كيف يشكل الرأي العام عبر الصورة الإخبارية؟

كيف يشكل الرأي العام عبر الصورة الإخبارية؟

د. خالد العزي

تم نقلها من الكرملين أثناء لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والفرنسي  ايمانويل ماكرون، بتاريخ 7 فبراير الحالي، من القاعة الرئيسية للكرملين “قاعة كاثرين”، كانت واضحة بأن المسافة بين الرجلين باتت بعيدة جدا، بسبب الفراغ الذي فرضته الطاولة نتيجة التباعد الاجتماعي الذي فرضته جائحة كورونا على اللقاءات حتى المصيرية. اللقاء بات واضحا بأنه  سينتهي عن أي اتفاق بينهما بخصوص الأزمة الأوكرانية، حيث حاول الرئيس ماكرون تقديم نفسه كوسيط أوروبي لنزع فتيل الأزمة وفتح الحوار الدبلوماسي وعدم السماح بالتوجه نحو الحرب.

إذن الصورة كانت لها الكلمة الفصل، في لقاء دام خمس ساعات بين الرجلين، حول  الطاولة حيث كانت بعيدة والمسافة تمنع من التطمين، حتى أصبح التفاهم أبعد من موسكو وباريس.  

لا أعرف لماذا التفكير السريع  بمحتوى الصورة أثناء متابعتي للقاء الروسي الفرنسي  وما تحمل الصورة في مضمونها، حيث تذكرت قصة حادة حصلت معنا في بداية العام 1990 في كلية الصحافة في سانت بطرسبورغ، عندما كانت مادة التصوير مادة أساسية في الكلية، وعلى الجميع اجتياز المادة. طبعا مشكلة الإعلام في روسيا بأنها مهنة دعائية أكثر من كونها مهنة اجتذاب وقدرات، خاصة للأجانب الذين وقعت معهم في هذه الكلية  بسبب تغيير اختصاصات وعدم القدرة على المتابعة في اختصاصات أخرى، فكان لنا زميل من سورية من منطقة الحسكة، يدعى يوسف بحي، من الأقليات الذين يعيشون في سورية ولا يتكلم العربي ولا الروسي بطلاقة، وكان وقوعه في الكلية صدفة وربما حاول الخروج بمهنة للمستقبل من خلال وجوده في كلية الإعلام . فكان الاتجاه الحقيقي نحو التصوير كمهنة قادمة له، وكان يجول في الشوارع ويصور ماهرات الحزب الشيوعي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والاحتفالات الشعبية والوطنية. وكنا نعتبره مصورنا الذي بات يفرح جدا بأخذ الصور لنا. ولقد استطاع تأمين مختبر صغير لإنتاج الصور التي كانت  بالأسود والأبيض، وأصبح يقدم نفسه على أنه فنان في فنون التصوير الصحافية. فجأة حدثت مشكلة حطمت صعود نجمه التصويري المتصاعد، عندما كان يوجد في الصف عندنا امتحان لاجتياز مادة التصوير تحت مشروع عنوانه “كيفية التعامل مع الكاميرا وتجميع صور للمناسبات المختلفة التي تبين التمكين والحرفية في التصوير”، حيث كان صديقنا يتغنى بأرشيفه الواسع، والقصة التي حاول إخفائها عنا يوسف البحي بأنه  زار سورية وقد عرف بوجود معرض للصور أقامه وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس لعرض إنتاجه الفني، مما دفعه لزيارة المعرض الذي كان زواره من أركان الجبهة التقدمية، ويوسف عضو في الحزب الشيوعي الكلاسيكي فصيل خالد بكداش، مما استوجب منه شراء العديد من الصور لمصورين بارزين، وتصوير العديد من الصور لشخصيات حزبية وسياسية، وقد طمع صديقنا بأنه سيقدم مشروعه على علامة ممتازة جدا ترفعه إلى مرتبة عالية، كونه مصور من الدرجة الأولى. وعندما عاد إلى سورية كان وقت تقديم المشروع، مما دفع الخبير بالتعرف على أعمال الطلاب، وعندها سأل المحاضر اين البحي، وقف البحي ورأسه كاد يخبط في السقف من الاطمئنان والكبرياء لأعماله الفنية المقدمة، رد المحاضر بطريقة تهكمية على عمل البحي: 

– ما هذه الزبالة التي تقدمها في مشروعك؟ ألم تمسك كاميرا احترافية بحياتك؟ مشروعك مرفوض.

فتقدم البحي إليه وقال:

– هذه الصور بالإجمال من معرض أهم المصورين في سورية، وكل صورة ثمنها عالٍ جدا. للحقيقية لم تعجبني ولا صورة ولكن في المعرض كانت الناس تتعجب بطبيعة هذه الصور والأعمال التصويرية. بالمناسبة هذه الصور لوزير الدفاع السوري، وهو من صورها وعرضها في معرضه.

كان رد المحاضر على بحي:

– أنت مصور فاشل، بس صحافي ممتاز.. لأجل الصحافة الصفراء، لأنك كذاب كبير يا  بحي.

يوسف البحي لم يترك الكاميرا ولم يستطع أن يصبح موهوبا، بالرغم من استمراره في اعتناق الشيوعية البائدة بعد الانتهاء من الدراسة. لقد أصبح يعمل في “الشاورما”، واليوم بات مهاجرا في ألمانيا يعيش على الخدمات التي قدمتها الدولة للمهاجرين واللاجئين. 

إن الصورة المشهورة تلعب دورا تحليليا  في إبراز الخبر، والصورة الحقيقية تلعب دورا واضحا في شرح المضمون والمحتوى المتصل بالحدث. تأتي أهمية الصورة في صحافة الإنترنت، كما في الصحافة المطبوعة، كما في الوسائل المرئية باعتبارها عنصرا بارزا يجذب انتباه القارئ أو زائر الموقع، وتقع عليها عينه قبل النص، ولذلك يجب أن تستغل المساحة التي تحتها أفضل استغلال، بحيث يكتب عليها التعليق المناسب. 

ونظرا لأهمية الصورة فقد سميت باسمها أشكال عديدة من التطبيقات الصحفية المرتبطة بها، فظهر ما يعرف “بالصحافة البصرية” (Photo Journalism) 

أو “الصحافة المصورة” (Pictorial Journalism) 

أو “الصحافة الفوتوغرافية” (photographic Journalism).

لذلك تتمتع الصور الإخبارية التي تختارها وتنتقيها لعدة خصائص من خلال التالي:

1- الشكل :  ويقصد بها الخصائص التي يكون فيها الشكل في خدمة المادة الخبرية، وأبرزها، والذي يحدد فيها الحجم المناسب، أي  يجب ألا تكون الصورة صغيرة جدا، وإلى الحد الذي لا يجذب الأنظار إليها، ويمر عليها القارئ دون التوقف عندها، لأن صغر الحجم يجعل القارئ غير محيط بتفاصيلها. حيث يشكل الوضوح في كل جوانبها وأبعادها وتفاصيلها، وكذلك تحمل التنوع في أحجام الصور الخبرية المصاحبة للمواد الخبرية والمساحات التي تحتلها على الصفحات كونها بالأسود والأبيض.

2- أما  المضمون فيجب أن يكون ذات صلة قوية ووثيقة بالحدث الذي وقع بكل تفاصيله وأشخاصه ونتائجه المسجلة بآلة التصوير، لكي تحمل الصورة عدة وظائف  فعلية كالوظيفة البصرية الإدراكية التي تنبّه قارئ الصحيفة أو زائر الموقع إلى الموضوع الصحفي المعين، فالصورة – باعتبارها عنصرا بارزا – تجذب العين مباشرة إلى المادة الصحفية والوظيفة الطبوغرافية، التي تمثل  إلى جانب العناوين والنص والأشكال الأخرى، المهمة من عناصر بناء الصفحة، سواء كان ذلك في الصحيفة أو الموقع الإلكتروني، أو الفيديو، فهي إذن عنصر توازن وعنصر تنوع، والوظيفة الاتصالية التي تؤدي وظيفة اتصالية مكملة ومتممة للنص، باحتوائها على ما يمكن اعتبارها معلومات.

إذن الصورة لها قوة تأثيرية على الرأي العام في تدعيم الأخبار المكتوبة التي تنشر، حيث أصبحت الصورة كائنا حيا يتحرك بكل حرية في زمن صحافة الإنترنت، أصبح ذلك التأثير خطيرا من خلال تدعيمها بالمحتوى الرقمي.

تعتبر  الصورة في الإعلام عنصرا بارزا يجذب انتباه القارئ أو زائر الموقع او مشاهد الفيلم الصغير، وتقع عليها عينه قبل النص، ولذلك يجب أن تستغل المساحة التي تحتها أفضل استغلال، بحيث يكتب عليها التعليق المناسب. ولأن زائر الإنترنت لا يقرأ النص كلمة كلمة، وإنما يبحث عن العناصر البارزة داخله كما بينت الدراسات، فإن التعليق على الصورة يجب أن يتضمن المعلومة أو المعلومات التي يراد إبرازها في الخبر أو الموضوع الصحفي المعين.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني