أربع وأربعون سنة من الوحدة: الكتابة كدرع ضد النسيان
عزالدين الماعزي
بعض النصوص تأتي هكذا، دون ترتيب أو اعلان حضور، هكذا، من أمكنة وتضاريس ومسالك تحتاج إضاءة وإثارة فهي بحد ذاتها علامة كاملة لإيقاظ الذاكرة، ومنارة لإيصال الفكرة.
من منطق المتابعة والمشاركة لآلية النص/الرواية الذي بين أيدينا : “أربع وأربعون سنة من الوحدة” للكاتب محمد نفاع عن دار مملكة السعادة بمصر، والذي دون شك يصبح في ملكية القارئ، مما يجعل منها تجربة تحتاج إلى تمحيص وتشخيص وإبداع جديد. كلّ كتابة هي كتابة أخرى وإعادة إنتاج لكتابة ابداعية جديدة بمفهوم البلغارية الفرنسية ج، كريستيفا.
..هل التحكم في دهاليز النص دليل على التحكم فيه؟ أم هي الدهشة التي تتولد من قراءة الرواية، أم هو التعب “الجميل” الذي يتكون من ثنايا قراءتها، واستثمار تأويلات وتقنيات الكتابة وخصوصيتها، وجماليتها وبوحها الصريح والجريء.
يكتفي السارد بإخضاع عمله لبناء معماري هندسي الأركان، مستندا في دلالته وأبعاده إلى عناوين ممططة، وأخرى قصيرة تتوزع داخل الرواية بين الفصحى والعامية والفرنسية. تبتدئ ب(اعترافات مهاجر سري بلا هوية وبلا عنوان، وبدأت سيرة أربع وأربعون سنة من الوحدة، … إلى إنها الحرب يا قراء؛ والحرب خدعة، وتختتم ب شحال اصعيب أصاحبي تكون بلا هوية).
هذا البناء المشكل المضبوط، يواجهنا بتمرد الكاتب من أول سطر في العمل الروائي، فمنذ البداية يتبدى لنا المبدع محمد نفاع في صورة الروائي الذي يمنح المجال لشخصيته المتشكلة والمتميزة ب”هل كانت هي الشرارة الأولى التي دفعتني نحو الكتابة أم كانت ضربة حظ فقط، حينما طلب أستاذي.. من أصدقائي.. بأن يقفوا للتصفيق لي عندما وجد في محفظتي رواية البؤساء للروائي الفرنسي الشهير فكتور هيجو بعد أن حكيت لهم بعضا من محتواها؟”.. ص3
وهي دعوة أولية لفتح شهيتنا للمتابعة ولتكسير أحداث الرواية، وأفق انتظار القارئ، بل وربط علاقة الكاتب / السارد مع نصه، الذي يعتبره ينسجم مع ذائقته النفسية والفنية والجمالية، واتكائه على الأمكنة التي تنتمي إليها مدينته الفاضلة/ الدار البيضاء.
الرواية نصوص قصيرة جدا، معنونة تمتاز بالمناورة والاغراء وتنحاز إلى السجل الحكائي السير الذاتي، ومتابعته لليومي بكونه العارف الذي يتقن المعرفة عبر وضعيات وحكايات صغيرة تنطلق من البيت إلى الشارع، إلى الأم والأب، وتعود الخيوط إلى علاقته بهما وبينهما تتوالى متواليات سردية تخيط الدروب والأحياء وتذكر أسماءها وحوادثها..
تنتمي الرواية إلى الكتابة السيرية كما أشرت سابقا، وهي كتابة تحكي أولا حكاية شاب بلغ سنّا معينًا، ضائعا، يبيع سجائر الديطاي تحت شجرة الصاكة الصفراء بطريق الرباط…ص3، أما “اليوم راه كيبيع الديطاي في راس الدرب، وحاضي البق، ما يزهق. ص122
بتلاوين المعاناة والدهشة والمفارقة والتعبير الصادق، واللقطات المميزة تركيبا وتصويرا وتخييلا. يبدو متمردا في أحيان كثيرة و”عنيد حد أنك لن تستطيع أن تأخذ مني شيئا ولو بضربي بمدفع..”ص6، وفي تأسيس حلمه الذي طالما راوده بالسفر إلى الخارج والحريك، وكسب صداقة مع الأجنبي كي يتحقق الحلم وهنا يكمن صراعه مع التواجد والبقاء حيا وسط عالم دون قيم ومبادئ وعوالم وفضاءات مختلفة…
يكتب محمد نفاع كي يحقق حلمه الذي فشل فيه سابقا بالسفر إلى الخارج وليحقق حلما واحدا فقط، أن يكون كاتبا، لذلك يختزل المسافات لضمان لحظة الكينونة ويتوجه نحو الابداع تعويضا عن الاخفاق في الحياة. وما تميزه في الدراسة وقراءته للروايات وتشجيع أساتذته إلا تحقيقا لحلم أمه بضمان وظيفة لقمة العيش.
بعيدًا عن أشكال المراوغة والتحايل اللغوي يكشف لنا نفسيته المتوترة جدا ملتقطا التفاصيل بدقة، فاضحا الواقع المر ومنتقدا إياه بأشكاله الظالمة وكأنه ينتصر بذلك لضميره الحي وهو الراوي المتحكم في الحكي. “لم يكن يشبهني ذاك الوجود، كل شيء فيه خطأ، عنواني كان خطأ، أبي كان خطأ.. الشيء الوحيد والجميل الذي كان فيه صحيحا وجميلا ولم يكن خطأ هو أمي”.ص17
كتابة الذات هي الكتابة المتجددة تؤسس صلة الإنوجاد المتفرد أو التي تتماهى مع الجراح ولحظة البوح وطرح الأسئلة. يقول في ص16 “وكنت مثله كلما لعبت الماحيا برأسي وسكرت أبدأ في الحلم كحسن وأبدأ في طرح أسئلة كبيرة بمفاهيم لم أكن أدرك حينها معناها ولا مبدأها. كانت أسئلة حول وجودي ووجود الإنسان ككل!”
هل سألت لماذا أنا دائم الحزن والبكاء في صمت؟ ص17
تحولت المدينة لديه إلى “مرآة للذات” وسيرة لتفاصيل الحياة المتشعبة، يصغي فيها الى نبض آهاتها ويبحث عن انشطار ذاته في دروبها ومتارعها، وشطارته في شوارعها وضواحيها لتظل بذلك مدينة الاسمنت “الغول” برؤوس متعددة. “أوراق مبعثرة من عين السبع إلى الحي المحمدي ومن الحي المحمدي إلى عين السبع”..ص85
يستحضر أسماء معينة من طفولته وشبابه ورفاقه بين أحياء البيضاء وطنجة والنواحي وصراعه من أجل البقاء حيث يعيد بناء ذاكرته “الرواية كفعل لمقاومة النسيان” والمحو. تقول هويدا صالح :”أحيانا، أفاجئ نفسي بأنني لا أكتب الشخصيات… بل أعيش معها.. كأن الكتابة لا تنجبها، بل تفتح لها باب العبور إلى داخلي.” فالشخصيات تستعاد من الذاكرة وتتحول الرواية إلى بيت تسكنه الأرواح قبل الكلمات…
تتحول الذات إلى مشروع رواية ك” فعل حنين بل كآلية قراءة وتأويل” مستحضرا الماضي لحمايته من النسيان والسهو عبر نماذج من الشخصيات، كل منها يمثل حياة أخرى وضمنها أسئلة الذات والوجود والانعتاق نحو الحرية. “لم أكن مغرورا يوما ولا متسلطا، كانت نظراتي دائما إلى أسفل حيث توجد قدماي المتوجسة والمتلهفة دائما للموت من أجل الحياة..ص21
يكتب محمد نفاع “أربعة وأربعون سنة من الوحدة” رواية سيرذاتية بكل جرأة أدبية وبأسئلة حارقة فلسفية وجودية : لماذا أوجد هنا وليس هناك…لماذا أجلس تحت شجرة بعرصة بودراع وليس بمائدة فندق ريجنسي؟ أو أمنية ؟ أو سفير ؟… ص16
“لماذا تفلسفت وفكرت في التاريخ والمبادئ والحياة الكريمة والحقيقة والآخرين؟” ص38
“لم يجب أحد على أسئلتي.. لم أكن قط سعيدا يوما ما “ص48
لا تكاد تخلو روايته من فلسفته للحياة والحقيقة بطابع السخرية وتوظيف النكتة ” قالت لي جانيت : أش جابك في نصاصات الليل ؟
قلت لها : جابني الهوى أMon amour في الربعة وربع ” ص72
يتغدى النص الأدبي لديه بجرعات محبّة الفلسفة كطرح السؤال والدهشة والبحث في الوجود..” أتألم كثيرا بأفكاري أينما رحت وارتحلت…. هي الحقيقة، لا تستغربوا، أرجوكم ! أكملوا معي الطريق وسترون إن كنت صادقا أم كاذبا! فالحقيقة إما أن تكون صادقة أو كاذبة، فهي لا تقبل الاثنين معا؛ المنطق الأرسطي يقول هذا. ص114.
“إن المحرك الذي لا يتحرك بلغة أرسطو هو الله الذي وحده يستطيع أن يوقف نبضات قلبي وجسدي. وحده سيلا، أما الباقي فمجرد طريق أتجاوزها كلما بدأت طريقا آخر.” ص82.
يؤكد لنا بقوة العقلانية وبعشق الحياة والاستمرار في التشبث والمقاومة بالحلم والحياة “من يعشق الحياة؛ يرفض الموت على صدر خائب” ص73
“المجد للعقل، حيث يكون؛ تكون الحياة” ص102
يكتب السي محمد بجرأة العاقل المتفلسف المتسائل، موجها سؤاله اعترافه و”هكذا عرفنا الحياة وعرفنا الوطن”ص73 وال سلطة ورجال السلطة في زمن الرصاص..
(الشرطي الذي كان يسجل السجناء في ذاك اليوم، عندما وقفت قبالته من أجل تسجيلي صاح في وجهي : اسميتك.. وصاح مرة أخرى بقوة: اسميت امك الله ينعل طب.. امك.
هضر أولد القح.. مالك تصمكتي ؟ وكلما زادت اسئلته، زادت قسوته. كل هذا وقع لنا، وقيل لنا، ولا من دافع عنا، ولا حتى عوضونا! كما عوضوا أصدقاءهم…. كنت أتساءل… هل نحن كنا في حرب مع الدولة؟ لم أكن أدري! ص130/131
في الأخير، أترك الصفحة المعنونة ب” شحال اصعيب اصاحبي تكون بلا هوية وبلا عنوان” التي تعتبر شهادة سؤال محرج إلى القارئ… هل هي مذكرات؟ أم ستكون نصوص مختارة من رواية لم تنشر بعد ولا أظنها ستنشر؛ لأني بكل صراحة وللأسف بلا هوية ولا عنوان”
كانوا يسألونني باستمرار…. كنت أجيبهم : في وطن صغير، لا يمكن طرح أسئلة كبيرة.
