . ولا خيار عندها أمام جهابذة السياسة اللبنانيين إلا المشي، كرهاً أو طوعاً، بالحل المفروض من الخارج وكل من يخرج عن هذا الإطار يكون أخرج نفسه من الساحة السياسية، كما حصل مع معارضي اتفاق الطائف . من غزة إلى لبنان وسوريا، عنوان المفاوضات بات أكثر من واضح. هي ثلاث دول منكوبة، كل منها بظروف مختلفة. لكنّ ما هو مشترك فيها هو المد الإيراني، إن عبر الحرس الثوري في سوريا، أو الحزب في لبنان، أو جناح حماس الإيراني في غزة.
في هذا المنعطف التاريخي يُعاد خلط الأوراق، لترجمة انحسار النفوذ الإيراني ودخول الجانب السعودي على خطّ إعادة الإعمار، في سياق رؤية وليّ العهد بن سلمان الذي تحدّث عنها بوضوح في القمّة العربية الأخيرة في جدّة. إذاً هي إعادة إعمار المنطقة. 
رهانات الغرب وإسرائيل مبنية جميعاً، بصرف النظر عن الاختلاف في تصور اليوم التالي بين إدارة الرئيس جو بايدن والعواصم الأوروبية وبين حكومة نتنياهو، على مرحلة ما بعد حماس في غزة. ورهان حماس ومحور المقاومة بقيادة إيران هو على فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها ومرحلة ما بعد حل الدولتين. إسرائيل التي زلزلتها عملية طوفان الأقصى هاجمت غزة من دون تحديد هدف سياسي للحرب، بحيث لا تعرف ماذا تفعل في القطاع إذا ربحت عسكرياً ولا اذا فشلت. وحماس التي قامت بعملية فاقت نتائجها التوقعات كانت تعرف سلفاً ما سيكون عليه رد الفعل الإسرائيلي، وتستعد له، وتراهن على الصمود وعودة القضية الفلسطينية الى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، وتكريس مرحلة جديدة في صراع الوجود مع العدو الصهيوني.
وحين يرد حزب الله على كل المطالب الداخلية والخارجية حول انتخابات الرئاسة وفك الارتباط بين جبهة الجنوب وحرب غزة وتطبيق القرار 1701 بالقول: لا كلام على اي موضوع قبل أن تنتهي حرب غزة، فإنه يترك للجميع أن يفهموا ضمناً بقية الكلام. والبقية هي الرهان على نهاية مختلفة عن السيناريو الظاهر لحرب غزة. رهان على هزيمة استراتيجية لإسرائيل، ونصر استراتيجي لحماس بحيث تتكرس مقولة اليد العليا لمحور المقاومة في مستقبل المنطقة. وبهذا المعنى، فإن نهاية حرب غزة هي بداية مرحلة جديدة في مسار شقته الثورة الخمينية في ايران. ورئاسة الجمهورية، مجرد موضوع فرعي في هذا المسار اما الامساك الكامل بها، وإما الشغور. كذلك القرار 1701 الذي لا يقدم ولا يؤخر اذا كان هناك قرار بشن حرب او حتى بقتال مضبوط كما في الواقع الحالي. ولا بأس في التمسك بالقرار والإعلان الرسمي عن التزام تطبيقه بكل مندرجاته، والحفاظ على قوات اليونيفيل، ولكن من دون التطبيق الفعلي ومن دون أن تمارس القوات الدولية دورها حسب القرار. 
ذلك أن ما يناسب محور المقاومة هو الأزمات. وما لا يناسب المشروع الإقليمي الإيراني وأذرعه المسلحة هو تجذر الدول الوطنية في المنطقة والتوجه نحو التنمية. فلا دور ولا شغل لسلاح حزب الله في لبنان اذا جرى بناء دولة وطنية عادلة وقادرة. ولا مجال، مهما تكن مظاهر القوة، لأن يصبح لبنان الذي ينص دستوره على أنه وطن نهائي لجميع أبنائه جزءاً من مشروع إقليمي. وليس العمل لقيام لبنان آخر سوى تكرار لمحاولات فاشلة دفعنا ثمنها أكثر من مرة عبر جموح طائفة قوية او مستقوية بالخارج للتحكم ببقية الطوائف. ختاماً تبدو محاولة سفراء دول اللجنة الخماسية، لإعادة الزخم إلى تحركها السابق لمساعدة لبنان وانتخاب رئيس للجمهورية، محكومة بجملة صعوبات ووقائع عديدة، تبطىء هذا التحرك وتضع في طريقه عوائق ومطبات يصعب تخطيها بسبب التشابكات المحلية والاقليمية جراء الحرب الإسرائيلية العدوانية على قطاع غزة وتداعياتها السلبية على المنطقة، وتصاعد الاشتباكات المسلحة بين حزب الله وقوات الاحتلال الإسرائيلي على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، ما يؤدي إلى إطالة امد الفراغ الرئاسي الى وقت غير معلوم.
شارك الموضوع

أحمد مطر

صحفي وكاتب لبناني

لا تعليقات بعد على “ماذا لو حصلت حرب في لبنان… وانعكاسها على الناس

  1. My brother was absolutely right when he suggested that I would like this website. You have no idea how much time I spent looking for this information, but this post made my day.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *