محمد زيان: سيرة مختصرة لشيوعي قديم

محمد زيان: سيرة مختصرة لشيوعي قديم

عبد الرحيم التوراني

شهدت العاصمة الرباط في غضون الأسبوع الذي نودعه، محاكمة لا تقل عناوينها إثارة عن محاكتمي الصحفيين عمر الراضي وسليمان الريسوني أمام محكمة الاسئناف بالدار البيضاء. 

حيث نطقت المحكمة الابتدائية في الرباط بالسجن ثلاث سنوات حبسا نافذا على المحامي محمد زيان، مع غرامة مالية، بعد توجيه إحدى عشر تهمة ضده، وجلها تهم أخلاقية، تبدأ بـ”إهانة رجال القضاء وموظفين عموميين”، مرورا بتهمة “بث ادعاءات ووقائع كاذبة قصد التشهير بالأشخاص عن طريق الأنظمة المعلوماتية، والتحريض على خرق تدابير الطوارئ الصحية”، وصولا إلى “المشاركة في الخيانة الزوجية، والمشاركة في إعطاء القدوة السيئة للأطفال نتيجة سوء السلوك، وتهريب مجرم من البحث ومساعدته على الهرب، والتحرش الجنسي”.

 مبعث الإثارة في الحكم على محمد زيان، هو زيان نفسه، إنه شخصة إشكالية ومثيرة للجدل. ولا إجماع حول سيرته ومساره المتقلب كشخص غير عادٍ على أكثر من صعيد. أولها عمره المتقدم، (قبل أيام قليلة احتفل زيان بعيد ميلاده التاسع والسبعين واقفا أمام المحكمة)، وكونه كان وزيرا سابقا لحقوق الإنسان، ونقيبا سابقا لهيأة المحامين بالرباط، وأمينا عاما لحزب سياسي.  

نشأ محمد زيان في طفولته الأولى نشأة مسيحية، وأسمته والدته الاسبانية باسم فكتور مارتين، قبل أن ينتقل رفقة والده الريفي من مالقا التي رأى النور بها إلى المغرب، وليصبح اسمه محمد. 

في شبابه وخلال الفترة الطلابية اعتنق زيان الشيوعية. ويحكي عنه بعض الرفاق، أن زيان الشيوعي كان متطرفا ومستعدا دائما أثناء المناقشات للعراك واستخدام العنف مع الخصوم الإيديولوجيين. 

لكن أزمة عاطفية جعلته يرتد وينقلب 180 درجة، من أقصى اليسار إلى أحضان اليمين المخزني. 

وقد اقترن في البداية بطالبة مكناسية تدرس الطب بالرباط، اسمها عفيفة الهلالي، ابنة ابراهيم الهلالي أحد أقطاب حزب الشورى والاستقلال بزعامة محمد بلحسن الوزاني. وكان الهلالي عضوا بالمجلس الوطني الاستشاري الذي تأسس بعد استقلال المغرب ورأسه المهدي بنبركة. 

لم يدم زواج زيان بطالبة الطب طويلا، وبعد انفصالهما ارتبطت الدكتورة عفيفة بالمناضل الشيوعي الدكتور عزيز بلال، القيادي في حزب التحرر والاشتراكية (التقدم والاشتراكية)، وقد مات في ماي 1982 في ظروف غامضة بشيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية لما كان ضمن وفد من الجتمع المدني رافق زيارة الملك الحسن الثاني إلى أمريكا.

 *** 

في التسعينيات الماضية اشتهر محمد زيان بلقب “محامي الدولة”، عندما واجه لوحده عشرات المحامين المؤازرين للزعيم النقابي اليساري محمد نوبير الأموي، الذي تابعته الحكومة المغربية على خلفية حوار صحفي أدلى به ليومية “الباييس” الإسبانية، ووصف فيه وزراء الحكومة بأنهم “لصوص”.  

ومن مكر التاريخ، أن محامين  كانوا واجهوا “محامي الدولة” محمد زيان في سنة 1992، تحولوا اليوم هم “محامو الدولة”، وترافعوا باسمها ضده. وعلى رأس هؤلاء ابراهيم الراشيدي وعبد الكبير طبيح، المنتسبان إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة إدريس لشكر، إذ لم يعد الزمن هو الزمن، بعد أن مُسخ الحزب المشار إليه، من حزب يساري راديكالي معارض، يحظى بشعبية وثقة جماهيرية واسعة، إلى حزب صغير يزايد على أحزاب الموالاة التقليدية، حتى بعد أن تم ركنه خارج تشكيلة الحكومة الحالية، عكس إرادة كاتبه الأول الطامع في الاستوزار بأي ثمن.

 شراسة صوتية

 محمد زيان، المرتمي في أحضان “المخزن”، والقادم من أجواء الطبقات العليا، سيصبح  صهرا لمحام تدرب بمكتبه، وهو المستشار الملكي أحمد رضا غديرة (تزوج من ابنته الصحفية الفرنكفونية المرحومة زبيدة غديرة (عملت إلى جانب ناديا برادلي في “لوميساج دو لاناسيون” و”لوليبرال”). وقد انتهى زواجه من زبيدة بطلاقهما.

 يحبذ زيان تعريفه بـ”المناضل اللبيرالي الوحيد”. اعتاد الناس منذ استقالته من منصبه وزيرا لحقوق الإنسان، على خرجاته الإعلامية وشراسته الانتقادية، وألفوا انتقاداته للأوضاع السياسية. 

فهو مثلا لم يتردد بالقول إن “المغرب تحكمه فرنسا”، ووصف حكومة “التناوب” برئاسة الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي في 1998، بحكومة “تناوب ممنوح”. وأنها “حكومة غير مجدية، مثل ذبابة اعتلت ذيل حمار”. وأن كل ما فعلته حكومة اليوسفي هو “تهميش صريح للمبادئ وللقيم لفائدة أفراد من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”.  

كما تجرأ زيان ووجه نقدا لاذعا إلى صديقه وزير الداخلية إدريس البصري، واصفا إياه بكونه “حالة مارقة” في المشهد السياسي المغرب، وأن هذا المشهد ليس سوى”رقعة شطرنج عفا عليها الزمن ومحكوم عليها بالفشل”، لأن الأحزاب السياسة القائمة هي مجرد “مخلوقات أوجدها النظام المغربي وفرضتها قوى أجنبية”. ثم سدد سهامه إلى حزب الاتحاد الدستوري الذي انتمى إليه قبل أن يغادره، كونه “ليس حزبا ليبراليا كما يدعي. وهو حزب غير  قادر على الدفاع عن الليبرالية والمبادرة الخاصة لضمان مستقبل المغاربة”. سبق لزيان تبوؤ مناصب مهمة بالدواليب الوزارية (مابين 1965 و1968)، وفي نهاية الستينيات جرى تكليفه بإنشاء “الشبيبة الملكية الاشتراكية”، وسرعان ما اختفى وغاب هذا التنظيم الذي يدعو إلى ما أسماه بـ”الاشتراكية الملكية”. 

وفي 1984 ولج البرلمان باسم حزب “الاتحاد الدستوري” بزعامة المعطي بوعبيد، وعين عضوا بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما انتخب نقيبا لهيأة المحامين بالعاصمة. وكان زيان أول وزير مغربي حمل حقيبة “حقوق الإنسان” في التسعينيات، قبل أن يقدم استقالته احتجاجا على ما سمي بــ”حملة التطهير” التي نفذها وزير الداخلية إدريس البصري في صفوف رجال الأعمال.

 بعدها شاهدناه يضع يده في يد رجل الأعمال ناجم أباعقيل صاحب “حزب العمل”، ويتقدم مرشحا باسم هذا الحزب، قبل أن يغادره أيضا ويؤسس حزبه الخاص “الحزب الليبرالي المغربي في 2001، الذي أصبح اسمه “الحزب المغربي الحر”. 

ورغم أن حزب زيان حاول الظهور بمنأى عن أساليب الأحزاب التقليدية، والنهل من قاموس ليبرالي يميني محافظ، والزعم أنه حزب مستقل، إلا أن صحفيين، ممن سافروا في آخر أبريل 2001، إلى مدينة الناضور على متن حافلات تعود لشركة نقل في ملكية محمد زيان، من أجل حضور أعمال المؤتمر التأسيسي للحزب الليبرالي، نقلوا أن المؤتمر عقد تحت إشراف عناصر من جهاز المخابرات المغربية بشكل مكشوف تقريبا. 

من مدلل إلى منبوذ

 لكن ما الذي حدث حتى انتقل زيان من وزير و”محامي الدولة” إلى عدو للسلطات؟  

هل يعود الأمر للسانه السليط وشراسته عند كلامه عن مآل الثروة الوطنية، التي تساءل ملك البلاد عنها مرة أمام البرلمان: “أين الثروة؟”، وقد أصبح زيان بكل مناسبة ومن دونها يسأل بدوره متهما: أين ثروات المغرب السمكية بالبحار، وأين معادن الذهب والفضة والنحاس المستخرجة من مناجم المغرب؟ وأين هي أموال الفوسفاط الذي يعد المغرب المنتج الأول له في العالم؟ 

وكانت سنة 2018 شهدت متابعة الصحفي توفيق بوعشرين قضائيا، فخرج محاميه زيان ليتهم المخابرات بتدبير وفبركة ملف فارغ. ورغم كون زيان رجل قانون فإنه لا يحرص على وزن كلماته، ما أوقعه في مواجهة مع القضاء واستدعائه للتحقيق مرات. 

وفي السنتين الأخيرتين تولى زيان ملف الدفاع عن ضابطة شرطة تم فصلها بعد اتهامها لرئيسها المباشر بالتحرش. وبعد مغادرتها المغرب برفقة ابنتها الصغيرة متسللة عبر مدخل مدينة سبتة المحتلة، ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقيم زوجها اليمني الجنسية، انضمت إلى أصحاب القنوات الرقمية المعارضة، وشرعت في بث فيديوهات تكيل فيها جملة من الاتهامات ضد إدارة البوليس المغربي. 

 فجأة، تم تسريب فيديو على موقع موالٍ للأجهزة، يظهر فيه محمد زيان عاريا كما ولدته أمه، وتبدو الضابطة المذكورة تجفف جسمه. فيديو قال عنه زيان أنه مفبرك من طرف المخابرات البوليسية، وزاد من ثورته ضد مدير الأمن والمخابرات عبد اللطيف الحموشي، وضد وزير الداخلية عبد الكبير لفتيت، وأكثر من الظهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث كانت تتسارع القنوات الباحثة عن رفع عدد المشاهدات لنشر تصريحاته. 

وكان أحد أبنائه حكم عليه بالسجن، في بداية انتشار وباء كورونا بتهمة ترويج أقنعة غير مرخص بها. لكن زيان لم يصمت. ومن الطرف التي قام بها زيان، ليلة جلب فيها حفظة القرآن، افترش الأرض معهم أمام مبنى البرلمان لتلاوة المصحف كاملا على طريقة القراءة المغربية.  

وقبل اقل من شهرين صدر حكم قضائي بإفراغ النقيب السابق للمحامين من مكتب مقابل لمكتبه، كان يشغله بشارع محمد الخامس. 

 نقطة فوق ريان 

خلال أطوار محاكمته وقعت حادثة سقوط الطفل ريان في البئر التي هزت العالم، ولما شاهد صورة والدة الطفل الضحية على شاشة التلفزيون، وهي تتلقى هاتفيا تعزية الملك، هلل زيان مستبشرا باسم والدة ريان: وسيمة خرشيش، المتطابق مع لقب موكلته الضابطة الأمنية (وهيبة خرشيش)، وصرح أنه يتفاءل بهذه المصادفة، ناسيا أن لقبه لا يختلف عن الطفل الغريق سوى بنقطة واحدة فوق حرف “الراء”، وأنه مثله ذاهب صوب الغرق.  

إثر الحكم على زيان، عمّت موجة من التعاطف مع محنة رجل عجوز، ولم يعتد المغاربة محاكمة وسجن الوزراء الممارسين أو السابقين، والاستثناء حصل في سبعينيات  القرن الماضي، عندما اعتقل وزراء بتهمة الفساد، حظوا بالعفو لاحقا.

 وتضامن آخرون مع زيان لما تابعوا تصريحه: “في الثمانين من عمري لم يعد لدي ما أخسره، وأنه “لم يبق لدي ما أعمله في هذه الدنيا لأني صرت أبحث عن الآخرة”.

 لكن الرجل المسن، ربما لا يتذكر أنه اختار لحزبه شعار “الأسد”، وانتقى  صورة أسد مشهور في المغرب، مرسوم على علبة أعواد ثقاب، وعوض الانتباه لهيبة الأسد، فإن ما بقي عالقا بأذهان الناس هو عود الثقاب. 

السؤال هنا لا يخص شكل أسد افتراضي مهزوم، أو فصيلته الأطلسية المنقرضة، بقدر ما تهم حالة أعواد الثقاب، وقد تأكد أن بها بلل، وأن لا ضرر يخشى منها لو مست كومة حطب، بينما الخوف الأكبر يكمن في الحطب المثقل بسوائل قابلة للاشتعال، في ظل احتقان يسود واقعا مأزوما، مهيئا للانفجار في أي آن.

Visited 996 times, 2 visit(s) today
شارك الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن