الرباط والقدس.. توأمة الوفاء لليلى شهيد تحت حصار الصمت
♦ تحقيق صحفي يوثق التزامن الرمزي لحدثين أقيما في يوم واحد (16 مايو 2026)، غداة ذكرى النكبة، لتأبين المناضلة الراحلة ليلى شهيد. يرتكز التحقيق على مراسلات خاصة وحصرية بين الصحفي والكاتب عبد الرحيم التوراني والناشطة المقدسية أمل النشاشيبي، ليرصد مفارقة المشهد: بين احتفاء علني مهيب برحاب كلية الآداب بالرباط بمشاركة قامات فكرية وإبداعية وازنة، وتأبين سري مباغت تحدى الحصار الأمني في حديقة بيت عريق بالقدس المحتلة. ينصهر في المادة وصف دقيق لأجواء الحفل المقدسي والكلمات الملقاة فيه، ليبرز جسرا روحيا عابرا للحدود شبكته ليلى في حياتها وتوّجته برحيلها ليظلل جناحاها مشرق الوطن ومغربه ♦
عبد الرحيم التوراني
في التاريخ نفسه، المصادف لتاريخ 16 ماي الحالي، أي لليوم الموالي للتاريخ المرتبط بالذكرى الموسومة بالنكبة لعام 1948، عاشت المنطقة العربية ملحمة متوازية عبر الجغرافيا والحصار. فبينما كان المغرب يحتفل بتأبين ليلى شهيد في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في مدرج الشريف الإدريسي، بمبادرة كريمة من مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد.. في هذا اليوم السبت 16 ماي 2026، في القدس كان أصدقاء ومحبو ليلى شهيد يجتمعون لغاية الهدف النبيل، في حفل تأبين ليلى شهيد. موقع الحفل كان هو: شارع عبيدة بن الجراح رقم 1 مقابل مدرسة دار الطفل العربي. والمكان هو بيت خاص لعائلة من بيت الحسيني.
كواليس السرية..
كواليس هذا الحفل المقدسي بدأت خيوطها تُغزل سرّا عبر الفضاء الرقمي، ففي رسالة على بريدي الإلكتروني توصلت بها من السيدة الكريمة أمل النشاشيبي تطلب مني الانضمام إلى لجنة تأبين الفقيدة ليلى شهيد. كان شرفا حظيت به. وحملت الرسالة صيغة نداء موجه لشخصي، جاء فيه:
“الرجاء توصيل هذه الرسالة إلى عبد الرحيم التوراني
(…) وفاء لليلى، حارسة ذاكرة المدينة الأبدية، سنستحضر ذكراها في القدس في 16 أيار 2026، وندعوكم لمشاركتنا لجنة التأبين.
سيتحدث في حفل التأبين أصدقاء وأحباء مقربين من ليلى عاصروها ورافقوها في أهم محطات حياتها المليئة بالعطاء والنضال والإنجازات المبهرة، كما سيتحدث أصدقاء لها من أعمار مختلفة لامست حياتهم وآثرتها. ومن القدس سنقدم لها كل الحب والامتنان.
نرجوا موافاتنا بموافقتكم على الانضمام للجنة التأبين في موعد أقصاه 2026/4/22
لجنة تنسيق حفل التأبين: أمل النشاشيبي، هدى الإمام، ابراهيم الحسيني، رنا النشاشيبي وهداية الحسيني.”
***
بعد الرد بالإيجاب طبعا، كتبت لي أمل مبرزة خلفيات هذا الاختيار والدوافع الإنسانية وراءه:
“مرحبا أستاذ عبد الرحيم. أنا أمل النشاشيبي من القدس. قرأت ما كتبته عن ليلى شهيد في أكثر من موقع. وشعرت أنك تعرفها عن قرب، وأنك أصدق من عبر عن فقدانها الذي لا يعوض في 100 سنة وأكثر. آمل بل أُصَلِّي أن تكون طفلة تسير الآن في القدس، أو بيروت أو الرباط ستكبر وتنضج وتشع نورا مثل ليلى.
إذا ما تكاتفنا معا للحفاظ على تراثها ونشره بين الأجيال القادمة، سيحظى العالم العربي بقامات، إن لم تبلغ قامة ليلى، ستسعى إلى أن تحظى بإحدى خصالها.
الرحمة والرضوان لروح ليلى .
أنا من رشحك بقوة أن تكون أحد أعضاء لجنة التأبين في القدس”.
***
لكن إقامة نشاط ثقافي في القدس المحتلة ليس بالأمر الهيّن.. بل هو معركة أمنية وتحدٍّ لسلطات الاحتلال التي تسعى لطمس الهوية العربية.
في رسالة سابقة طلبتُ فيها موافاتي ببرنامج الحفل، ردت علي أمل النشاشيبي لتكشف حجم المخاطر والسرية التي أحاطت بالتحضيرات، حيث لم تتكشف التفاصيل والتحضيرات للمدعوين، ولم يتم الإعلان عن مكان الاحتفال إلا في يوم التأبين نفسه. وكان المكان هو حديقة بيت من بيوت القدس العريقة، بيت سعيد أفندي الحسيني، أحد أقرباء والدة ليلى، السيدة سيرين. أما البرنامج فقد تم توزيعه عن طريق البريد الالكتروني ولم يُطبع خوفا من الملاحقة
كتبت أمل مفسرة ذلك التكتم الشديد:
“صباح الخير أخي عبد الرحيم. أكتب لك بالنيابة عن نفسي وعن زملائي في لجنة التحضير لإقامة حفل تأبين السيدة ليلى شهيد. نكرر الشكر لك على الكلمات الرائعة التي كتبتها في وداع حيبتنا ليلى. استعملنا كلماتك عنوانا للمنشور الذي أعددناه للمناسبة.
للأسف، لا أستطيع أن أرسل لك معلومات للنشر قبل أن يقام الحفل بسلام. الشرطة الإسرائيلية تمنع إقامة أي نشاط في القدس مرتبط بالقضية، حتى ولو كان عملا فنيا. الشرطة تصل إلى المكان وتمنع الدخول. لذا نحن نعمل بحذر شديد. لن نعلن عن المكان حتى آخر ساعة ونأمل أن ننجح.
كل المواد التي أعددناها مسجلة، ما عدا بعض الفقرات التي ستكون حية بالطبع. وتلك سنجلها إذا لزم الامر ونقوم بتحضير فيديو.”
استحضار “العمالقة” وجغرافيا الطفولة
في الحديقة المقدسيّة العريقة، افتتحت أمل النشاشيبي البرنامج بكلمة ترحيب بالحضور، مستعرضةً علاقة ليلى الوثيقة بالقدس، عبر زيارات رافقت فيها والدتها سيرين إلى القدس وأريحا قبل احتلال المدينة في عام 1967. وتحدثت عن أقارب ليلى من عائلتي العلمي والحسيني الذين كانوا يستقبلونهم، ومنهم الخال الكبير موسى العلمي في أريحا، السياسي الكبير المحنك الفذ الدمث، المجاز من كلية الحقوق في جامعة كيمبريدج، والذي كان يحتل أعلى منصب متاحا للعرب في حكومة الانتداب البريطانية، وانزوى بعد النكبة في مزرعة ضخمة أسسها في أريحا لكي يجمع فيها أبناء اللاجئين فيتيح لهم الالتحام بالأرض مجددا.
وفي القدس، استحضرت أمل الخالة هند الحسيني، التي استضافت في بيت العائلة أطفال مذبحة دير ياسين الذين فقدوا الأبوين، فوفرت لهم دارا أسمتها “دار الطفل العربي” قدمت لهم الرعاية والتعليم والترفيه، وأضافت إليهم مئات الأطفال الأيتام من أنحاء فلسطين ومن الشتات، وشيدت في الدار متحفا للحفاظ على تراث الأرض الفلسطينية لكي تغذي هويتهم وانتمائهم. هذا كان الحيز الذي جالت فيه عيون ليلى في طفولتها، حيث كانت ترى رجالا ونساء عمالقة يحافظون على ذاكرة الأرض ويرعون الأجيال الفتية بتفان. وفي المقابل، كانت والدتها سيرين ترى عند مدخل المدينة القديمة بيت عائلتها وراء السور الذي شطر المدينة إلى قسمين عام 1948، ترى بيت جدها فيضي العلمي، مسرح طفولتها، ولا تستطيع أن تصله، وعيون ليلى تراقب وتسجل.
من ضمة البنفسج إلى أروقة الدبلوماسية الدولية
توالت الشهادات الحية والحميمة لمن رافقوا الراحلة في محطات معينة من حياتها:
دومنيك ادة: بدأت الكلمات بحديث حميم لصديقة عمر ليلى، وهي سيدة لبنانية مارونية، تذكرت كيف جاءتها ليلى يوما حاملة ضمة بنفسج وأسطوانة وجلست تحدثها عن القدس وعن عائلتها، وكيف اصطفتها ليلى إذ رأت فيها الإنسانة التي عبرت فوق الطائفية الضيقة إلى واحة الإنسانية الرحبة.
محمود درويش: تبع ذلك قراءة مقتطف من شعر الشاعر الراحل الذي رافقته ليلى في مشوار طال بهما بمرور الأيام، حيث كانت الرابطة بينهما هي إتقان اللغة التي تعبر عن نضال شعب ملحمي.
ماهر المصري: زميل ليلى ورفيق دربها في الجامعة الأمريكية في بيروت، وصف أجواء الجامعة في زمن الثورة الطلابية التي هزت العالم العربي بعد هزيمة 1967، وهي الفترة التي دخلت فيها ليلى الجامعة وسرعان ما استلمت رئاسة تحرير جريدة الجامعة “The Outlook” (أي المنظور). وشهد لليلى بقدراتها الاستثنائية في تشجيع التعبير الحر واستقطاب الأقلام الطلابية بكثرة وبدون تحيز، مثنياً على ذكائها الحاد في تحييد دفة الإعلام في جامعة كانت تموج بالخصومات الطاحنة بين اليمين واليسار.
مروان عبد الحميد: تحدث الغزاوي مروان عن السيدة الدبلوماسية المضيافة في باريس، مستحضرا يوما اصطحبته فيه إلى مطعم في الشانزليزيه، وما أن همّوا بالترجل من السيارة حتى باغتتهم مجموعة من طلاب مدرسة ثانوية راحوا يهتفون بحماس: “ليلى.. ليلى.. ليلى…”، وهو موقف لا يزال الرجل مذهولا منه. وتحدث عن ليلى الدبلوماسية التي نسجت علاقات على أعلى المستويات مع كافة الفئات السياسية والإعلامية والثقافية في فرنسا، وظهرت على شاشات التلفزة في حوارات لا حصر لها فصار صوتها ووجهها وقضيتها موجودين في كل بيت فرنسي.
هدى الإمام: صديقتها المقدسية هدى تحدثت عن دور ليلى الفريد في الدبلوماسية حيث أبرزت دور الثقافة في محاربة الصور النمطية عن الفلسطينيين في الإعلام الغربي، وصاغت أسلوبا متفردا في النضال لإظهار الوجه الإنساني الحضاري للشعب من خلال مئات العروض الفنية والتظاهرات الثقافية التي نظمتها شخصياً لفنانين ومثقفين فلسطينيين في باريس وبروكسيل، وتبني حركة ترجمة نشطة للأدب العربي والفلسطيني إلى اللغات الغربية.
مزنى الشهابي: تحدثت عن ليلى الصديقة الوفية التي تهتم بصدق في أحوال من حولها، والدبلوماسية والإعلامية الفذة التي تزن الأمور بحنكة وبصيرة لا مثيل لهما، فهي تعرف متى عليها هي أن تتكلم لتستأثر باهتمام المستمع لتوصل رسالتها، ومتى تفسح المجال أمام الآخرين ليتحدثوا عندما تشعر أن لديهم الإمكانية للتأثير بطريقة مباشرة وفعالة أكثر، مؤكدة أن ليلى طاقة نافذة في حياتنا لن تغيب أبدا.
رنا النشاشيبي: قدمت صديقة ليلى عرضاً لكتاب سيرين الحسيني شهيد “ذكريات من فلسطين” الذي اتخذت فيه سيرين من القدس نقطة انطلاق لاستعراض الحياة إبان الانتداب البريطاني. وركزت رنا على العامل المشترك بين شخصيات فلسطين المختلفة وهي صعوبة العيش واستحالتها تحت الاحتلال البريطاني ابتداء من عائلتها في القدس التي وصفتها بنوستلجيا حميمية، مستعرضة حيوات سيدات فلسطينيات على مساحة الوطن امتلكن قدرات استثنائية على التحمل وإدارة دفة الأمور بحنكة. وكانت مقاربة السيدة رنا الأبرز هي أن خصمنا يرفض السلام نهائياً وكليا، مقارنة كيف انتهى المفاوض والمقاتل في فلسطين ضد الإنكليز والصهاينة بنفس النتيجة، وهي الإلغاء المطلق لكليّهما، وكيف لا يزال الوضع على حاله بفارق أن أمريكا ورثت دور بريطانيا “العظمى”.
نقولا كاسيانديتز (القنصل الفرنسي العام في القدس): أشار في كلمته إلى أن الرئيس الفرنسي ماكرون خطّ صفحة كاملة في رثاء ليلى، بينما لا تحظى شخصيات مهمة بالعادة إلا بسطرين، ثم ذكر شيئا فاجأ فيه الحضور وهو: “أن لفرنسا حصة في ليلى”.
تتالت بعدها كلمات أقارب ليلى، ومنهم ابنة خالتها التي عدّدت خصال ليلى وسمو أخلاقها.
شجاعة الحضور.. وصدى الكلمة المغربية
بفضل التكتم والإصرار، انقضى الحفل بسلام رغم التضييق الأمني الخانق. وفي تغطية مختصرة وصلتني لاحقاً من أمل النشاشيبي، وصفت شجاعة الحضور والواقع الثقافي المرير في المدينة المحتلة:
“كان الحضور من الاشخاص الذين تجرأوا أن يحضروا بالرغم من الإجراءات القمعية ضد النشاطات الثقافية الفنية الفلسطينية في القدس. هؤلاء قرروا المجاذفة بسبب حبهم وتقديرهم لليلى شهيد. كثيرون آثروا أن لا يحضروا لخوفهم من التنكيل الذي يحصل إذا ما تم اقتحام المكان”.
وتضيف: “قدرنا أنه إذا أقمنا احتفالا مصغرا في بيت خاص فقد لا نتمكن من الإفلات من سطو الأجهزة…. هدف الاحتلال من منع النشاطات في الأماكن الثقافية العامة هو طمس أي عمل يبرز الهوية العربية الفلسطينية في القدس. وهم حاليا في صدد إغلاق مسرح الحكواتي نهائيا…”.
بعد مرور الحفل بسلام، بعثت لي أمل برنامج الحفل المدرج في المنشور (Brochure) الذي أُعد خصيصا للمناسبة، متبوعا برسالة تفيض بالامتنان لصدى التأبين في المغرب، والدهشة الثقافية من بلاغة كتابات أدبائه الذين تصدروا المشهد، حيث كتبت بوفاء مقدسي خالص:
“إليك كلمة الافتتاح في حفل تأبين السيدة ليلى شهيد .
ولكن في البداية أريد أن أعبر عن ما شعرته وأنا أقرأ المراثي التي خطها الأدباء المغاربيون. وأنت أولهم.
شعرت أنها تنم عن حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، ممسكة بتلابيب اللغة العربية: مفاتيحها ومفاتنها. وتعبر عن ثقافة راقية وملكة أدبية عربية عظيمة ووفاء وسمو أخلاقي رائع.. ونحن الذين كنا نعتقد أن الفرنسيين أحضروكم إلى بيت طاعة لغتهم. الله دركم يا أحفاد الاندلس.
آسفة لن أرسل كلمة الافتتاح لأنها تلخبطت عند رفعها على الشبكة. لا أعرف السبب. سوف أحاول أن أحل المشكلة وأرسلها لك لاحقا“.
مع الاحترام والمودة
أمل النشاشيبي
روح بجناحين
بين رصانة مدرج الشريف الإدريسي في العاصمة المغربية الرباط، وحذر الحديقة العريقة لبيت سعيد أفندي الحسيني في قدس الأقداس، تحركت الجغرافيا في ذلك اليوم المشهود لتلغي المسافات والحدود. كأنما طافت روح ليلى شهيد بجناحين من نور، لتظلل في آن واحد مشرق الوطن العربي ومغربه، معلنة برحيلها توأمة جديدة في كتاب الوفاء لفلسطين.
في الرباط كما في القدس، تلاشت الفوارق وتوحد النبض.. فالكلمات والشهادات البليغة التي صدحت في مغرب الوطن، والتي باح بها الأدباء والمفكرون والمبدعون: محمد الأشعري، وإلياس صنبر، وعلي أومليل، وسيمون بيتون، وأنيس بلافريج، ومرسيل خليفة، ومحمد برادة… لم تكن مجرد رثاء بروتوكولي، بل كانت تنطق بنفس الروح، وتفيض بذات المحبة المتجذرة لفلسطين، وتتقاسم لوعة الحزن العميقة لفقدان ليلى شهيد.
لقد تلاقت مرثية أحفاد فاتح الأندلس وبلاغتهم الحضارية مع صمود وتكتم المقدسيين الشجعان في حديقتهم المحاصرة، ليرسما معا لوحة وداع تليق بسيدة الكلمة وحارسة الذاكرة. وإذا كان الاحتلال قد نجح في تسييج الأرض وإغلاق الفضاءات الثقافية العامة في القدس، فإنه قد عجز تماما عن حجب هذا الجسر الروحي الممتد الذي شبكته ليلى في حياتها وتوّجته في غيابها، ليظل صوتها كما أرادت له دائما.. يميل مع الحق، ويملأ الدنيا بصدى الحرية الذي لا يخفت.
