غويتيسُولو المُثقّف التنويريّ والمُفكّر والرّوائيّ الكونيّ
د. السّفير مُحمّد مَحمّد الخطّابي
عرفتْ أعمال الكاتب الإسباني-الكطلاني خوان غويتيسُولو الأدبية تطوّراً هائلاً في خضمّ الأزمنة والأمكنة التي عاش في كنَفها الكاتب، بحُكم صلاته بزملائه الكتّاب الآخرين؛ مثل: كورتاثار، وغارسيا ماركيز، وبرغاس يوسا، وكارلوس فوينتيس، وأمريكو كاسترو وسواهم، الذين جاهدوا جميعُهم -وهو معهم- من أجل دعم الثورات السياسية، والسّعي وراء التجديد الإستاطيقي، سواء في اللغة أو في صناعة الأدب، وكانوا يتميّزون بنظرةٍ سياسية شمولية لم يكن لها وجودٌ في إسبانيا إلاّ لِمَاماً. كانوا يثورون ضدّ العالم الثنائي للقطبيْن الذي كانت تملأه الشكوك والقلاقل، واكتشفوا الخديعة الكبرى التي كانت تزيّنها لهم الثقافة الرّسمية حول تاريخهم الحقيقيّ وجذورهم، وحول قدَرِهم وتوجّهاتهم الجماعيّة، حيث كانوا يَرَوْن في الأدب الحقّ فرصة لتحرّرهم وانعتاقهم.
وسط تلك المعمعة والملحمة، أطلّ غويتيسولو في مستهلّ حقبة الستينيّات من القرن الفارط؛ إنه الباريسيّ إقامةً، والكطلانيّ-الإسبانيّ جنسيةً، والمراكشيّ تبنّياً. كان مثبط الهمّة من جرّاء تراجع وتقهقر اليسار، ومذعوراً من تدرّج صعود اليمين المتطرّف وزمرته، وذلك ما أمسينا نراه اليوم في إسبانيا وفي بعض البلدان الأوروبية. في تلك الظروف الانتقالية الصّعبة، طفق غويتيسولو في كتابة روايات من نوع جديد، وسار على نفس الدّرب ما ينيف على أربع أحقاب. كان يتميّز بأسلوبه المُميّز الذي تطبعه السّخرية الذكيّة، والتلميحة المُرّة، والتهكّم اللاّذع الذي يعود بنا إلى أزمنة سيرفانتيس وكيفيدُو، أو إلى أبي عثمان الجاحظ وعبد العزيز البِشْري.
غويتيسُولو: صوتٌ متفرّد بين معاصريه
كان غويتيسولو من أبرز الكتّاب الإسبان نظراً لما يمتاز به من صوتٍ أدبيٍّ متفرّد بين باقي الأدباء من بني طينته، ولنوعية كتبه ورواياته المتعدّدة، التي أثارت جدلاً ما زال يُسْمَع صداه إلى اليوم ليس في إسبانيا وحسب، بل وفي الأوساط الأوروبية والأمريكية والإنجليزية والعربية كذلك، لجرأتها وخاصّيتها وإشكاليةِ الإبداع فيها التي تنطلق من التعامل مع اللغة من منظور تفجيرها وتفكيكها، وتغيير مسارها، وإعطائها نفسَاً إبداعياً خلاّقا، كما أنه يُعتبر مثالاً للاستقلال الفكريّ والثقافيّ، وممثّلاً للالتزام والتجديد في الأدب الإسباني المعاصر.
في معرض إعجاب غويتيسُولو بالعرب وتراثهم وحضارتهم ولغتهم، نلاحظ أنّ استيعابَه وتمثلَه للفضُول الأوروبيّ الشّره جعله يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مُواطن إسباني من نوع خاص؛ عاشقٍ لأنماط الحياة والثقافات واللغات من مختلف المناطق الجغرافية، لا ينحصر عشقُه ولهُه بكيبيدُو، أو غونغورا، أو ستيرْن، أو فولتير، أو مالارميه، أو جويسْ، بل يتعدّاه كذلك إلى ابن عربي، وأبي نواس، وابن حزم، وإلى التركيّ جلال الدّين الرّومي. إنّ هناك عوامل إيجابية وطاقات إبداعية هائلة مختلفة من كلّ نوع لهؤلاء وأولئك على حدّ سواء؛ فعندما يكلّف المرءُ نفسَه عناءَ تعلّم لغةٍ صعبة جدّاً مثل اللغة العربية وقد جاوز السبعين من عمره، فإنه ينبغي أن تكون هناك دواعٍ عميقة لذلك. والحقيقة أنّ الدواعي كانت موجودة عنده، فهو يعتقد جازماً وعن كلّ قناعةٍ أنه يستحيل فهم الثقافة الإسبانية وهضمها بشكلٍ شاملٍ ودقيق دون استيعاب التراث الإسلاميّ ومعرفة الثقافة العربية، وكلما دخل في هذه الثقافة، تأكد له بشكلٍ جليٍّ قيمة وأهمية ما ورثه الإسبان عن تلك القرون للوجود الإسلاميّ في شبه الجزيرة الإيبيرية.
إنه يرى، من ناحية أخرى، أنّ هناك جانب المودّة في العلاقات الإنسانية التي انعدمت في المجتمع الأوروبي الذي كان يعيش فيه وينتمي إليه؛ ففي مدينة مراكش التي كان قد اختار الإقامة فيها، يخبرنا أنه كان في إمكانه أن يكتب وأن يقرأ، كما يمكنه الخروج للنزهة والتحدّث إلى الناس البسطاء، وليس مثل ما هو عليه الأمر في باريس ونيويورك اللتين انعدمت فيهما العلاقات الإنسانية وتلاشت.
نستشفّ من هذا الكلام العميق أنّ غويتيسولو كان يشعر بتعاطفٍ كبير نحو الثقافة الإسلامية، فقد قرأ نصوصاً دينية إسلامية كثيرة تهمّه جدّاً، مثلما يقرأ أعمالاً لماغلان، أو ابن عربي المُرسي، أو سان خوان دي لاكرُوث، بمعنى أنها كانت تبدو له وسيلة تعبير أدبي راقٍ جدير بالإعجاب.
أثار غويتيسولو بهذه الأفكار ردودَ فعلٍ متباينةٍ في الأوساط الأدبية والثقافية الإسبانية، التي ضمّنها كتبَه أو مقالاتِه التي لا تخلو من نقدٍ لاذعٍ للمجتمع الإسباني وللمثقفين الإسبان بشكل عام، ورميهم بروح الانغلاق، وعدم تفتّحهم على ما يدور حولهم من تظاهرات ثقافية خاصّة لدى جيرانهم العرب.
مراكش الحمراء في قلب اهتماماته وإبداعاته
كان خوان يثير هذه المواضيع في مختلف المحافل والمنابر، نظراً لما يربطه بالعالم العربيّ من أواصر المودّة والإعجاب، حيث تحتلّ مراكش بالذات حيّزاً مهمّاً في أدبه، وبالخصوص في روايته “مقبرة” أو في سيرته الذاتية “منطقة مُسيّجة محظورة”، و”أسابيع الحديقة” التي تجري بعض أحداثها في حيّ القصبة، أو في سواها من الدراسات حول الحضارة العربية مثل كتابه “إسبانيا في مواجهة التاريخ.. فكّ العُقد”، وحول الدّور الكبير الذي اضطلع به المسلمون خلال وجودهم بالأندلس، وإيمانه القويّ في قُدْراتهم الإبداعية وعطاءاتهم الثرّة في مجالات العلوم على اختلافها، وفي حقول الآداب والشعر والفكر والفلسفة والموسيقى والمعمار، وحول التقارب الذي ينشده بين العرب وإسبانيا بحُكم العوامل التاريخية والحضارية والجغرافية، ودعوته المتواصلة إلى إسدال ستائر الحقد والضغينة، وإزاحة حُجب التجاهل والتنافر والتنابذ والبِعاد، والتعرّف عن قرب على ما يجري في البلدان العربية من غليان فكريّ، ونهضة ثقافية، وتطوّر حضاريّ في مختلف الميادين.
إذا كانت “ساحة جامع الفنا” الشهيرة قد أصبحت تراثاً إنسانياً لا ماديّاً اليوم من طرف منظّمة اليونسكو العالمية، فالفضل في ذلك يعود لغويتيسولو. يقول صديقُه الكاتب “فرناندو ديّاث بلاخا” عن هذه الساحة الفريدة: “إنه لكي نغوص في عمق التاريخ ونجول في الماضي البعيد، ينبغي لنا أن نقوم بإطلالة على (ساحة جامع الفنا)، فساعة يدنا في هذا المكان السّحري قد تتحوّل في رمشة عين إلى ساعة رملية، إذ نشعر ونحن في خضمّها أنّنا قد عُدنا الزّمانَ القهقرى مئات السنين. إنّها السّاحة التي تُرْوى فيها قصيدة (السّيد) و(لاثيليستينا) و(كورباتشّو)، حيث يغدو الشارعُ شبيهاً بسيرك كبير مباشر مُقسّم إلى أطراف وأجزاء، إلى أناس يتجمهرون زرافاتٍ ووحداناً في كلّ مكان، تتوفّر فيه جميع الأذواق التي تستجيب لكلّ الرّغبات وتُرضي كلَّ الأعمار”.
لقد عشق غويتيسولو مراكش وساحة جامع الفنا التي اعتبرها امتيازاً فريداً تمكّنه من الغطس في عالم قد اختفى، وعندما كان يتحدّث عن مراكش، فإنه يشير إليها بأنها مدينته. كانت إقامته الطويلة في المغرب فرصة للتأمل والكتابة والقراءة في التراث والحضارة المغربية والعربية والإسلامية، وهو ما ساعده على ما أنتجه من كتب وقصص وروايات مستوحاة من عمق الثقافة المغربية، ومن واقع المجتمع المغربي بمختلف تجليّاته وخصوصيّاته.
في حفل تكريمه بعد رحيله، تحدّث عنه عدد من الكُتّاب المغاربة، فأشارُوا إلى أنه تعلّم لغة ولهجة أهل مراكش وخاطبهم بها، وجلس في مجالسهم، واندمج في حياتهم البسيطة؛ حيث يعرفه الصانع التقليدي، والتاجر، وأصحاب الحلقة، وجيرانه في الحيّ الذي يقطنه، وسكان الأحياء العتيقة في المدينة التي كان يرتادها، كما عاشر وجالس ثلة من المثقفين والمبدعين وأهل العلم والسياسة وحقوق الإنسان. وعند تسلّمه جائزة سرفانتيس من ملك إسبانيا عام 2015، أعلن أنه “يتشرّف بإهدائها إلى سكّان مدينة مراكش الذين احتضنوه بحنوّهم ومودّتهم ورحّبوا بشيخوخته المتعبَة”.
ليست الضيافة المتميّزة التي حظي بها الكاتب وحدها التي جعلته الابن الروحي للمغرب، بل جاء ذلك من اهتمام وتقدير الكُتّاب والمترجمين والقراء في هذا البلد له، الذي تمتاز فيه الحركة الثقافية بالحيوية والانفتاح والتفاعل مع الآخر. وتضيء شهادة الصّديق إبراهيم الخطيب، وصديق غويتيسولو، جانباً من هذه الصورة: “الرّجل يُعتبر آخر المورسكييّن، الذي اهتمّ بالثقافة العربية والإسلامية اهتماماً كبيراً”.
عندما كان الشاعر الصّديق حسن نجمي رئيساً لاتحاد الكتاب عام 2003، مُنحت لغويتيسولو العضوية الشرفية في هذا الاتّحاد. وفي السنة نفسِها، طلب منه نجمي أن يكرمه اتّحاد كتّاب المغرب فرع مراكش، فأبى، وقال له إنه لا يحبّ التكريم، ولم يقنعه إلاّ عندما قال له: “إننا سنقيم لك يوماً دراسياً حول أعمالك”، إذّاك استجاب وتمّ دعوة العديد من المثقفين المغاربة لهذا اليوم، الذين تناولوا فيه بالدراسة أعمالَ خوان الروائية والفكرية، وكانت سعادته عارمة. كانت موضوعات فكره وثقافته لا تخلو من شجاعةٍ أدبية، وإنصافٍ مُحقّ للعرب والشهادة لهم بمواكبة التيارات الفكرية المعاصرة، واتّهام بني طينته الإسبان بالقصور في هذا المجال. كما أنّه كان معروفاً بمناصرته ودفاعه عن قضايا الإسلام والمسلمين والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.
دفاعُه المُستميت عن التكامل الثقافيّ العربيّ-الإسبانيّ
يدافع غويتيسولو عن مغزى التداخل والتكامل بين الثقافتين العربية والإسبانية، عكس ما يحدث في إسبانيا في الوقت الراهن من ميولاتٍ إقليمية وانفصالية منكمشة ومنغلقة على نفسها، إلاّ أنّ تدخّلاته في هذا القبيل لم تكن مفهومة بما فيه الكفاية. إنّه يشير في هذا الصّدد: “أنّ الدفاع عن التعدّد الثقافي والتنوّع الفكري، أو تعدّد قنوات الثقافات القائمة في محيط بلدٍ مّا شيء، وإقامة حواجز بين هذه الثقافات وتصنيفها في حيازة فرَضيات ذات مضامين معّينة وطنية أو محليّة شيءٌ آخر مخالف للسّابق. إنّ ثقافة من هذا القبيل منكمشة على نفسها لهي ثقافة مُنكِرَة لوجود سواها من الثقافات؛ فالتزوير المتعمَّد للماضي التاريخي، وتشذيب أو حذف أو التغاضي عن كلّ ما هو أجنبيّ من الثقافات من شأنه أن يُفقر أو يُفسد الحقيقة في حدّ ذاتها. كما أنّ ذلك يُشكّل حاجزاً يقف حجر عثرة في سبيل التداخل المتناغم للثقافات. إنّ المثال الأعلى للفكر التعدّدي هو أن يكون فكراً متقبّلا ومفتوحاً خلاّقاً. وانطلاقاً من هذا المفهوم، فإنّنا نورّط أنفسَنا ونجعلها تغيّر موقعَها الحقيقي من تاريخ إسبانيا. إنّ النيّة المبّيتة التي تُجرِِّد جميع تلك المعطيات من عناصرها الصالحة بشكلٍ تعسّفيّ لهويّة وطنية مّا، لهي نيّةٌ تتّسم بنظرة ضيّقة ومنغلقة، ذلك أنّ تاريخ أيّ شعب إنّما هو خلاصة التمازج الحضاري والتأثيرات الخارجية التي استقبلها وهضمها. وإسبانيا خيرُ مثالٍ للبلدان التي استفادت بشكلٍ إيجابي مباشر وكبير من الحضارة العربية التي تألّقت وازدهرت وبلغت أوجها فوق ترابها زهاء ثمانية قرون ونيّف، بالعطاءات الثرّة في مختلف مجالات الحياة التي ما زالت تطبع الحياة الإسبانية وتميّزها عن سواها حتى اليوم”.
المغرب وإسبانيا: بَلَدَان محكومٌ عليهما بالتفاهم!
يصرّ غويتيسولو أنه من الضروري أن نتعارف أكثر فيما بيننا، فما أفدح الجهل المتفشّي فينا! ينبغي أن نمحي من رؤانا المشترَكة جميعَ الصّور المشوَّهة والأفكار الخاطئة، كما ينبغي أن نُقصي عنّا جميعَ الرّواسب والتأويلات التي تحُول دون تعرّفنا ونطردُها من أذهاننا. أظنّ أنّ إسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرَهما معرفة عامّة كجاريْن عاشا على امتداد التاريخ واحداً بجانب الآخر، فرّقهما الجهلُ أحياناً بشكل يُجاوز كلَّ حدّ. إنه كان يرى انّ المهمّة الملقاة على عاتقنا واسعة ومتشعّبة؛ إذ ينبغي على إسبانيا أن تعمل على إعادة نشر لغتها وثقافتها في مجموع منطقة شمال إفريقيا، وإيفاد الأساتذة والمحاضرين، وإقامة جولات مسرحية، وتنظيم عروض سينمائية. وعلى المغرب من جانبه أن يقوّي حضورَه الثقافي بإسبانيا، وتقديم الصّورة الحقيقية للثقافة المغربية للرّأي العام الإسباني بنشر أعمال كُتّابه، وفنّانيه، وفولكلوره الثريّ.
ذلك ما أكّده في إحدى مقالاته في هذا الصدد؛ إنّه يقول: “إنّ تاريخ العلاقات الإسبانية المغربية كان موسوماً بنوعٍ من التباعد الذي يشكّل وصمةَ عارٍ في جبين الإسبان، تطبعه محاولات ذات نيّة حسنة من الجانبيين ولكنّها جاءت متأخّرة، وتميّزه كذلك فرصٌ محمُودة للتفاهم والتقارب ولكنّها غالباً ما تُقبَر في مهدها، إنّها جملةُ جهود إلاّ أنها غيرُ ذات جدوى لأنّها تسير ضدّ التيّار، تيار الزّمن الذي لا يُقاوَم”.
إنّ بُعْد إسبانيا عن المراكز المحرّكة للإمبريالية الأوروبية كان في إمكانه أن يجنّبها ارتكاب التعسّف التاريخي للدّول العظمى عندما قرّرت بجرّة قلم توزيع القارّة الإفريقية فيما بينها كما لو كانت توزّع قطعةَ حلوى؛ إنّ المنطق السليم كان معدوماً بالنسبة لإسبانيا في ذلك الوقت إزاء هذا الأمر بتورّطها فيه. بل إنه على الرّغم من الفتات الذي كان نصيبَها في هذا الحفل الاستعماري، جدير بنا أن نتساءل: كيف يُعقل أن يكون في مقدور إسبانيا احتلال جبال الريف، إذا لم يكن في استطاعتها تفجير واستغلال وتسكين المساحات الشّاسعة لمناطق “أراغون” و”إستريمادورا”، أو منطقة “سييرّا مورينا”..؟ لقد كان لابدّ لها أن تتحمّل آثارَ مرحلتين مُخزيتين لحرب لا فائدة فيها: اندحارُها في معركة أنوال، وفضيحة خروجها مستغاثة من هذه الحرب بفضل التدخّل العسكري الفرنسي.
إنّ قيام الجمهورية الثانية كان في إمكانها استغلال فرصة محو أخطاء إسبانيا الماضية لعدم ميلها للتحاور مع ممثلي الحركات الوطنية المغربية؛ إنّ شيئاً من هذا لم يحدث، وبدلاً منه فإنّ الحكومات، سواء كانت من اليمين أو من اليسار، قد اكتفت بمضاعفة تقوية ما كان قد بدأه الجنرال “بريمو دي ريفيرا”، وكان ذلك موقفاً مُخجلاً ترك آثاراً وخيمة بالنسبة لقضية الديمقراطية في إسبانيا، ممّا سنح للجنرالات المتمردين سنة 1936 استغلال النّصْب الإفريقي لفرض أربعين عاماً من الحُكم الفرنكاوي في إسبانيا.
إنّ انسحاب إسبانيا من مناطق شمال إفريقيا كان يعني بوضوح المحو التام لحضورها في تلك المناطق؛ إنّه هجران ميئوس منه، أو بمثابة استعمار ما يمكن أن يُوسَم بالأخذ والردّ، الذي لم يُقم أيَّ وزنٍ لمناطقها “المحروسة” في كلٍّ من الرّيف، وجبالة، وطرفاية، وإيفني. لقد حمل الإسبان معهم ما أمكنهم حمله ممّا كان في ثكناتهم ومراكزهم الرّسمية حتى الرّصاص، والميازيب، والصنابير. إنّ مشروع إحلال اللغة والثقافة الفرنسيتين بدل الإسبانية في منطقة الشمال ما زال مستمرّاً بشكل يصعب تداركه؛ إنّ شباب الناظور، والحسيمة، والشاون، وتطوان، والعرائش، وطنجة يتحدّثون الآن الفرنسية حتى وإن كانوا في العمق يؤثرون اللغة الإسبانية، وعدد المغاربة الذين يجيدون الإسبانية في تضاؤل سنةً بعد أخرى وهم يتلاشون كما يتلاشى جلد مطرقة.
ثمّ بدأت مهزلة حرب إيفني عام 1957، وعدم القدرة على السّيطرة على السّاقية الحمراء ووادي الذهب، وتشجيع إسبانيا لخلق حركة انقسامية أو انفصالية بين الصحراويين التي أفضت إلى نتائج خطيرة شبيهة بتلك التي سبّبتها إنجلترا في فلسطين (كذا)، ممّا أدّى من جهة أخرى إلى خلق مواجهة بين دول المنطقة والوقوف حجر عثرة أمام الجهود المبذولة من أجل بناء المغرب الكبير. إنّ أعمال الفئة السياسية في إسبانيا وعدم وضوح رؤيتها، واطّلاعها على مشاكل شمال إفريقيا، يُبيّن لنا بشكلٍ يدعو للأسف فقدان استراتيجية وطنية واضحة للحفاظ على المصالح المشتركة. في سيدي إيفني كان الوضع أكثر إثارةً للشّفقة والحُزن؛ فعندما انسحبت إسبانيا من هذه المنطقة فإنّها جلت عنها بصفةٍ نهائية، وقد تركت مبانيَ شبحية مخيفةً لا نوافذ لها ولا أبواب، ولم يبق أيّ قاطن إسباني واحد في هذه المنطقة، ولم تكن بها أيّة مدرسة إسبانية، ومن أجل اقتلاع كل شيء والقضاء على أيّ أثر في هذه المنطقة، فإنّ إسبانيا حملت معها حتى أمواتها في توابيتهم!
إنّ المغرب وإسبانيا لا يلبثان من تكرار التعبير المأثور وهو أنّهما بلدان محكوم عليهما بالتفاهم، وعلى الرّغم من أنّ هذه الصيغة مضبوطة وصادقة، إلاّ أنها مع ذلك لا ينبغي أن تشطّ بنا بعيداً؛ إنّ الصداقة بين البلدين لا يمكنها أن تترعرع في ظلّ أو شكل حُكْم مفروض بواسطة قدرية جغرافية، بل لابدّ لنا أن نخطو خطوة أخرى إلى الأمام؛ إنّ كلاًّ من القطاعات الاقتصادية، والسياحية، ومخططات التعاون، والمشاريع الصناعية… إلخ، لابد أن يواكبها تبادل ثقافي خصب ومكثف يزيد بلداننا تعارفاً وتقارباً أكثر من ذي قبل.
كما أنّ أهم وأبرز الجوانب في مسيرة غويتيسولو، من جهة أخرى، تكمن في اندماجه العميق مع فئات مسحوقة تعاني القهر والظلم، وتبنّيه لقضاياها ودفاعه عنها؛ فعندما كان لا يزال مقيماً في باريس، تعرّف على بعض مناضلي حركة “فتح” الفلسطينية ووضع قلمه في خدمة قضية فلسطين. وفي سنة 1988، سافر إلى فلسطين حيث كتب عن ثورة الحجارة بصفته “رجلاً معنياً مباشرة بالنضال الذي يخوضه شعبٌ للدفاع عن أرضه في مواجهة فظاظة الاقتلاع ومناخ الأساطير الخادع”.
سافر خوان أيضاً إلى سراييفو أيام الإبادة العِرقية التي مارسها الصّرب على أهلها البوسنييّن، وألّف عن رحلته تلك كتاب “حصار الحصارات” عام 1999. وعندما ذهب إلى الشيشان ورأى الويلات أصدر كتاباً بعنوان “عندما تُسدل الستارة”، وعمل مراسلاً حربياً في سراييفو والشيشان، وهي التجارب التي تحوّلت إلى تحقيقات ذات بُعد تحليلي عميق. كان غويتيسولو في كل مرّة يُحرج الغربَ بكتاباته ويَفضح الأنا الأوروبية المنغلقة على نفسها وأكاذيبها، ولقد سجّل مواقف مؤيّدة للحراك العربي بعد عام 2011.
ينبغي ألاّ يَعزُب عن بالنا في هذا المقام أنّ غويتيسولو وصف عمليات الطّرد التعسّفي، والتهجير القسري، والترحيل الجبري لأكثر من 300 ألف موريسكيّ من شبه الجزيرة الإيبيرية بأنها “بقعة سوداء” في تاريخ إسبانيا، وأنها كانت “عملية تطهير عرقيّ دمويّ”، ووصف الاحتفال بـ”استرداد إسبانيا” بمثابة الوصمة السوداء. وانتقد خوان التاريخ الإسباني الرّسمي على إنكاره للدّور المحوري للعرب والمسلمين في صياغة الشخصية الحضارية لإسبانيا في القرون الوسطى.
