شذرات عابرة بخصوص ذاكرة فلسطينية خالدة

شذرات عابرة بخصوص ذاكرة فلسطينية خالدة

سعيد بوخليط

     منذ مذبحة مخيم صبرا وشاتيلا، يوم 16 سيتمبر 1982، وقد بلغتُ آنذاك عتبة إرهاصات تشكُّل وعيي السياسي، بحيث اختبرتُ هزَّات شخصية قدر بعدها الوجودي، خلخلت بحدَّة ممكنات طمأنينة طفولتي، ضمن تداخل روحي بين الذَّاتي والموضوعي، بلغ علمي وجود شيء في هذا العالم اسمه القضية الفلسطينية، ثم نتيجة اطِّراد معرفتي بالمعطيات السياسية وتراكم سياقها ونضجها، وفق وتيرة  شغف حضرني فطريا دون تأثير أو تهيئ قبلي، أدركتُ حينها، أنَّها قضية تتجاوز كثيرا ما عرفته بمناسبة واقعة المذبحة، وكذا ما التقطتُه بالكاد من أخبار حول ما يجري بفضل جهاز مذياع في حجم كفِّ اليد، عبر أثير نشرات إخبارية نفيسة للغاية؛ مع ندرة المعلومات إبَّان ذلك الزمن البعيد.  

    داخل فصول الدراسة، أذكر أستاذا للغة العربية، خلال تلك الفترة، لا يبدأ قط الحصَّة التعليمية قبل إحماءات ضرورية تمزج حقيقة بين الهزل والجدِّ، حينما يحفِّزنا على طريقته التربوية المذهلة، قصد التَّباري نحو الإسراع إلى السبُّورة لتشكيل النصِّ المكتوب وضبط حركات الحروف وإعراب ماتيسَّر من الجمل، ثم بعد ذلك التحوُّل إلى التغنِّي بمقاطع فيروز. ذات يوم، أملى علينا قصيدة ”زهرة المدائن”، وألحَّ بأغلظ أيمانه، على ضرورة أن نحفظها كي نستظهرها أمامه في صبيحة اليوم الموالي عن ظهر قلب، وسيؤثِّر ذلك بالتأكيد على علامات التنقيط سلبا أو إيجابا.

    بدأ يحدِّثنا عن ظروف القضية الفلسطينية، فوقفتُ لأول مرَّة صحبة باقي تلاميذ الفصل، على معاني وعد بلفور، الصهيونية، النكبة، النكسة، ثم باقي سرديات الحكاية، ويخلص بصحبتنا دائما إلى قاعدة لم أستوعبها تماما سوى خلال مرحلة لاحقة، مفادها الارتباط العضوي المفصلي بين التحرُّر الفلسطيني وتحقق متواليات تحرُّر المنطقة بشكل آلي من الاستعمار والرجعية والتخلف.

   هكذا انطلق اهتمامي، فجاءت فترة الجامعة،وتكرَّست مقوِّمات وعيي السياسي بكيفية تنزع نحو منظومة اليسار التقدمية؛ بمختلف قراءاتها وأدبياتها، واستلهام بورتريهات رموزها المحلِّيين والعالميين، والاسترشاد بدعاويهم الإنسانية الخالدة، وكذا الانتماء إلى الجمعيات الثقافية، بحيث حضرت دائما القضية الفلسطينية بشتَّى تفاصيلها ورموزها وأطروحاتها.

    يوم 8 ديسمبر1987، انتفض الفلسطينيون بقوَّة عبر رمزية أطفال الحجارة، وأخرى تحت يافطة انتفاضة الأقصى يوم 28 سبتمبر 2000، ثم احتدام الصراع السياسي بين حماس والسلطة الفلسطينية، غاية المواجهة المسلَّحة وتطوُّر ذلك إلى انفصال قطاع غزة سنة 2007، ثم انطلاق أشواط المواجهات الدموية التي عاشتها ساكنته مع الآلة العدوانية الإسرائيلية خلال سنوات 2008،2012 ،2014 ،2021 ، 2022، وكذا الحالية التي انطلقت يوم الثامن أكتوبر 2023.

   أعتقد بأنَّ مضامين مختلف هذا الاستعراض المقتضب جدا في صيغة عناوين سريعة  لتاريخ طويل بحجم مطلق التراجيديا، تشغل برمَّتها في حدود تصوُّري حيِّز جانب معيَّن، لكن ماحدث في إطار عملية طوفان الأقصى، ثم نوعية الردِّ الأمريكي-الإسرائيلي، سيشكِّل تاريخا قائما بذاته قياسا لكلِّ السابق بسبب العملية العسكرية النوعية للمقاومة الفلسطينية،يوم السابع أكتوبر، التي قوَّضت بكيفية واضحة للعيان نرجسية الدولة العبرية، لذلك تجلَّت مباشرة ردود الفعل التالية: 

  • مستوى وحجم ومدى الانتقام الإسرائيلي، تبلور جذريا بكيفية أكثر عنفا وقسوة من المواجهات السابقة، والأرقام توضح بجلاء مؤشِّرات الوضع المأساوي.
  • انحياز أمريكا والغرب الأوروبي؛ الرسمي غالبا، منذ اليوم الأول، بجانب إسرائيل، على نحو صريح غير قابل للالتباس، وإعلانهم جميعا على أنَّها ”مظلومة”، ”في موقع الدفاع عن ذاتها”، ”تخوض حرب وجود”، بالتالي يحقُّ لها توظيف مايظهر لها مناسبا.
  • تأكيد حكومة إسرائيل اليمينية المتطرِّفة، بزعامة نتنياهو، أنَّ هدفها الأساس يتَّجه هذه المرة نحو الاجتثاث النهائي لمنظومة حماس، التي جسَّدت منذ عقدين تقريبا طليعة المقاومة الفلسطينية، أيضا يعتبر ذلك إقرارا مغايرا للسالف من البيانات الإسرائيلية؛ على الأقل الظاهر منها.  
  • بغضِّ النَّظر عن حزب الله، ولج طرف ثالث ساحة المعركة، يوم 19 نوفمبر 2023 سعيا منه للتأثير على توازناتها الجيو- استراتجية، أقصد جماعة أنصار الله الحوثيين اليمنية، وبداية قصفها السُّفن التي تعبر باب المندب والبحر الأحمر، تحديدا الإسرائيلية والأمريكية، كصيغة من أشكال تخفيف عنف المواجهة وثقلها الجسيم على كاهل شعب غزة، الذي تتساقط عليه يوميا منذ ستة أشهر عاصفة هوجاء من شتى أنواع الصواريخ، فتأتي على كل شيء. معطى، شكَّل بدوره، تطورا جديدا بخصوص صراع ربما أضحى مصيريا أكثر من السياقات السالفة.
  • ضخامة الخسائر المادية والبشرية الهائلة، اليومية بل الآنية، دون توقف منذ الثامن أكتوبر، أرقام مهولة للغاية وَثَّقتها مجمل المنظومة الرقمية الحالية، بلورت مستوى حادّا للصراع، وأضفت عليه زخما مغايرا، مما يراكم لامحالة أحقادا أخرى وضغائن زائدة تفوق كل عناوين ما تراكم، غاية اندلاع محرقة غزة. أفق يعني ببساطة،أنَّ أجيالا أخرى سواء الحالية والقادمة، من الأطفال المظلومين والمعذَّبين واليتامى والمقهورين، وقد اختبروا بكل حواسهم ومختلف مكوِّناتهم الفيزيائية والنفسية، جسامة وهول وبشاعة مانعيشه. حتما، ستظل منذئذ تلابيب ذاكرتهم مشبعة بصور وآثار مهرجانات الموت، بالتالي لن يعرفوا ثانية سبيلا يذكر نحو سلام داخلي فما بالكَ بالموضوعي، لأنَّ المحدَّدين مترابطان.

    أمام كل ذلك، تتبدَّى عبثية ورعونة المشروع الأمريكي- الصهيوني، وقصوره البيداغوجي، رغم كل ذكاءاته البحثية والاستشرافية والاستخباراتية، من خلال تجلِّي عجز أخلاقي، بخصوص استيعاب معادلة أنَّ السطو على الشعوب بالعنف واكتساح الجميع ظلما وعدوانا، لن يعمل حقيقة سوى على تأبيد خطابات الموت والرفض والكراهية والتطرف، علاوة على استحالة إمكانية القضاء على سلطة الأفكار والقناعات بالرَّدع المادي، فالمسألة معقَّدة جدا، عويصة للغاية، تقتضي رؤية حكيمة وشاملة،تستدعي أولا وأخيرا رؤى متكاملة، تستحضر شتى مداخل التاريخ والجغرافية وخصوصيات المنظومات المجتمعية.

    لقد ابتعد كثيرا ثم كثيرا، الصِّراع الإسرائيلي الفلسطيني عن ممكنات الحلِّ السِّلمي، العادل، المتكامل، ببساطة مادام:

  • أمريكا، لاتريد حلاًّ من هذا القبيل، ولم تعمل أبدا صوب تحقيقه في يوم من الأيام حسب الجدِّية اللازمة،على اعتبار أنها المسؤولة الأولى على ماتبادر إليه إسرائيل، في حركاتها وسكناتها، ثم مختلف تعقيدات المنطقة وكذا وضعها على سكَّة المجهول، والاجتهاد فقط  في تلغيم أسباب ودواعي الصِّراع، والمنطقة بمزيد من الخلايا السرطانية.
  • إسرائيل، يبتعد فضاؤها السياسي أكثر أكثر، عن المجتمع العلماني التحديثي الديمقراطي التعدُّدي، الأقدر إلى حدٍّ ما إن تخلَّص من رواسب الصهيونية، على مراكمة بنية مؤسَّساتية ملائمة للتعدُّد والاختلاف والتسامح، كي تنزع كليا وجهة التطرف والعنصرية والإقصاء، بحيث صارت الأحزاب الدينية معادلة مفصلية بخصوص تشكيل الحكومات، ويكفي التذكير بأنَّ إيتمار بن غفير هو من يشرف حاليا على الشرطة والأمن القومي.
  • الفلسطينيون، يقفون في الجبهة المتقدمة وحدهم، أكثر من أيِّ وقت مضى، دون عمق استراتيجي يذكر، قد توفِّره دول الطوق والمحيط التي تتقاسم مع الفلسطينيين كلّ شيء، في طليعتها وحدة الهوية والمصير والمآل، ربَّما لأنَّ تطلُّعات من هذا القبيل اتَّخذت مناحي أخرى ابتعدت كثيرا عن الحيثيات الإيتيقية التي صاحبت تاريخ القضية، فقد تغيَّرت أهواء الأجيال ومدى زخم الفكرة، وكذا مقتضياتها الموضوعية.  
Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

سعيد بوخليط

كاتب ومترجم مغربي