أسس التجديد والإصلاح في أدب وفكر عباس الجراري

أسس التجديد والإصلاح في أدب وفكر عباس الجراري

أحمد بابانا العلوي         

توطئة:
      “عالم المغرب ونادرته في سعة الملكة وفصاحة القلم واللسان.. وكثرة التصانيف..” (فهرس الفهارس) ع. الكتاني.
يعتبر الاستاذ عباس بن عبد الله الجراري (1937/2024) من أنشط أفراد جيله في المجال الثقافي والأدبي والتاريخي…
جاء في خطاب المرحوم محمد الفاسي (1908/1991) أول رئيس لجامعة محمد الخامس، بمناسبة تعيين عباس عضوا في أكاديمية المملكة المغربية: ” إن الأستاذ عباس الجراري الذي عرفته منذ كان طالبا ثم استاذا بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس.. عرفته  الشاب الطموح والجاد في التحصيل والبحث..
وكان أول اتصاله بالعلم والمعرفة على يد والده المؤرخ الجليل المرحوم عبد الله الجراري (1905/1983)، وهو الذي وجهه نحو الدراسات الأدبية في العلوم العربية والإسلامية….”.
نشأ في هذه المدرسة فكان ألمعي الذكاء كريم الخلق مستقيم الذهن رحب الصدر لحرية الرأي وحرية المناقشة..
مجتهدا في كل عمل تولاه.. كانت مدرسة عبد الله الجراري غنية وحافلة بما يؤهل  المنخرط في سلكها لكي يكون في الطليعة.. طابعا المميز الجهاد العلمي والتعليمي  والدعوة الوطنية الإصلاحية التي عملت على تنقية العقيدة من الشوائب والخرافات التي علقت بها.. ضمن الخط السلفي الذي يحارب الاتجاه الطرقي الذي كان طاغيا ومؤثرا في الأوساط الاجتماعية.. ، وقد انحاز عبد الله الجراري إلى دعوة الشيخ أبي شعيب الدكالي الذي يعتبر أستاذ السلفية بالمغرب.. وسوف يلتحم هذا العمل الديني السلفي الإصلاحي بالعمل السياسي الوطني في توجه المدرسة  الجرارية ..

والأسرة الجرارية التي ينحدر منها والد الأستاذ عباس تشتهر إلى جانب نبوغ أبنائها في ميدان العلم والصلاح  تدريسا وتأليفا، بالتبريز في مجال السياسة والدفاع، حيث تحملوا فيه مسؤوليات كبرى منذ قدومهم إلى المغرب.. وزادت هذه المسؤوليات في ظل الدولة العلوية..

مسار حياة:
   قد يعمد الباحث في السير والتراجم إلى المقارنة والترجيح بغية الوصول إلى المكونات البارزة للشخصية التي يسعى إلى رسم معالمها والوقوف عند خصائصها والملكات التي طبعت مسارها  وحددت دورها في مجتمعها وتأثيرها في عصرها..
 فلابد بين الأديب والعصر الذي ينشأ فيه من صلة نعرفها لتمام التعريف به والاستدلال على مصادر أدبه وقواعد تفكيره..، فندرس الشخصية لنكون على بصيرة ومعرفة بجميع جوانبها  وأبعادها..

حصل عباس  على البكالوريا في الآداب العصرية  وهو ابن ثماني عشرة سنة، ثم انتقل سنة 1957 إلى مصر فانخرط في  كلية الآداب بجامعة القاهرة.

في سنة 1961 حصل على الإجازة في الأدب العربي، وتابع دراسته حتى حصل على الماجستير في الأدب ثم الدكتوراه من نفس الجامعة..

كان ينوي بعد حصوله على الإجازة  في الآداب أن يذهب إلى فرنسا ليتابع بها دراسته العليا، بغية الحصول على شهادة الدكتوراه من جامعتها، وراسل في هذا الشأن المستشرق الشهير “رجيس بلاشير (1900/1973) الذي رحب بطلبه.. إلا أن تعينه مستشارا بالسفارة المغربية بالقاهرة  أعاده  اإى رحاب الجامعة المصرية، ليتخصص في الأدب الأندلسي والمغربي..، تناولت رسالته في الماجستير (1965): الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي، أما رسالة الدكتوراه فكانت حول الشعر الشعبي (شعر الملحون.. 1969)

لقد انصبت أبحاثه بالدرجة الأولى في هذه المرحلة على الأدب العربي في الغرب الإسلامي، وكذلك على الأدب الشعبي.. وابتداء من سنة 1966 انقطع للعمل الأكاديمي بالجامعة بفاس ثم بالرباط..

الدرس الأدبي:

   في مدارج  الجامعة استوت شخصيته فتفتقت مواهبه ونضجت مداركه وصقلت معارفه  في دراسة الأدب وتجويده شعرا ونثرا، ليسمو به إلى مراتب الأدب الرفيع..

الكتابة الأدبية فن والفن لا يكتفى فيه بالإفادة أو مجرد الإفهام، بل ينظر فيه إلى مجاراة التطوير، وذلك بالوقوف على علاقة اللفظ بالمعنى، فبين الأفكار وألبستها اللغوية ترابطا هو غاية في الدقة  والتصوير الفني..

الأدب الصادق هو الذي ينفذ إلى أعماق النفس وبواطن الواقع، فيصيب الجوهر الصريح متخطيا حدود الزمان والمكان، ويكون بذلك معبرا عن مطالب الروح الإنساني في الشمول والخلود..

في الأدب تتجلى المنازع الإيمانية والروحية والسعي إلى الأصالة ومحاولة الفهم والتعاطف والنفاذ إلى اللب، والاحتفال بالتجربة والمعاناة والتعبير الجميل عن الشعور الصادق..

الأدب الأصيل يمضي إلى الفكرة والدلالة، دون أن تعوقه  تحليلة الصياغة،  وزخرفة التعبير هي  الجملة البليغة  التي تبلغ فحواها  بلا مبالغة في التحلية، ولا قصور في التعبير  يقف عند ألفاظها فيثنيك عن مضامينها..

إذا استقام المنهج اسقام الموضوع. كما أن وسيلة المعرفة تبين موضوع  المعرفة.. فالوعي أو الشعور لا بد أن يكون  وعيا كاملا غير ناقص ولا مبتور..

مفهوم الدرس الأدبي عند عباس الجراري:

    في كتاب “الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه”  يرى أن البحث الأدبي  تتداخل فيه عناصر ثلاثة،  تتكامل في إطارها وعي الدارس بها سواء في تكييف نوعه أو تحديد درجته، وهذه العناصر هي (طبيعة الموضوع /مصادره/ منهج التناول)، وإذا كان الأدب باعتباره بنية إبداعية ير تبط بأشكاله ومضامينه ببقية بنيات المجتمع الذي ينبغ فيه مبدعوه،  فلا مناص أن تتاثر  بالعناصر الجدلية التي توجه حركة التاريخ في هذا المجتمع وتتحكم في تشكيل نمطه وتكوين شخصية أفراده.. (ص3).

المنهج مرتبط برسالة الجامعة، ولن يتسنى لها القيام بدورها العلمي والمعرفي إلا إذا ربطت برامجها ومناهجها باختيارات المجتمع..  وعليها  أن تجعل هدفها نشر الوعي وتوجيه الرأي وصقل الذهن  وتوضيح الرؤية وتعميق المفاهيم وتهذيب القيم.. وأن تلح في أن يكون العلم في خدمة قضايا الوطن.. والتوسل به في تحديد الشخصية الهوية الوطنية والتطلع إلى مستقبلها المنظور أو البعيد.. كما يجب أن تعطي بعدا قوميا واضحا للعلوم الإنسانية.. من أجل تكوين ثقافة وطنية  وصياغة فكر جديد ينقل الفكر القديم إلى الأجيال الناشئة بعد تغيير النظر إليه وإخضاعه لمقاييس النقد العلمي، حتى يتسنى لهذه الأجيال أن تتعرف على التجارب السالفة وتدرك أسرار التطور،  وأن تنمي فكرها وشخصيتها  وتربي فيها استقلال الرأي.. (ص8)

إن المنهاج الذي تناول به قضايا الأدب وظواهره في تشكل المحتوى أو النوع والكيف انطلق من تمثل الإقليمية التي تعتمد البيئة وموقوماتها ومؤثراتها  في الأدب.. دون إغفال  الشخصية الذاتية والموهبة الفردية..

كما أن الإقليمية لا تعني عنده المحلية الضيقة.. وإنما يعتبر الوسلية للم شتات الأدب العربي وإبداعاته.. والوسيلة كذلك إلى العالمية والإنسانية..

فالشتات هو الذي يسمح باستخراج الصورة  للمغرب، سواء في تاريخه السياسي أو الفكري..

أما المحتوى أو الكيف، فيقضي بمعالجة هذه الظواهر بفكر نقدي يستند إلى الواقع والمعاصرة وبجدلية موضوعية.. كما يعتمدان على معطيات استقرائية واستنتاجات منطقية.. بعيدا عن أي  معتقدية  متزمتة أو موقف تبريري.. بحيث لا يمكن فصل المنهج عن المضمون، كما لا يمكن ممارسة نقد قبلي على المعرفة.. (ص9).

الملاحظ أن الأستاذ عباس  يتناول  الظواهر والقضايا الأدبية من زاوية تعطي الأسبقية للتمثل العقلي على النقد التأثيري، أي النظرة العقلانية، وليس مجرد  التذوق الفني والإحساس الجمالي.. أو الانفعال الانطباعي بالأثر المدروس..

وبهذا يحقق المنهج  جملة أهداف في طليعتها الكشف عن مواطن الجمال، وعن الدلالات الفنية وما ينبثق عنها من مضامين فكرية، باعتبار الجانب الفني المتمحور حول اللغة وبنائها التركيبي ظاهرا يبطن فكرا أو يخفي أبعادا أخرى عميقة.. وبذلك تبرز قيمة الإبداع  في مختلف تجلياتها الشعرية والفكرية والأبعاد الإنسانية..

ويحقق المنهج أهدافه بإثبات الوقائع وربطها بالأسباب، ووصف الظواهر وتعليلها، والبحث عن بواعثها الخفية والظاهرة.. واستخلاص العلاقات التفاعلية بينها وبين غيرها..(ص9).

وصفوة القول إن الهدف من الدرس الأدبي وضع منهج لمقاربة ظواهره وقضاياه، ليتسنى للباحثين والقراء عامة التعرف على مايزخر به من قيم ومثل وخصائص ومقومات،  أسهمت في تشكيل الشخصية الثقافية والحضارية للمغرب عبر التاريخ.. كما أن الدراسة تفتح آفاقا جديدة لاستشراف المستقبل..

الحقل المعرفي لمشروع عباس الجراري..

   تطرق الأستاذ عباس في خطاب العضوية بأكاديمية المملكة المغربية (1983) للأسس والمرتكزات التي يتألف منها مشروعه الفكري الموسوعي في الأدب والنقد والتاريخ والدين ..

“المنطلق من إيجاد عناصر التقاء بين الثقافات..ثم البحث في كل ثقافة عن إسهاماتها الإبداعية ومقوماتها الأصلية، النابعة من التجربة التي تتفرد بها  والتي تفضي إلى خصائص  الغنى والتميز، ومن خلال ذلك يمكن إبراز ما يكمن في هذه الثقافة أو تلك  من قيم إنسانية، تتيح لها أن تتجاوب وتتحاور.. وتؤهلها  لتتخطى حدود المحلية الضيقة، وتعانق الآفاق الواسعة لكافة البشرية.  (ص178 منشورات الأكاديمية حول استقبال الأعضاء الجدد/1980/1986).

انطلاقا من هذا الوعي تبلورت عنده رؤية شمولية للتراث المغربي، في نظرة تكاملية توحيدية، جعلته يبحث في الصيغة المدرسية التي تتمثل في الآثار العلمية والأدبية المدونة، ثم في صيغته الشعبية التي تتجلى فيما أبدعه الشعب بمختلف طبقاته من أنماط ثقافية وحضارية.. كما تبدو ظواهرها فيما يمارسه الشعب من تقاليد  وقيم وأخلاق،  وما يزاوله من فنون وصناعات  تغوص في أعماقه الواعية واللاواعية .. تكيف مشاعره ووجدانه وتحدد مزاجه وشخصيته وتميز عبقريته..

وفي هذ الإطار يمكن تفسير انتشار ظاهرة الثقافة الشعبية  ونومها في اتجاهين متكاملين: أحدهما يعتمد البحث المعمق والاقتباس مما عند الآخرين، والثاني يسعى إلى توسيع قاعدة الثقافة باعتبارها قاعدة  للجميع ..

وقد اهتم بالصيغتين في رحاب الجامعة، باعتبار التعليم والبحث مقومين في رسالة الجامعة، إلى تكوين أجيال مزودين بالعلم نظرا وتطبقا، وعارفين بدورهم، وقادرين على تحمل المسؤولية الوطنية وبث الوعي بالمبادئ السامية والأهداف المقدسة للأمة.. آ خذين بزمام المبادرة والنهوض بأعباء التطور والتقدم،  وإيجاد صياغة متجددة للحياة والإنسان، وعلى تنمية البحث العلمي بفكر نقدي حر قائم وأصيل، قادر على الإبداع والابتكار بمنهجية سليمة ونظر شمولي مفتوح على مختلف الآفاق الإنسانية، بعيدا عن الانغلاق وعن السير في ركاب أي تيار يكرس التبعية..(نفس المصدر ، ص 179).

فهو يتناول الأدب المغربي  بمعنى الإنتاج الفكري الشامل للامة.. دون حصره في الإطار الإصطلاحي المتداول، المحدد في الشعر والنثر الفني.. ومن ثم فإن التراث عنده يشمل الثقافة العالمة، أو المدرسية، والثقافة الشعبية بروافدها الثرية التي تتسم بالتنوع والتعدد..

على أساس أن التراث هو وعاء منظورات الأمة ومقولاتها وتجاربها، وأنه هو دليل حياتها ووثيقة وجودها ومنظومة معرفتها في ماضيها وحاضرها وما تتطلع إليه من رؤى وتصورات مستقبلية..

دراسة التراث عند عباس الجراري تعني بالجانب المضئ الشفاف، الذي يحفز على إعادة ترتيبه وتجديد تركيبه وتطويعه  بالتفسير والتحليل والتقويم،  حتى يصير جزءا من  كيان الأمة، في ارتباط وثيق مع حركة التاريخ خلال الحقب والأزمان..

إن عملية تحديث الماضي هي التي افرزت  ظواهر ثقافية وحضارية متعددة، تعاقب نموها وتطورها طوال عهود التاريخ، بما جعلها تتجذر وتتفاعل بخصوصية وتلقائية متأثرة بما تعانقه من ظواهر مماثلة لها في الحضارات والثقافات الأخرى.. (نفس المصدر ص179).

البيئة الإقليمية وأثرها في البناء الثقافي والحضاري

   كانت نقطة المنطلق في مشروع عباس الجراري دراسة البيئة الإقليمية ومقوماتها ومؤثراتها عامة في الاجتماع الإنساني.. باعتبارها هدفا ووسيلة للم شتات الأدب العربي والفكر الإسلامي.. وغيرها من أنماط التراث في كل البيئات الحضارية والثقافية التي أتاحت الإبداع.. واعتبرها سبيلا لتكميل الرؤية الوحدوية الثرية، انطلاقا من التجربة المحلية لكل إقليم، فضلا عن العوامل البيئية التي تنعكس على المزاج والروح وعلى الطابع واللون..

واعتبر الإقليمية جواز المرور إلى العالمية الإنسانية، حين تنصهر تلكم العوامل في آفاق الكون الواسع..

إن المغرب  مؤهل لهذا  التفاعل بموقعه الجغرافي الإفريقي وإطلالته على بحرين متحكما في منافذهما ومنفتحا على ما ورائهما..

لقد رسم الموقع وجهة المغرب التاريخية  وجعله يقوم بدور الربط والاتصال  والتأليف بين الشعوب والحضارات..

مما يكشف عن عقلية واقعية  تعتمد الحس والتجريب والميل إلى تجسيد الأفكار المجردة إلى حقائق ملموسة  وبذلك يكتسب  إرادة قوية  لإثبات كيانه وتحقيق مطامحه مع قدرة  على الأخذ والعطاء والتفاعل والتبادل..

وما يلبث الدور أن يتجدد بسريان الروح الإسلامي في أعماقه، وأعاد خلقه وغير مجرى الحياة فيه، وفتح له آفاقا حضارية وثقافية جديدتين، اهتدى في بنائهما بمثل عليا  نابعة من تمازج العقل والروح.. مما أهله ليتحمل في نطاق الفكر والعقيدة رسالة تخاطب الإنسانية عامة في كل زمان.. وهي رسالة تقوم  على العلم والعمل وعلى التدبر والاقناع والتعايش والتساكن والتآخي والتراحم..  (نفس المصدر ،ص180).

الثقافة ورسالة تجديد الفكر والإصلاح المجتمعي

   تناول الأستاذ عباس الجراري في كتابيه (الثقافة في معركة التغيير /1972)، و(بقليا كلام في الثقافة/1999)، دور الثقافة في عملية التجديد والحاجة إلى ثورة ثقافية تؤسس لثقافة وطنية.. والحسم في قضايا التقليد والتراث في مقابل المعاصرة..

إلا أن ذلك لم يتحقق على النحو المأمول لأسباب موضوعية ومفتعلة.. بدليل أن تلك القضيا ما زالت معروضة للنقاش..

ورغم التطور الكبير الذي عرفته الثقافة، ما زال الرهان قائما بأكثر مما كان.. نتيجة الصراعات  في مواجهة التحديات المحلية  والإقليمية والعالمية ..

يرى أن مفهوم الثقافة يتضمن الثقافة العامة والثقافة التخصصية.. فالتخصصية تتمثل في جميع المعارف التي  تتصل بالتخصص، أما الثقافة العامة فهي ما يشترك فيه الجميع من آثار وتقاليد  و آداب ومعارف إنسانية..

إن توسيع دائرة المعارف اسهم في تكوين عقل المتلقي وتربية فكره وتنمية ملكاته الخلاقة..

وينبغي أن تكون الثقافة تعبيرا عن مظاهر التاريخ الوطني والإنساني ومعالم الآداب القومية والعالمية.. ونظرات في العلم  والقانون والدين.. وغيرها من أنواع المعرفة دون حصرها..

وقد ربط  الحاجة إلى ثورة الثقافية بالحاجة إلى ثورة أخلاقية، لأنه يعتبر أن الجانب الخلقي مكون أساسي من مكونات الثقافة.. وأن الهدف من تثوير الثقافة ليس الهيمنة والسيطرة.

فالهدف هو تحريك المقومات الحية في الثقافة لكي تنهض بالدور المنوط بها في التوجيه والتقويم بتوازن واعتدال وتسامح وعقلانية.. لتؤدي  بذلك رسالتها العلمية  والمجتمعية.. وهي رسالة ريادية  تعمل على تحديث المجتمع وتنوير فكره وتوعية  قادته وجماهيره بقيم الحرية والعدل والمساواة، وكذلك قيم  العمل والإنتاج.. مما نعني أن نؤسس لثقافة قادرة على التعامل مع الواقع  وتحليله وفهمه ونقده، وقادرة كذلك على فتح آفاق الإبداع  والاجتهاد، وخلق مجالات الحوار مع الذات والآخر، على أساس القبول والتبادل والتعاون.. وهذا يتطلب وضع استراتيجية ثقافية وطنية تتشكل من جميع الأنماط الثقافية التي يزخر بها المجتمع الذي يتسم بالتعدد والتنوع،  مما يغني الثقافة الوطنية ويمنحها البعد الوطني.. والقوة على التبلور والالتئام مع الثقافات الأخرى، عربية وإسلامية وعالمية.. وأن تكون لها القدرة على إثارة القضايا الشائكة والعويصة، مع الاجتهاد في إيجاد حل لها..

وبهذا تخرج الثقافة من تقليدها وجمودها وعزلتها وخشيتها  من أن تهيمن عليها المؤسسات والتنظيمات الرسمية ..

فتتوسل بالتحليل العلمي والتخطيط المستقبلي لصد المحاولات التي تسعى إلى اجهاض العمل الثقافي ومحاربة الإصلاح والتغيير.. (يراجع الحوار في العلم الثقافي /1/2/ 2024).

تجديد الفكر الإسلامي بين التحدى واليقظة والإصلاح

   تطرق عباس الجراري في في مؤلفاته الفكرية الى  قضايا تطور الفكر الإسلامي  وآفاق تجديده وما واجهه من تحديات منذ الغزو الأوروبي للعالم الإسلامي..

الفكر الإسلامي هو خلاصة ما انتجه المسلمون في مضمار الحضارة والثقافة وكل المبدعات العقلية والشعورية وما يرتبط بها من تصورات وآمال. . واليقظة بها يقظة بالفكر..، وأما التحدى فيعني تحدى خصوم هذا الفكر.. والتحدى يولد اليقظة..

إذا نظرنا إلى الفكر الإسلامي برؤية مستقبلية سنتعرف على الطريقة التي يواجه بها التحديات التي تعترضه.. وعلى الأساليب التي يتوسل بها المسلمون في الصد  التحديات ..

يرى عباس الجراري أن أول هذه الأساليب يعتمد على تطوير التراث، وعلى امتصاص ما عند الآخرين  ودمجه بوعي وعمق في الفكر الإسلامي دون اية عقدة..

الأسلوب الثاني لجأ إليه مفكرو الإسلام طوال قرون، وبرز فيه “الغزالي وابن تيمية” وأضرابهم من العلماء الذين بذلوا جهودا جبارة في إبطال أباطيل  خصوم الإسلام من المبتدعة..

الأسلوب الثالث في هذا المضمار هو أسلوب حركة الإصلاح الحديثة، التي ظهرت في الشرق على يد جماعة من المصلحين.. منهم محمد بن عبد الوهاب الذي اهتم بإصلاح العقيدة والأفغاني الذي اهتم بالإصلاح السياسي ووحدة المسلمين،  وتلميذه محمد عبده الذي اهتم بإصلاح التعليم وتربية النفوس..

وفي المغرب ظهرت حركة سلفية إصلاحية تزعمها أبوشعيب الدكالي، والتي  نشأت عنها الحركة الوطنية المغربية، التحم فيها العمل الثقافي بالعمل السياسي..

وهكدا احتفظ الفكر الإسلامي بحد أدنى من الحيوية والفعالية، ومن القدرة على التفاعل والصراع  والصمود والمواجهة ..

ويضيف الأستاذ عباس بأن البديل هو طرح المنهج الإسلامي الصالح للعصر، والأخذ بأسباب البحث العلمي الجديد، وما يظهر من مقاييس وأدلة وطرائق ومناهج عقلية، وتوظيفها دون السقوط في حبائلها  الاستلابية..،  يحمينا رصيدنا من  التقاليد الراسخة في هذا المجال.. (كتاب فكر الوحدة /ص 30).

ومن نافل القول إن طلب العلم في الإسلام فريضة والتفكير أيضا فريضة.. والمعرفة الإسلامية تقوم على الحس والتجريب وتلح على استعمال العقل بالتأمل والقياس والاستنباط  خدمة للحياة العملية للمجتمع..

وإن تقديم قراءة جديدة لأصول الفكر الإسلامي تبتعد عن النقل والتقليد، وتعتمد العقل والرأي والنقد.. بحثا عن حقائق الأشياء وسعيا للوصول إلى الجوهر والعمق،  وتصفية لهذ الفكر من كل الشوائب التي علقت به خلال التاريخ ليكون مقنعا  للعقل العلمي المعاصر.. تتجانس فيه واقعية العصر ومثالية الإسلام.. ومبشرا بالمستقبل.. يحفظ للمسلمين وحدتهم العقدية والفكرية.. ويجعلهم قادرين على مواجهة التحديات وإحباطها والتغلب عليها..

ويكون صالحا تستظل به جميع المجتمعات البشرية، انطلاقا من إنسية جديدة تتميز بالأصالة المستمدة من إيجابيات الماضي، وتفتح على المستقبل واستيعاب كل ما يغنيه من الفكر الإنساني..

هذه القراءة الجديدة هي التي تجعلنا نستعيد خط الأصالة الحق الذي ضاع منا أو كاد.. (المصدر السابق /ص 38).

ولا شك بأن التعليم يعتبر أنجع وسيلة لإحداث التغيير وبث مفاهيم جديدة، والانطلاق منها إلى جميع الأصعدة والمستويات..

الفكر الإسلامي الجديد عند عباس الجراري مؤسس على ظاهرتي الوسطية والتجديد، باعتبارهما من أبرز نتائج التفاعل الذي حدث بين الإسلام والشخصية المغربية عبر التاريخ.. وتتجلى الوسطية في عدة مظاهر، أهمها التمسك بالاعتدال المذهبي ورفض التطرف.. والثاني يكمن في الموقف بين العقل والنقل في مسائل العقيدة.. وأما الثالث فيتجلى في التوازن بين الحقيقة والشريعة بين الظاهر والباطن، اأ الظاهر الفقهي والباطن الصوفي.. وهذا موقف يحث على  التزام  تصوف معتدل  سني  ينضبط بحدود الشريعة..

أما التجديد فهو وسط بين التقليد والابتداع.. ويكاد التجديد يقترن عند المغاربة بالاتباع الذي نعني اتباع الحق، ويقتنعون بالدليل  ويحترمون رأي الائمة الذين يقتدون بهم.. (يراجع في هذا الموضوع كتاب دروس حسنية / ص1127الى 119).

خاتمة

   هذه بعض اللمحات والومضات أردنا من خلالها أن نقف عند جانب وملمح من صور التجديد في فكر أستاذنا عباس الجراري رضي الله عنه.. وما عرضناه من إشارات بهذا الصدد لا يعدو سوى  غيض من فيض من فكره الثري الشامل..

فقد تناول مظاهر التأثر الواقع الجديد الذي فرضته الحضارة الغربية على المجتمعات الإسلامية.. هادفا من وراء ذلك تحرير الفكر من التبعية للغرب.. وكان واعيا بأننا لن نتحرر سياسيا إذا لم نتحرر ثقافيا واعتقاديا وعقليا من التبعية للغرب..

فالحضارة الغربية تنطوي على فكر عقلاني أحادي النظرة ، لا يؤمن بغير سيادته المطلقة ونزعته للهيمنة على الآخرين..

فكان يرى أن نهضة العالم الإسلامي تقوم على عوامل أربعة: التجديد الديني وإحياء الثقافة الإسلامية وبعث تراثها، والاتصال بالثقافات الأخرى اتصال تثاقف واقتباس.. من أجل  تغيير واقع  المجتمعات الإسلامية السياسي والاجتماعية، تغييرا يفرض  الأخذ واصطناع الكثير من الأنظمة والمناهج الحضارية الجديدة..

ومن نافل القول إن الثقافة الإسلامية ثقافة تفاعلية باعتبارها منظومة مبادئ  وقيم ومنهج حياة.. يمارس علماؤها ضروب الاجتهاد مما يمكنهم من الاستفادة من كل ما ينتجه العقل ويتمخض عنه من  التجارب الإنسانية، من منطلق أن ثقافة الإسلام وحضارته ثمرة تفاعل مستمرة بين الاتباع والابتداع والوحي والعقل والثابت والمتحول..

وبرى عباس بأننا أمة لها تاريخ وتراث وحضارة، ولها مبادئ وقيم ومقدسات، ولن تقبل أن تعيش في عزلة، ولن تقبل أي تسلل يمحو معالم شخصيتها.. ويضيف بأننا نحتاج إلى ثورة ثقافية وتخطيط ودراسة تبحث في أصول ثقافتنا وما ألم بها من تطور  وتغيير لمعرفة المراحل التاريخية التي مرت بها والتأثيرات التي خضعت لها.. والتفاعلات التي حدثت  لها.. مع غيرها من الثقافات.. (بقايا كلام في الثقافة /ص45).

إن الثقافة تفيد التسوية والإتقان، والحضارة وتشمل الفنون والآداب والقانون والأخلاق والعادات والتجارب الإنسانية، وكل ما يثقف الذهن ويهذب الطبع ويربي العقل.. إنها الحافز على الحياة والبناء والسير في مضمار التقدم والحضارة.. والانطلاق لآفاق جديدة من أجل خلق ثقافة جديدة أساسها الأصول القديمة.. إننا لن نستطيع الإسهام في الثقافة الإنسانية ما لم نضف من إنتاجنا المطبوع بروح وطنيتنا.. فمن تراثنا نبعث كل مفاهمنا للحياة ..

من هنا تصبح الحاجة ماسة إلى فكر نا هض يطرح بديلا  للفكر المزيف. (ص51 نفس المصدر).

إن ما نريده من  الفكر هو أن يجعلنا نعشق التقدم والعمل من أجله باستمرار..

إن التفكير والنظر هما المصباح الذي يجب أن يكون معنا في سيرنا  وتوجهنا وأن نمضي مستنيرين بعقولنا.. مقتبسين ما هو صالح لانبعاثنا.. إن الوجود بغير فكر حر لهو العدم، وأن مدنية لا تقوم على التحرر والتبصر لهي التوحش ولو كانت في أحدث طراز.. واستقلال الفرد أو الأمة لا يتم إلا بالفكر الصحيح الذي يضمن الوصول إلى ما هو أسمى، وإدراك الغاية التي يكافح المرء من أجلها للتقدم ..

وإن التفكير بالمثال هو الذي يربط مستقبلنا بحاضرنا وبماضينا  القومي والإنساني.. وقضية الدين هي مسألة المسائل في العالم، وإما أن تكون هي الفكرة المالكة لكل الشؤون، وإما أن لا تكون بالمرة.. ومن خطل الرأي محاولة أخذ الدين كشيء خاص بجانب من جوانب الحياة دون غيرها، وليس هناك أمر يماثل الطبيعة في شمولها وسريانها مثل الدين..

إن في  أطوار التاريخ أمثلة ان عدم الاعتداد بالدين في أمة يؤدي حتما إلى التقهر والانحلال..

 وما حافظت أمة  على المثل الأعلى الإلهي إلا احتفظت بحياتها وفخرها ومكانتها.. (علال الفاسي النقد الذاتي بتصرف).

شارك الموضوع

د. أحمد بابانا العلوي

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *