مصطفى فهمي “أستاذا فخريا” بكندا: تتويج عالمي للمنجز الشكسبيري المغربي

مصطفى فهمي “أستاذا فخريا” بكندا: تتويج عالمي للمنجز الشكسبيري المغربي

عبد الرحيم التوراني

            شهدت الأوساط الأكاديمية والثقافية الدولية، يوم أمس الإثنين فاتح يونيو 2026، حدثا علميا بارزا تكرّس فيه الحضور المغربي في أعلى محافل الفكر العالمي، حيث أعلن مجلس أمناء جامعة الكيبيك في شيكوتومي (UQAC) بكندا وهيئتها العلمية العليا، عن منح الباحث والناقد والمفكر المغربي المرموق الدكتور مصطفى فهمي لقب “أستاذ فخري”.

يأتي هذا القرار الرفيع تقديرا لمساره الأكاديمي الحافل واعترافا بإسهاماته الدولية الوازنة كأحد أكبر المتخصصين والباحثين في أدب ويليام شكسبير على مستوى العالم، وصاحب الأطروحات الفكرية والأدبية التي حازت جوائز دولية رفيعة.

ارتقاء الدكتور مصطفى فهمي إلى مرتبة “الأستاذ الفخري” يحمل دلالة مؤسساتية وأكاديمية بالغة الأهمية، فهذا التكريم يعني أنه أصبح أستاذا جامعيا مرموقا مدى الحياة، محتفظا بكامل صلاحياته العلمية حتى بعد تقاعده الإداري. وتتيح له هذه الصفة مواصلة الإشراف على أطروحات دكتوراه الدولة، وقيادة المشاريع البحثية، ليبقى مرجعا وحجة علمية مفوهة لا تفخر به جامعته فحسب، بل تفخر به كندا بأسرها كمؤسسة علمية دولية.

من “صهد” كازابلانكا إلى صقيع الكيبيك

يختزل مسار مصطفى فهمي سيرة جيل من الطلبة المغاربة الذين قاوموا من أجل كرامة العلم والتحصيل. ولد فهمي في 16 أبريل 1961 بمدينة الدار البيضاء، ونشأ في أحيائها الشعبية العريقة ذات الزخم الإنساني، بين “حي الفرح” وحي “بين المْدُون”. ومن كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، شعبة اللغة الإنجليزية، بدأت خطواته الأولى، حيث دشن مسيرته الإبداعية شاعرا أصدر ديوانه الأول “آخر العنادل” بالدار البيضاء عام 1987، ثم ديوان “قصائد من الشمال” بمونتريال عام 1993.

مع هجرته إلى كندا في أواخر الثمانينيات، تابع دراساته العليا لينال الدكتوراه بتميز، ولينضم لاحقا إلى الطاقم التدريسي لجامعة شيكوتومي، التي تقلد فيها أيضا منصب نائب الرئيس المكلف بالتدريس والبحث والإبداع ما بين عامي 2012 و2017.

رسّخ مصطفى فهمي مكانته كأحد أبرز الأصوات العربية في المشهد الأدبي العالمي عبر محطات تاريخية غير مسبوقة، لعل أبرزها اعتلاؤه منصة “معهد شكسبير” بجامعة برمنغهام، إذ يُعد أول باحث عربي يُدعى لتقديم وإدارة ندوة علمية في هذا المعهد الموصوف بأنه “أفضل مكان في العالم لاستكشاف تأثير شكسبير عبر أربعة قرون”.

في هذا السياق أصدر دراسات مرجعية حظيت باهتمام نقدي دولي كبير، من بينها: “حكمة شكسبير الشعرية”، “غاية اللعب”، و”مسكن في غابة أردن”. كما نُشرت دراسته الوازنة “الخير الأسمى للإنسان” في الكتاب السنوي الدولي لشكسبير عام 2008.

أنسنة الأدب 

لم يتناول فهمي الإرث الشكسبيري بوصفه متونا جامدة، بل حوّل نصوصه إلى مرآة حية للتأمل في القضايا الكونية الكبرى كالحب والهوية والجمال والمعاناة الإنسانية. وتجلى هذا المشروع الأخلاقي في ثلاثيته الفلسفية الصادرة باللغة الفرنسية، والتي حظيت بإشادة دولية واسعة وقفت خلف حصاده لأرفع الأوسمة والجوائز، كجائزة معرض كندا للكتاب 2019 والميدالية الزرقاء للفنون والثقافة والتراث 2024..

  1. “درس روزاليند” (2018): قراءة في فلسفة الحوار والكرم والإنصات، حاز بفضلها على جائزتين أدبيتين وجائزة مجلة الفلسفة.
  2. “وعد جولييت” (2021): تفسير فلسفي يرى في الحب التزاماً أخلاقيا يعيد صياغة معنى الإنسانية، ونال عنها الجائزة الأدبية عام 2022.
  3. “جمال كليوباترا” (2025): عمله الأحدث الذي يقارب مفهوم الجمال من مناظير فلسفية وأخلاقية وسياسية متجاوزا أبعاد المادة الصرفة.

وبفضل أسلوبه الفريد الذي يزاوج بين السهولة والعمق والشاعرية، نجح فهمي في جعل الفلسفة متداولة في متناول القارئ العام، ناصعة وخالية من الحشو والغموض المفتعل، محولا الأدب إلى جسر حقيقي للحوار بين الثقافات.

تفرد المنهج

تضع الدراسات النقدية الغربية اسم مصطفى فهمي في سياق مقارن رفيع، إذ تلتقي أطروحاته مع الناقد الأمريكي الشهير هارولد بلوم في التركيز على البعد الإنساني وسبر أغوار النفس البشرية، لكن فهمي يباينه في خطابه السلس الموجه للجمهور الواسع لا النخبة الأكاديمية فحسب. كما يتشابه مع المؤرخ الأدبي ستيفن غرينبلات، غير أن فهمي يميل لقراءة الشخصيات من منظور أخلاقي كوني يتجاوز حدود الزمان والمكان.

عربيا.. يتمايز فهمي عن القراءات المسرحية التقليدية، كأعمال صلاح فضل وإبراهيم حمادة، بقدرته الفائقة على نقل النص الدرامي إلى حوار فلسفي معاصر، وإعادة اكتشاف الشخصيات النسائية الشكسبيرية كرموز فكرية قادرة على تفكيك المعضلات الوجودية وتفسيرها.

في غمرة هذا الاحتفاء الدولي تتقاسم الساحة الثقافية المغربية والعربية مشاعر الفخر والاعتزاز بهذا العالم الفذ الذي صهر في وفاضه “الأملاح والأحماض الأمينية الثقافية المغربية والعربية والكندية” في قالب كوني ممتع ومتقن.

وكما جاء في رسالة التهنئة البليغة التي وجهها صديقه التاريخي الكاتب والإعلامي المغربي لحسن العسيبي، محتفيا بمصطفى فهمي وبعائلته الممتدة (زوجته السيدة سعاد وابنيه الطالبين المتفوقين في جامعات مونتريال): “هنيئا للمغرب به، وهنيئا لجيله من زملائه الطلبة المغاربة المقاومين من أجل كرامة علم.. هيت لك أخي مصطفى.. إننا إذ نتقمص سيرتك، نُكمل بها”.

إن تسمية مصطفى فهمي أستاذا فخريا هي انتصار حقيقي للمبادئ الأخلاقية الفاضلة التي ما فتئ يدافع عنها في كتبه، تلك المبادئ التي تحمي المجتمعات، حسب تعبيره وتعبير الناقد الكندي إيفون باريه، من التحول إلى آلات صماء تسحق الأفراد وتحولهم إلى مجرد مستهلكين وأشياء.

بدوري أتقدم بأحر التهاني وأخلصها لصديقي العزيز مصطفى فهمي، معتزا بكوني بادرت مبكرا لتعريف القراء والمهتمين في المشرق خاصة بمشروعه الإنساني ومكانته الأدبية والفكرية المرموقة في مقال احتفائي حمل عنوان: “المغربيّ مصطفى فهمي يُطلّ من نافذة شكسبيريّة”،  نُشر بدورية “أفق” الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي في بيروت في شهر نوفمبر من العام الماضي 2025. فهنيئا لنا بوعيك.. وهنيئا للمنصة الأكاديمية العالمية بامتزاج طينك المغربي بآفاق الوجود الإنساني الرمزية.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!