الرقص والغناء والذبح الحلال

الرقص والغناء والذبح الحلال

لحسن أوزين

       أنا الآن في بيتي الخاص، بعد أن شهد الجميع الذبح الحلال لبكارتي العذراء. نحن الثلاثة في هذا البيت الواسع. جسدي وأنا وهذا الرجل الغريب، الذي يطلب مني أن أتوسط له لحظة متعة ولذة مع هذا الجسد الذي تعرفونه عدوا لي منذ اللحظة التي وعيت فيها أنوثتي المشبوهة بنظرات الأب الحذرة، ونظرة الأم القاسية. دون الإشارة الى العيب المجتمعي الذي يحوم حولي، معلنا بوضوح شفاف” أنت متهمة الى أن تتم براءة جسدك ليلة الدخلة”.

  في هذا الموقف الصعب والحرج كيف لي الاطمئنان أو الوثوق بهذا الرجل الغريب المفتون برغبة صداقة ما مع عدوي، هذا الجسد الملعون؟ وبالتالي كما يقال صديق عدوي عدوي. فكيف أسمح  بهذا العبور الجهنمي على حساب روحي المنهوكة بهذا الصراع مع جسد تلبسني رغما عني تحت ضغط الإكراه العائلي، والمجتمعي؟

 والآن لكم أن تتصوروا حجم العذاب الهائل الذي أعيشه في هذه اللحظة العنيفة التي لا يمكن لهذا اللقاء أن يمر إلا من خلال سفك دم روحي.

 قبل قليل كنت قد وجدت نفسي خارج البيت وأغلق الباب في وجهي نهائيا، وبرز وجه مخيف من قبل الجميع. تراجع كل ذلك الحب العظيم الذي تربيت في حضنه. كما لو كنت ضحية وهم خطير، وتقمص مسرحي رهيب، كانت أمي تمثل فيه قمة الحنان والعاطفة المفعمة بالمحبة العميقة، في الحماية والرعاية والاهتمام. تحول غامض وملتبس الى أبعد نقطة في الغموض، وعسر في الادراك والفهم والمعرفة. ما الذي جعل هذا البيت يكشف لي عن وجه بشع، لم أكن أعتقد أنه قابع في ركن مجهول داخل أسرتي؟  وجعل الأمور تأخد مجرى آخر  بسرعة ضوئية تتخطى ومض البرق؟

 تراجع وجه أمي الطيب البشوش الذي عرفته منذ ولادتي. وكان أبي واقفا بالمرصاد يراقب سير الأمور الجديدة. جسدي الملعون، الذي كبر في غفلة مني، وأنا أحيطه بسياج من حديد، خوفا من غدر فتنته الشنيعة. كنت مكلفة بحزم وصرامة، فيها الكثير من القسوة والكراهية لهذا الجسد اللعوب، والمراوغ الخداع لدعامات بيت شرف أسرتي الرفيع. ها هو الآن يورطني في التهجير القسري، ولم يعد لي الحق في التوقف أو التفكير في العودة الى هذا البيت الدافئ، الذي أسقط قناعه الآن، فبدا ذميم الخلقة بوجه منفر قبيح.

 هكذا وجدت نفسي في وضع أقرب الى أمة، يجرني سيدي من يدي، وفي يده عقد نكاح كتبه عدلان (لصان).

في الليلة الماضية كان الفرح الكبير يعم البيت، واحتفل الناس جميعا. لا أحد منهم تردد في الرقص والغناء والابتسامة العريضة. كانت عيونهم تفرح وتضحك، ويأخذني سحر اللحظة الى السماوات السبع. والهمس الكثير المغلف بعشرات الوصايا من الأم والعمات، على السمع والطاعة، والاستجابة السريعة لكل طلبات الزوج. أن أعرف ما يريده قبل أن يتكلم، وأدرك ما يجول في قلبه، فأسبقه الى الكلمات التي تعثرت داخل نفسه. وأُدهشه بالقدرة على الحدس والتخمين والتنبؤ بكل ما يفكر فيه. أن أضحي بنفسي لحماية بيتي من التصدع الخفي والصريح. وفي الأخير علي أن أنجح في جعل هذا الرجل الغريب خاتما في يدي أحركه كما أشاء.

لكنني الآن، أعيش اللحظة التي تجعل الموت مطلبا ملحا. لا يمكن لهذا الرجل الغريب أن يقترب من هذا الجسد الذي أرهقتني الى حد الجنون حراسته وكوابيسه. كانت علاقتي بجسدي سيئة جدا، وفيها الكثير من الحذر والتوجس والخوف الصريح.  ومع السنوات، بدأت أخشى لوثته المدنسة، وتهديده الرهيب في الانفلات من قبضتي الى حد الفضيحة. كان يتولد مع الأيام في دواخلي حقد كبير الى درجة الكراهية والعدوانية لجسدي الحي. كنت حريصة على قتل حيويته، ونبض نشاطه الحي، وهو يطل من بين الشقوق والطيات، فاضحا ما تخفيه المنحنيات المرعبة لهوامات الرجال. جسدي وأنا ، لم تكن بيننا أي صداقة أو محبة في خلق الوئام والانسجام والتفاهم الأصيل. لم يكن جسدي مصدرا للثقة والاطمئنان. كان علي أن ألغيه كي أرتاح قبل أن يعدمني من الوجود برصاصة الشرف.

أعرف الآن أن الباب أغلق  نهائيا وتخلصت الأسرة من الشر، وحمدت الله على سلامتها من الفضيحة، رافعة رأسها بشرف كبير كالسجان الذي يعتز بوظيفته في قهر الضحية. لكن فاتني أن أعرف أيضا أن ذلك الفرح الكبير، كان فرحهم. ورقصهم كان إعلانا عن نهاية الباب المفتوح. وهذا الرجل عليه أن يستعد الآن لحرب شرسة ضد جسد روضوه حتى صار وحشا شرسا لا يمكن أن أضمن سلامة من يقترب منه. وعليه أن ينازله كل يوم بالحديد والنار، ويتحمل كل الرضوض والجراحات، وخسارات لا تنتهي…

عليه بكلمة واحدة أن يدفع الثمن الذي دفعته في عداوة هذا الجسد اللعين…

Visited 39 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

لحسن أوزين

كاتب مغربي