في الاحتفالية الصمت اتجاه ممنوع

في الاحتفالية الصمت اتجاه ممنوع

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام
       في زمن التفاهة والضحالة. تختل كل الموازين والضوابط، ويصبح من واجب المفكر المبدع أن يتحسس راسه، مخافة أن تكون قد نبتت له في رأسه قرون وهو لا يدري، وفي مسرحية (الخرتيت) للكاتب العبثي يونسكو يتحول كل الناس في المدينة إلى خراتيت بقرن واحد، وأخشى ما أخشاه هو أن نكون في الطريق لأن نحيا نبوءة يونسكو، وأن تضيع منا إنسانيتنا، وأن يلحقنا المسخ من حيث ندري أو لا ندري.
ونتساءل، في مستهل هذا النفس الجديد، من هذه الكتابة الجديدة والمجددة والمتجددة، ونقول ما يلي:
هل انتهى عصر الإنسان والإنسانية وبدأ عصر الوحش والوحشية؟
وهل انتهى عصر الانسان الإنسان وابتدا عصر الإنسان الشيء والإنسان الوحش والإنسان الصورة والإنسان الآلة؟
وهل انتهت الحياة والحيوية في حياتنا، ودخلنا عصر الآلة والالية من حيث ندري أو لا ندري؟
وهل دخلنا منطقة الصمت والصامتين وانتهى زمن الكلام والمتكلمين؟
وهل انقرض المتكلمون والمبدعون والمشاغبون بالكلام، أم هم في الطريق إلى الانقراض؟
وهل يمكن لفعل الكلام أن ينتهي، خصوصا وهذا العالم يضج اليوم بالقضايا وبالتحديات وبالمستجدات؟
    وفي جوابه عن هذه التساؤلات يقول الاحتفالي:
(مازالت هناك كلمات تحتاج لمن يقولها ولمن يكتبها ولمن يقراها ولمن يفهمها فهما صحيحا، ومازالت هناك حقائق غامضة وملتبسة تحتاج لمن يكشف عنها الستار،
ومازال هناك مسرحيات كثيرة مازالت تنتظر من يكتبها)،
وشهرزاد التي تكلمت وحكت من أجل أن تحيا، هل يمكن أن تسكت اليوم عن الكلام المباح عندما يدركها ضوء الصباح؟
وأي صباح هو هذا الذي لا يكون بداية أخرى، ويكون فتحا ومفتاحا وانفتحت على الحياة في جديدها وتجددها؟
وما هو بديل الكلام الجميل والنبيل والصادق والحارق غير الصمت الكاذب والجبان؟
وماذا يمكن أن يكون فعل هذا الصمت، في معناه الحقيقي، سوى أنه هروب إلى الخواء وإلى الفراغ أو هو خيانة وجودية؟
في مجموعتها القصصية 1967 (ليسقط الصمت) خناثة بنونة، أيقونة النضال الوجودي والثقافي الأستاذة خناثة إدانة واضحة للصمت ولصحبه، وهي في هذه المجموعة القصيرة الرائدة والتي جاءت مباشرة بعد النكسة الحزيرانية، تؤكد على أن الكلمة والفعل يسيران في خطين متوازيين لإحداث التغيير، في النفوس و الأرواح وفي العقول أولا.
وفي السبعينات من القرن الماضي يقدم الرائد والمؤسس المخرج عبد الله المصباحي فيلمه الغنائي (الصمت اتجاه ممنوع)، ومنه نقتبس اليوم عنوان هذا النفس، مؤكدين على الصمت فعلا اتجاه ممنوع.
وهناك من تنبأ بنهاية عصر الكلام، ودعا إلى الفرجة والتفرج عن بعد، وإلى استبدال الكلمة بالصورة. وهل مثل هذه الدعوة يمكن أن تستقيم مع إنسانية الإنسان، وهل يكون هذا الإنسان في حقيقته إلا حيوان ناطق؟
 
في كل نهاية تختبئ بداية جديدة
    في مسرحية (جحا في الرحى) والتي هي احتفالية مسرحية كان أول من أخرجها المرحوم مصطفى التومي مع المسرح البلدي بمدينة الدار البيضاء، يخرج جححوح بن جحا في مظاهرة بمدينة فاس. وهو محمولا على الأكتاف زدويصرخ في وجه الناس (لن اسكت.. لن اسكت .. لن اسكت حتى لو أخذوني إلى بلاد اسكت..لاندة).
(وإذا كان الكلام من فضة فإن الصمت من ذهب)، هذه هي حكمة كثير من الصامتين الذين يبيعون صمتهم، والذين يتلقون في مقابل صمتهم أجرا. وهناك صمت آخر، لا أقصده في هذه الكتابة، والذي هو صمت العارفين وهو صمت المترفعين عن سقط الكلام. ومن يحسن فعل الكلام ينبغي أن يحسن فعل الصمت ايضأ. خصوصا عندما يكون بعض الصمت ابلغ من كثير من الكلام
ويؤمن الاحتفالي بأن العطب الطارئ في مسار الأفراد والجماعات والمجتمعات هو عطب عابر دأئما، وأن الآتي غدا وبعد غد هو الأجمل وهو الأكمل وهو الأصدق دائما، ليس في تاريخ الاحتفالية وحدها، كما قد يتوهم البعض، ولكن في تاريخ كل الأجساد والأرواح، وفي تاريخ كل الأفكار والحركات الفكرية والجمالية المختلفة عبر التاريخ.
    وميزة الاحتفالي أنه يقول (كل) ما يعرف، وأنه يحرص قبل ذلك على أن يعرف (كل) ما يقول، وأن يكون على بينة من مستوى من يكلمه ومن يحاوره. وبغير ذلك يكون كمن يصب الماء على الرمال.
    وبحسب ذلك الاحتفالي المتكلم، والذي هو متكلم يمشي، والذي اختار أن تكون وجهته الأعلى البعيد، فإن كل الذي فات في (تاريخ) الاحتفالية لم يكن سوى مقدمات وتمرينات وتسخينات لممارسة الذي سوف يأتي، من تلقاء نفسه، أو ذلك الذي سوف نأتي به بقوة العقل وبقوة الفكر وبقوة الخيال وبقوة الجمال، ونعرف أن القوة الاحتفالية، وباعتبارها فكرا وفنا وعلما، فإنه لا يمكن أن تكون إلا قوة ناعمة.
    ويقول الاحتفالي بأنه لا شيء يمكن أن ينتهي نهاية حقيقية ونهائية. وما قد نحسبه نهاية ما هو في حقيقته إلا بداية أخرى جديدة، أو بدايات أخرى مجددة ومتجددة، وما هذا التاريخ إلا بدايات تتكرر. وتجدد نفسها بنفسها. ولعل هذا هو ما يجعل التاريخ يعيد نفسه، وهو فهلا يعيد نفيه، ولكن بصيغة أخرى، قد تكن كاريكاتورية وماكرة في كثير من الأحيان.
   وتاريخ الفن هو تاريخ البدايات المجددة والمتمردة، والتي تقوم على مبدأ التحدي والتجاوز، أي تحدي الكائن الموجود بحثا عن الممكن وعن المحتمل الوجود،
وفي مسرحية (المقامة البهلوانية) يقول الاحتفالي (في الفن كل شيء ممكن يا أحبابي، ويجوز للفنان ما لا يجوز لغيره)، فالفن حلم عاقل. ولا أحد من حقه أن يعلمك كيف تحلم، أو بماذا يمكن أن تحلم، أو أن يحدد لك حدود حلمك، والتي لا ينبغي أن تتجاوزها،
وفي مقدمة كتاب (الاحتفالي مسافر وجهته السحاب)، يقول الاحتفالي:
(وأنا ذلك الاحتفالي الذي قلت وكتبت دائما، بأن ما يميز الاحتفاليين، في حياتهم وفي حياة أفكارهم، هو أنهم، ورغم أنهم لا يؤمنون بتناسخ الأرواح، (فإنهم يؤمنون بتناسخ الأفكار، وبتناسخ الصور، وبتناسخ الاختيارات الوجودية والأدبية والفنية، وهذا شيء يعطيهم الإحساس بأنهم ورثة الفكر الإنساني، في عموميته وشموليته، وأنهم مؤتمنون على العبقرية الإنسانية، وذلك على امتداد التاريخ كله).
   وأنا ذلك الاحتفالي المتكلم والكاتب، والذي قال، في مجال التعريف بنفسه، وذلك في مسرحية (عبد السميع يعود غدا)، (أنا ذلك الذي لا يمكن أن يجد نفسه إلا إذا ضيعها، ولا يمكن أن يعيش هذا الوجود إلا إذا أعاد تركيبه وصياغته صياغة إبداعية جديدة، وآمنت بأن صورة هذا الوجود لا يمكن أن تكون أجمل وأكمل إلا في عيون الشعراء، وأن معناه أو معانيه لا يمكن أن تكون (صادقة) إلا في عقول الفلاسفة والحكماء).
    ولعل هذا هو ما حاولت ترجمته في حياتي وفي حياة أفكاري، وفي حياة مسرحي، وفي كل حياة إبداعي وفي حياتي اليومية، والتي يلتقي فيها المحسوس والمتخيل، ويتقاطع فيها الحاضر والغائب والقريب والبعيد والحسي والرمزي والواقع والمتخيل.
وبالنسبة للاحتفالي فإن (أول الأسئلة وآخر كل الأسئلة هو سؤال أنا من أنا ؟ ومن لا يعرف نفسه، ومن لا يعرف بها، لا يمكن أن يعرفه الناس، وسوء التفاهم يأتي عادة من كون أنك لا تعرفني، ومن كون أنني لا أعرفك)، وقد يصل الأمر أحيانا إلى إنني لا أريد أن أعرفك وأنك لا تريد أن تعرفني، وهذه هي أسوأ كل الدرجات في سلم العلاقات الإنسانية بين الأفراد والجماعات والمجتمعات.
 
جمر الاحتفالية ورماد المأتمية
    يقول عبد السميع في احتفالية (عبد السميع يعود غدا):
(لا أحد يمشي في نفس الطريق مرتين ولا أحد يعيش نفس العمر مرتين، ولا أحد يعيش نفس الحياة مرتين، ولا أحد يمكن أن يموت مرتين).
   وأنا الكاتب الاحتفالي، والذي كتب علي أن أطرق الأبواب المغلقة، فإنني أجد نفسي أقول دائما بأنني (لا أطرق نفس الباب مرتين).
    و( أنا لا أوجد في نفس المسرح الوجودي والمسرحي مرتين)، (ولا اكتب نفس المسرحية ولا انكتب بها وفيها مرتين).
   (وأنا لا أعيش نفس الشخصية المسرحية مرتين).
   ونحن كلنا في هذه الحياة نوجد في مختبر وجودي مفتوح على كل الممكنات والاحتمالات، ونحن في هذا المختبر لا نفعل شيئا سوى أن نجرب او يحرب بنا من حيث لا ندري وأننا في هذه الحياة لا نحيا الحياة بشكل حقيقي، ولكننا نتمرن نتمرن عليها، استعدادا لحياة يمكن أن تأتي أو لا تأتي، وعليه فإن كل أيامنا وليالينا هي مجرد تمارين بعد تمارين، وما عيشنا في حياتنا اليومية إلا تجريب بعد تجريب تجريب إلى ما لا نهاية،
    ومن واجبي اليوم، وفي هذا التجريب الوجودي أن اقول الكلمة التالية، وهي أن المسرح- مسرحنا يعيش عهدا سيئا، عنوانه الكبير هو الصمت ثم الصمت ثم الصمت، وأن حكمته هي أن الصمت له الثمن وأن الكلام بالمجان، ونعرف أنه حين يحضر الصمت يغيب المجدون والمجتهدون ويغيب المبدعون الصادقون.
    ومصيبة الاحتفالي أنه كائن صادق، في حياته أولا، وفي حياة فنه أيضا، وفي حياة فكره وفي حياة علمه وفي حياة مسرحه دائما، وهو كائن متكلم، وأنه حين ينطق لا ينطق إلا بالحق، وحين يشهد على الواقع والوقائع لا يشهد إلا بالحق، وهو كائن إنساني ومدني شفاف، وهو لا يخفي شيئا إلا خيبته وأحزانه الشخصية، وهو اليوم حزين لأن المسرح الذي وهبه كل عمره لم يعد مسرحا حقيقيا، وأصبح المسرحيون الصادقون فيه غرباء في وطنهم المسرحي، ولعل هذا هو ما جعلني أقول في كتاب من كتبي بأننا في هذا المسرح لا نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأننا نمارس فعل التجريب في هذا المسرح (بشيء غير قليل من الغش)، وبهذا (كان التقليد تجديدا)، وكان (تجمع بعض المسرحيين‐ بشكل عرضي واعتباطي)، نهجا مسرحيا أو اتجاها أو مدرسة)، ومن غرائب وعجائب هذا المسرح أن نجد من يسمي مثل هذا التجمع الفوضوي والعشوائي، والذي يفتقد إلى الرؤية الفكرية الواضحة (ورشة أو معملا أو مختبرا)، وفي مثل هذا المشهد العبثي يمكن أن يصبح (الاغتراب تجريبا، والتلمذة أستاذية، والتبعية ريادة، ويصبح استظهار المعلومات القديمة والبالية فكرا وفنا وعلما).
    إن منسوب البحث والاجتهاد في مسرحنا اليوم ضعيف جدا، ومنسوب التقليد والتبعية فيه كبير جدا. والنمطية حاضرة بقوة، ولهذا المسرح مواسم محددة ومحدودة، وخارجها تنطفئ أضواء المسارح، وتبقى الكراسي فيها فارغة مثل كراسي يونسكو
والاحتفالية هي التاريخ، في امتداداته ومحطاته، وبهذا فقد كانت ممنوعة من أن تخون نفسها، وهي تاريخ أفكار وتاريخ مواقف وتاريخ اختيارات وتاريخ اجتهادات وتاريخ رهانات وتاريخ تحديات، وهو تاريخ حي مفتوح على الماضي ومفتوح على الآني ومفتوح على الآتي ومفتوح على الكائن ومفتوح على الممكن، ونحن في هذه الاحتفالية نجتهد، ولا نتوقف لحظة عن التفكير وعن التامل وعن السؤال، لأننا نعرف أن التاريخ لايبنى بالأوهام وبالتمني وبالاقتباس وبالاختلاس وبالادعاءات الكاذبة، وفي هذا المعنى يقول الاحتفالي في كتاب (التيار التجريبي في المسرح العربي الحديث) وفي البدء (يكون الحلم دائما، وعلى قدر أهل العزم تأتي الأحلام، وتتأسس المشاريع، ويبني التاريخ نفسه، ويعيد بناءه من جديد بالرؤى الجديدة وبالأقلام الجديدة وبالتجارب المجددة، وبهذا الاجتهاد يمكن ان يحرك التاريخ دواليبه وعجلاته، وذلك باتجاه المدن المحتملة الوجود وان يسوق عربته نحو الأجمل والأكمل والأكثر حقيقة وصدقا).
 
الاحتفالية فكرة أصبحت فكرا
    الاحتفالبة فكرة، مجرد فكرة. وماذا يمكن أن تكون الحضارة سوى أنها فكرة زائد فكرة زائد فكرة.. وفي الفكرة توجد طاقة، وتوجد قوة، وفي العلم توجد قوة، وفي الجمال يختبئ السحر ، وتوجد القوة، ولمن يهمه معرفة قوة الاحتفالية فإننا نقول له بأن قوتها من قوة الأفكار فيها ومن قوة الجمال فيها ومن قوة الحفر والبناء فيها.
    الاحتفالية جمر ملتهب، وجمر الاحتفالية لا علاقة له بالرماد، فالجمر حركة وحياة والرماد سكون وثبات، وفي هذا المعنى يقول جلال الدين الرومي في إحدى رباعياته:
لا تجالس إلا العشاق
وابتعد عن غيرهم
مهما أضاءت شعلتك العالم
فالنار تموت بمرافقة الرماد
    يقول جلال الدين الرومي (كن أنت العالم)، وتقول الاحتفالية (لا تطل على العالم من فوق. ولا تتأمل مجريات هذا العالم عن بعد. ولا تتفرج على مآسي العالم في التلفزة، وفي المقابل كن أنت العالم واجعل كل هذا العالم يكون أنت).
    وبخصوص المسرح فقد تعود المسرحيون المغاربة والعرب أن يأخذوا مسرحهم من العالم، بدل أن يأخذوه من حياتهم ومن واقعهم ومن ذاكرتهم ومن تاريخهم. وبهذا يقول الاحتفالي (لا تأخذ مسرحك من العالم, وكن أنت مؤسس مسرح هذا العالم أو أحد المؤسسين الحقيقيين فيه.
ونفس الشيء نقوله عن علاقة هذا المسرحي بالتراث، فهو ينطلق من فرضية أن هذا التراث موجود خارجه، في المكان الآخر وفي الزمن الآخر، مع أنه هو التراث وأن التراث هو تراثه هو.
وإذا كان الفيلسوف أفلاطون قد طرد الشعراء من جمهوريته، فإن نتشه قد أعاد لهم الاعتبار، وهو دائم الحديث عن الفيلسوف الفنان، وذلك في مقابل الفيلسوف النظري، والفلسفة بلا فن لا مكان لها في المسرح. والذي هو أساسا تجسيد وتشخيص لا مجال فيه للتجريد والمجردات، وهو ايضا حياة وحيوية. وهو فعل وانفعال وتفاعل وفاعلية، ولعل أجمل وأصدق شيء في هذا المسرح هو أنه أنه تفكير في الوجود بالموجود، وأنه تفكير في الحياة بالحياة وبالأجساد الحية.
    الإنسان والحياة والمدينة، هذا المثلث هو الذي يتأسس به وفيه فعل التعييد الاحتفالي، ولقد شرح الاحتفالي هذه التركيبة الفكرية الثلاثية في (بيان تازة للاحتفالية المتجددة)، والذي كان أول بيان احتفالي يحمل اسم مدينة من المدن، وذلك بعد أن كان هذا البيان يحمل رقما من الأرقام، أو يحمل حرفا من الحروف، مثل (ألف باء الواقعية الاحتفالية للمسرح)، و(جيم دال الواقعية الاحتفالية المسرح)، وفي بيان تازة نقرأ ما يلي:
(إن هذه الاحتفالية تؤكد على الحياة, ولا تؤكد على الوجود، وهي في هذا تشير إلى أن الوجود نقتسمه مع كل الموجودات; الحية وغير الحية, والعاقلة وغير العاقلة، والمبدعة وغير المبدعة، أما الحياة والإنسانية والمدنية، فلا تقتسمها إلا مع الإنسان الإنساني.
إن الكائن الاحتفالي هو الذي يقول:
‐ أنا أحتفا إذن فأنا أحيا
ولا يقف عند هذا الحد، ولكنه يكمل ويضيف:
— وأنا أحيا إذن فأنا أحتفل.
    وعندما يقول هذا الكائن الإنساني (أنا احتفل) فإنه لابد أن يأتيه السؤال التالي (تحتفل أين؟)، ليكون الجواب (في المدينة) وفي هذا المكان أو ذاك، وفي هذا الموقع في غيره، أو في هذا الفضاء او في غيره من الفضاءات الأخرى.
ومرة أخرى يسأله نفس ذلك السائل الافتراضي. أو غيره (ومع من تحتفل؟) ليكون الجواب (مع الناس ولهم).
أما جوابا عن السؤال المتعلق بالمناسبة- مناسبة الاحتفال والتعييد – فإنه من الممكن أن يكون بهذه الجملة المختلفة (احتفاء بالحياة والحيوية، وفرحا بالإنسان والإنسانية. واستجابة لنداء المدينة والمدنية).
وعن سؤال (ومع من تحتفل ولمن تحتفل؟) يجيب الطيب الصديقي (للناس ومع الناس)، وهذا هو ما يفسر أن يسمى مسرحه (مسرح الناس)، وأن تكون وجهته الناس، وأن تكون ثقافته ثقافة الناس، وأن تكون لغته هي نفس لغات الناس، أما عن سؤال ومتى تحتفلون مع الناس؟ فإن جواب ثريا جبران وعبد الواحد عوزري كان هو (اليوم اليوم وليس غدا)، ولهذا فقد أطلقا على مسرحهما (مسرح اليوم).
Visited 10 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي