الصهيونية العالمية: تحالف اللاهوت والسياسة والاستعمار (2-2)

الصهيونية العالمية: تحالف اللاهوت والسياسة والاستعمار (2-2)

أحمد بابانا العلوي 

– 6 –

الصهيونية الغربية والجماعات اليهودية

    من الملاحظ أن تاريخ الصهيونية الغربية تاريخ مركب إلى اقصى حد، تتداخل فيه العديد من العوامل الحضارية والاقتصادية والاجتماعية.. سنحاول أن نقف عند بعض مظاهر التشكلات الاجتماعية بغرض الإحاطة بمضمون دور الجماعات السياسي والتاريخي..

من المعلوم أن الشخصية اليهودية معقدة تدخل في تركيبها عناصر شتى جمعت في ظروف شديدة التنوع، وعبر مسافات شاسعة..

 إن البحث عن العناصر المكونة للشخصية ينبغي ان يطال الكثير من العوامل التي لعبت دوراً في حياة الأشخاص والظواهر التي ساهمت في خلق الشخصية..

فجميع البحوث الاجتماعية والتاريخية و الانتروبولوجية    تؤكد أن الجماعات اليهودية ينتمون إلى عناصر بشرية تندمج فيها أجناس متباينة عبر عصور التاريخ المتطاولة. ودخل فيها المتهودون من  كل الآفاق..[1].

لقد ثبت من شواهد التاريخ أن اليهود رحلوا إلى الشاطئ الشمالي من البحر الاسود في القرن الأول الميلادي، وكانوا في هذه الفترة متأثرين بالثقافة والعادات الاجتماعية والدينية المأخوذة من جيرانهم الهيلنيين .. ويؤكد المؤرخون على ان الكثير من اليهود الذين كانوا يقطنون في فلسطين  قد وصلوا منذ ما قبل المسيح بقرون عديدة (بعد سقوط الهيكل الأول في القرن السادس ق م) إلى شواطئ روسيا وانتشروا عبر منطقة القوقاز ووفقا  للأدلة التاريخية فإن جماعة يهودية استقرت في جورجيا حوالي عام 132 ق م، وفي مرحلة متأخرة ظهرت جماعات يهودية في أجزاء من روسيا كما استقروا في كيف و لوتسنيا حوالي القرن الثامن الميلادي.. وفي بداية القرن الخامس عشر كانت جماعات يهودية في منطقة بيلوروسيا..، وأكبر هجرة  في تاريخ اليهود حدثت في شرق أوروبا وفي غرب أوروبا في اتجاه ألمانيا.  وهناك ادلة على وجود اليهود على ضفاف الرين إلى عصر الإمبراطورية الرومانية.

وبتأثير من الحروب الصليبية هاجر عشرات الآلاف من الأسر من غرب أوروبا إلى شرقها..  وتوالت موجات الهجرة إلى بولندا..

 واعتبارا من القرن السادس عشر تجددت حياة يهود غرب أوروبا حيث وجدوا وطنا آمنا في شرقها.. وقد أعطيت لهم الامتيازات الممنوحة التي شملت الحريات والحرية الدينية والإقرار بالحكم الذاتي الطائفي، مما أنعش حياتهم لدرجة لم تكن متاحة لهم في غرب أوروبا..[2].

وهكذا تم إطلاق مصطلح (الدياسبورا Diaspora)  والشتات للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي تعيش مشتتة بين الشعوب في أرجاء الأرض.

والدياسبورا كلمة يونانية تعني الانتشار. كانت شائعة في العالم الهيليني والروماني. حيث كانت جماعة من التجار اليونانيين يؤسسون جماعتهم الصغيرة في المدن التي يستقرون فيها، يبنون فيها معابدهم وجميع مؤسسات حياتهم ونفس الشيء بالنسبة للسكان الذين يستوطنون المدن اليونانية. والكلمة تكون محايدة لان الانتشار تم بإرادة المنتشرين.. اما في الرؤية اليهودية فان عقيدة المنفى والعودة تعتبر محورية في النظر إلى التاريخ والكون.

وقد تركت أثرها العميق على الوجدان اليهودي، فأصبح المنفى جزءا من الخطاب الديني، والعودة دينيا أي التعلق الديني بالأرض المقدسة. والواقع أن أغلب اعضاء الجماعات اليهودية في العالم يرفضون مفهوم المنفى والعودة لأن حالة التهجير القسري الذي تعرض لها يهود المملكة الجنوبية حينما هجروا إلى بابل لا تنطبق عليهم..[3].

من أسباب ظاهرة الهجرة أو (الشتات) ان تحولت الجماعات اليهودية والمتهودة إلى جماعات وظيفية تعمل في التجارة واعمال الصرافة وبدأت بعض الجماعات تتحول إلى جماعات وظيفية استيطانية وقتالية.

وكانت القوى الامبراطورية الصاعدة. في حوض البحر المتوسط توظف الجماعات اليهودية لخدمة مخططاتها. فلم يعد هنالك مركز قومي. يحدد المعايير الدينية والقومية. وأصبحت الهويات تتشكل في الواقع من خلال التشكلات الحضارية.

وكان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية الإثنية الدينية الواحدة..[4].

ثمة ثلاث جماعات أساسية يؤمن أعضاؤها باليهودية أو يدورون في إطارها وهم السافرد والاشكناز والإسرائيليين..

مصطلح (السافرد) مأخوذ في الأصل من (سافرديم) استخدم للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا في اسبانيا والبرتغال ثم انتشروا بعد طردهم في بلدان العالم الإسلامي خاصة في سالونيك التركية وأصبح المصطلح اليهود الشرقي أو يهود العالم الإسلامي تمييزا لهم عن الاشكناز الذين يمثلون اليهود الغربيين.

كان السافرد في أول الأمر يتربعون على هرم الجماعات اليهودية، ظهر في صفوفهم عدد كبير من المفكرين والفلاسفة ورجال الدين. وكان السافرد ينظرون إلى الاشكناز نظرة متدنية. وحافظوا على مسافة فيما بينهم. فحرموا الزواج من الاشكناز. وحيث كانت توجد جماعات سافردية واشكنازية، كانت الجماعة السافردية تبسط هيمنتها اللغوية والثقافية والدينية..

لعب السافرد في معظم الأحيان دورا مهما في تطور الرأسمالية الغربية وبروز النظام الإقتصادي الحديث في حين كان الإشكناز اكثر إرتباطا بالنظام الربوي والإقتصاد التقليدي.

ولذا كانت المسألة اليهودية والمسألة الصهيونية اشكنازيتين بالدرجة الأولى نتيجة عجز الاشكناز عن الاندماج في حركة الحداثة الغربية.. منذ نهاية القرن السابع عشر. وبفعل تطورات عديدة في أوروبا اثرت على مركز سافرد، مما ادى إلى تراجعهم..

ونتيجة تزايد حجم التجارة الدولية لم يستطع رأس مال السافردي،  بالإضافة إلى ظهور برجوازيات منافسة فضلا عن الحروب التي قطعت شبكة العلاقات بين المجموعات السافردية في أوروبا.

أما الاشكناز تختلف المصادر في تحديد أصل الكلمة وهي تعني في الاستخدام الحالي اليهود الغربيين وبخاصة ذوي الأصول الفرنسية والألمانية والبولونية الذين انتشروا في أوروبا خلال القرن السابع عشر وهاجرت ملايين منهم إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا في القرن التاسع عشر بعد تضخم النمو السكاني الذي حدث في صفوفهم.. وتوجه بعضهم إلى آسيا وإفريقيا مع حركة التوسع الاستعماري الأوروبي. ويشكل اليهود الغربيون نحو تسعين في المئة 90% من اليهود في العالم.

تنازع الاشكناز  والسافرد على السيادة الثقافية والدينية، وانتهت الغلبة لصالح الاشكناز، حيث أصبحت معظم الحركات والمدارس الدينية اشكنازية كما أصبح معظم مشاهير اليهود في العالم من اليهود الاشكناز الغربيين، وكانت صبغة الاشكنازية غالبة على التوجه الصهيوني ومتصدرة  له..[5].

– 7 –

الصهيونية والاستعمار

    يجب أن نميز بين اليهودية كعقيدة دينية والصهيونية باعتبارها عقيدة سياسية، وحركة سياسية مرتبطة بالوعود التراتية وتابعة لقيام الدولة أو سقوطها في بيت “داود”.

وكلمة “صهيون”لا اصل لها متفق عليه في اللغة العبرية.. ويرجح الشراح أنها عربية الأصل لها نظير في الحبشية، وتعني الصون والتحصين والحصون العالية في لغة الكنعانيين الذين سكنوا في أرض فلسطين قبل هجرة العبرانيين بمئات السنين..

والكلمة العبرية تأتي تارة بالسين (Sion) وتارة بالزاي(Zion) ، بعد السبي البابلي أصبح الحنين إلى صهيون رمزا للحنين إلى عودة المملكة الغابرة..[6].

وقد حولوا الوعود الإلهية في “أسفارهم” إلى دعوة سياسية.. وهكذا أصبح صهيون وعدا سياسيا، تابعا لمآرب الدولة ومآرب الهيكل الذي قام بجوارها، فلا شأن له بعقيد إبراهيم عليه السلام التي تشمل إمامة الناس جميعا..

لا يقر كهان الهيكل بعثت المسيح عليه السلام لأنه قال بأن أبناء إبراهيم الموعودون بالخلاص هم أبناؤه الروحيون أي الذين يؤمنون برسالته..

تفرق اليهود في عصر المسيح في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وآسيا، وينظرون إلى “أورشليم- بيت المقدس” نظرة تقديس لأنها مقر الهيكل المقدس..

 إذن الصهيونية في العهد القديم لم تكن عقيدة دينية بل كانت نزعة سياسية..، ولما ذهب الأمل في نجاحها السياسي، انقطعت العلاقة بينها وبين معناها الجغرافي..[7].

ناهض المتدينون اليهود إنكار عودة المسيح المنتظر.. مما يعني الفصل بين الديني والسياسي.. والواقع أن الصهيونية هي وليدة السياسة ومآرب السياسيين، وجملة أسباب ظهور فكرة القومية ومطامع الإستعمار الأوروبي..

نشأت أول الأمر في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى، حيث بلغ اضطهاد اليهود أشده، في القرن التاسع عشر.. كما تم ربطها بالمسألة الشرقية..

إن القرن التاسع عشر عصر الثورة والإستعمار والصناعة الكبرى، ولكل صفة من هذه الصفات علاقة باليهودية الصهيونية فلا يخفى أن عصر الإستعمار بدأ بالتجارة وأن طريق الهند كان أهم الطرق التجارية في العالم القديم، ومن ثم كثر الإهتمام بفلسطين، ومصر..، وارتفع صوت اليهود في المجامع الدولية، لاتصالهم بالتجارة وبهذه البلاد..، فتعلقت مسألة القروض بمطامع المستعمرين، في أقطار الدولة العثمانية. نظر المستعمرون إلى مطالب اليهود بأنها الوسائل المعول عليها في خدمة السياسة الإستعمارية.

أثار العصر الجديد مسألتين، المسألة اليهودية، وقضية اندماج الجماعات اليهودية في المجتمع الحديث..

ظهر لكثير من اليهود، خاصة في بولونيا ورومانيا، واسبانيا وهولندا أن يطالبوا بوطن يستقرون فيه.. وتساعدهم الدول الإستعمارية على إنشائه.. وقد انطلقت الفكرة من المؤتمر الصهيوني الذي انعقد بمدينة بال بسويسرا 1897، وتمت صياغتها في إعلان وعد بلفور بعد عشرين سنة..

والواقع المحقق أن الصهيونية تستغل الدول، والدول تستغلها، والعامل المهم الذي ترتكز عليه هو المصلحة المتبادلة بين الطرفين..[8].

الصهيونية تتعلق بالآمال الموعودة، ومنها السيادة على العالم وتسخيره لتحقيق أهدافها في قيام دولة إسرائيل.. وكانت القوى الإستعمارية تعمل على قيام هذه الدولة في ملتقى القارات لأنها تخدم السياسة العالمية الإستعمارية، ومن ورائها قوة المال، وقوة الأسواق، وأسعار العملة في العالم بأسره..

يطمح الغلاة من الصهيونيين إلى مساومة الدول.. وفرض مشيئتهم بكل وسيلة من الوسائل الميسرة، ومنها وسيلة المال، ووسيلة الإغراء، ووسيلة القوة والإرهاب.. فلا تعيش بجوار دولة إسرائيل دولة أو أمة مستقلة بمواردها الإقتصادية.. ولا يستقر للدول الكبرى نفسها قرار مع هذه المطامع، التي تقترن بالمساومات الإقتصادية، والمداراة السياسية بغير انقطاع..[9].

من الواضح أن الصيغة الأساسية للصهيونية تضرب بجذورها في الحضارة الغربية  وذلك باعتبار اليهود “شعب عضوي وجماعة وظيفية.”

وقد تحولت الصيغة اليهودية الصهيونية من فكرة إلى حركة منظمة بعد مرحلة تيدور هيرتزل (1860/1904) مؤسس الحركة الصهيونية (1897) وصاحب كتاب دولة اليهود (1896) وأرتور بلفور (1848/ 1930) صاحب الوعد الشهير باسمه (1917).

بحيث تشرف على عملية التوطين دولة استعمارية كبرى من دول الغرب، تؤمن باستمرار الدولة الوظيفية الإستيطانية. وقد حدد وعد بلفور فلسطين لقيام الدولة الصهيونية كصيغة علمانية، نفعية، مادية..

بعد أن استقرت أوضاع الجماعات اليهودية في الغرب أصبحت الصيغة الصهيونية الغربية تتمثل في دولة وظيفية يدعمها الغرب الإستعماري ويضمن بقاءها وتقوم على رعاية مصالحه وخدمة أهدافه الإستراتيجية في العالم..

ومن نافل القول أن ديدن الإستعمار تغليب أمة على أمة، وتسخير الأضعف في خدمة الأقوى.. كما أن التنازع بين الشرق والغرب قديم، منذ أن عرف هذا التقسيم بين أمم شرقية وغربية..

أما الإستعمار فهو يطلق على حركة ترمي إلى غرض مشترك تحقيقا لدعوة واحدة، تدعيها أمم متعددة في فترة محددة.. فالإستعمار بهذا المعنى لم يكن معروفا قبل العصور الأوروبية الحديثة..[10].

فظاهرة الإستعمار الحديث ظاهرة أوروبية تحيل إلى السيطرة الأوروبية العسكرية والإقتصادية والسياسية على الشعوب والبلدان الأخرى..

لقد فرضت أوروبا بقوة سلاحها قانونها وتجارتها ولغاتها على غيرها.. واكتملت صورة السيطرة الأوروبية مع اكتمال الثورة الصناعية في أوروبا.. بحيث انفردت بالمبادرة وفرضت اختياراتها وسيطرتها على معظم قارات العالم..

ولم تكتف أوروبا باستغلال الثقافات والحضارات الأخرى بل عملت على طمس هويات الشعوب.. فالإستغلال والإحتكار صنوان يكشفان عن حقيقة الإستعمار.. المتمثلة في التوسع والتعسف..، والثقافة التي تقوم على سيادة التفوق الإثني والديني..

تأسيسا على كل ما سبق فإن الصهيونية ظاهرة من ظواهر الإستعمار باعتبارها دعوة عصبية للسيطرة مرتبطة بأساطير الوعود التراتية.. لكي يلعبوا دور البطولة على مسرح التاريخ.. باعتبارهم الشعب الأزلي يعتقدون أنهم وعدوا بوراثة مملكة داود.. ويعتبرون أن اليهودية وطن للإسرائيليين، وجامعة نفعية، لا دين ولا نحلة فحسب..[11].

وغلاة الصهيونية هم أشد تعصبا وتعلقا بالآمال الموعودة..، إنه هوس المتعصب الذي يحمله جنون الحماسة وراء فكرة مسيطرة على عقله..

 إن ثمن إنشاء الدولة الصهيونية سيكلف العالم ألوف الأرواح.. ويجب أن تطغى الحماسة المبصرة لأنها حماسة تهدي إلى السلامة، وليست حماسة التعصب والكنود.. من عشرات القرون..

وخطر سقوط فلسطين في قبضة الصهيونية خطر على الشرق الأوسط سياسيا وعسكريا واقتصاديا.. وغلاة الصهيونية لن يعيشوا في سلام متى شعروا بالقوة والمناعة..، لأنهم مصابون بأعراض (البارانويا) وهي الغرور والأنانية والإنفصام عن الوسط الذي يعيش فيه المريض، والوهم المتسلط والشعور بالإضطهاد، والتوجس الدائم من الأعداء..[12].

وقد توسلوا باستبقاء نفوذهم في الولايات المتحدة الأمريكة باعتباره ضرورة لا غنى عنها بكل ثمن ولكل حيلة.. فهم يستميتون في سبيلها وينسون أن الإستماتة قد تميت..[13].

كان موقف الولايات المتحدة الداعم والمنحاز للصهيونية العالمية، موقفا سيء التقدير من جميع الوجوه. فهي قدرت أن تقسيم فلسطين نهاية مريحة لمشكلة عالمية، وماهو في الحقيقة إلا بداية المشكلات.. فقدرت أن قيام دولة صهيونية في الشرق الأوسط يضع لها قدما راسخة في هذا الشرق من طريق هذه الدولة الصهيونية.. ولكن الواقع نقيض ذلك لأن قيام هذه الدولة في هذه البقعة من الأرض يفتح المشكلة على أوسع نطاق..[14].

– 8 –

الصهيونية العالمية في الختام

    في فصل الختام نطرح السؤال حول مصير الصهيونية العالمية في عالم يبحث عن الإستقرار، ولن يتأتى الإستقرار من ناحية الدولة الصهيونية، وهي مشكلة مجسدة بأسباب الغلية والكراهية والإضطراب..، فلم تعش قط في استقرار مع من حولها، ولا مع أبناءها..

إن الهوس في التعصب والكراهية الدينية، واللدد في الخصومة قد بلغ بالقوم مبلغا فاق كل تصور..، وأدى بهم إلى تحجر في النظر، وعمي في البصيرة وانسداد الأفق، وتقهقر في الوعود..

فالقوم على اختلاف مذاهبهم متفقون على أن المخلص الموعود لم يأت بعد..، وأن الوطن اليهودي في فلسطين لا يحل مشكلة الصهيونية، وليست هو على اليقين الحل الأخير..، فهي قضية من قضايا التاريخ التي يدل فيها الماضي على المستقبل، وهو مستقبل لا يسر الصهيونية.. لأن نصيبها من أمسها الذي تفر منه أهون من نصيبها عند الغد المجهول بل الغد المعلوم..[15].

من المفيد ونحن ننظر إلى مستقبل الصهيونية العالمية، أن نعرض لوجهة الكاتب الفرنسي جاك أتالي (Jacques Attali) التي ضمنها في كتابه “قاموس القرن 21” الصادر سنة 1998..

يقول بأن إسرائيل تعتبر موضع نزاعات وأرض للأمل.. وبأن الإسرائيليين إذا قرروا التحصن والإنعزال عن الفلسطينيين، خوفا من أن يغمرهم نموهم الديموغرافي.. فإنهم سيثيرون مع جيرانهم نزاعا سيكون هذه المرة انتحارياً، وسيؤدي إلى قطيعة مع بعض الطوائف اليهودية في الخارج.

أما إذا نجحوا بالمقابل، في وضع الأسس لمجتمع منفتح مع جيرانهم، واعترفوا بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وساهموا في نموه، فإن ذلك كفيل، بقيام شرق أوسط موحد على مثال النموذج الأوروبي الذي تتوحد فيه المواطنة والعملة..

وسيكون موضع تخصيب متبادل، وجسر بين أوروبا وآسيا، وبين الديانات التوحيدية..

 وعلى المشروع الصهيوني أن يراجع دعواه حول الأرض القائمة على الوعود التراتية..[16].

هذا نموذج من الآراء حول مستقبل الصهيونية العالمية يشترك فيه طائفة من المفكرين والكتاب وأساتذة الجامعات الغربية…، وأصحاب هذه الآراء قد استجابوا للرجاء والإلحاح في النظر إلى مصير الصهيونية..، ومستقبلها في عالم متغير..

خلاصة القول أن شعوب العالم مطالبة بإلغاء كل فارق أو امتياز بينها، وأن تقوم الدول الكبرى المؤثرة في النظام الدولي وتنظر بالإنصاف وتحكم بالعدل على تطبيق الحقوق..

فالسياسة لا يمكن أن تغير مصير مجتمع ما لم يتم تحديدها وفق تصور عام باعتبارها التعبير الملموس عن ثقافة وحضارة مرتسمة في استراتيجية تروم استشراف المستقبل..

وجملة القول أن رسالة النبوة تهدف إلى معرفة الله حق المعرفة، وأن الأفضلية تكمن في التقوى المؤسسة على الفضائل الخلقية والكمالات الروحية. بعيدا عن دعاة الصولجان وشريعة الإستكبار..

لا أحد يملك آجال الأمم في يديه يفعل فيها بإرادة القوة الغاشمة ما يشاء إن استطاع ولن يستطيع..

أن البلاء الأكبر انما حاق بالدول الكبرى من آفة الغرور الباطل وسوء التقدير والاستخفاف بملكة السيادة المتجذرة في الشعوب المجبولة على الحرية ..

ولم تنفعهم قلة المبالاة ولا فرط المبالاة  بعد فواة الأوان ..

لان دروس التاريخ تعلمنا  ان الامبراطوريات الكبرى في الغالب تتولى هزيمة نفسها عندما تصاب بالغرور وتتصور ان قدرتها غالبة الى الابد.. ثم تكتشف فداحة التكاليف وعندها تظهر حتمية النزول..  

ان ما  حدث ، سيحدث طبقا لاسباب التطور والنهوض والانهيار الموستوحاة من   حوادث التاريخ وعبره ..

_______________________________

[1]- حسن ظاظا، الشخصية الإسرائيلية، دار العلم، ط3/ 1999/ ص 36.

[2]- الشخصية اليهودية الإسرائيلية، ص11/10

[3]- الموسوعة الصهيونية، ج1/ ص70/ 71.

[4]- عبد الوهاب المسيري، دفاع عن الإنسان، ص 34.

[5]- موسوعة اليهود واليهودية، ص82 /83.

[6] – عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية، ص 9/ 10.

[7] – نفس المصدر، ص 11.

[8] – نفس المصدر، ص18/ 19

[9] – عباس محمود العقاد، الصهيونية وقضية فلسطين، المكتبة العصرية، بيروت، ص12.

[10] – عباس محمود العقاد، لا شيوعية ولا استعمار، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، ص 53.

[11] – الصهيونية العالمية، ص75.

[12]- نفس المصدر، ص 33.

[13]- نفس المصدر، ص67.

[14]- العقاد، الصهيونية وقضية فلسطين، ص15.

[15]- نفس المصدر، ص 93.

[16]- Jacques Attali, Dictionnaire du XXIe siecle-Fayard, ed-1998, p 196 – 197

Visited 40 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. أحمد بابانا العلوي

كاتب وباحث مغربي