حرب لا تشبه سابقاتها.. الأبعاد الخفية للهجوم الأمريكي- الإسرائيلي على إيران

حرب لا تشبه سابقاتها.. الأبعاد الخفية للهجوم الأمريكي- الإسرائيلي على إيران

عمر بنعطية

        تحليل المشهد الراهن للحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران يضعنا أمام لوحة سريالية، تتداخل فيها الدبلوماسية المضللة، الملفات الاستخباراتية القذرة، والطموحات الإمبراطورية التي لا تعرف الحدود. لم يكن اندلاع هذه المواجهة زفرة غضب عفوية، بل كان خطة عسكرية باردة نضجت على نار هادئة، حيث كانت طاولة المفاوضات مجرد ستار دخاني وقاعة انتظار كبيرة أثثت المشهد بينما كانت غرف العمليات ترسم إحداثيات ساعة الصفر.

في عالم السياسة، غالباً ما تكون جولات المفاوضات الطويلة هي المخدر الذي يُعطى للضحية قبل الجراحة. لقد لعبت الإدارة الأمريكية دوراً تضليلياً بارعاً، فبينما كان المسؤولون العمانيون – بوصفهم الوسطاء التقليديين – ينقلون رسائل طمأنة مفادها أن طهران قبلت خفض تخصيب اليورانيوم كعربون ثقة، كانت الدولة العميقة في واشنطن وتل أبيب قد حسمت خيارها بأن الاحتواء لم يعد كافياً.. الحرب لم تكن خياراً لتصحيح مسار نووي، بل كانت غاية في حد ذاتها، وضرورة وجودية لإعادة صياغة خارطة النفوذ التي اهتزت في العقدين الأخيرين.

هنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف لرجل مثل دونالد ترامب، الذي بنى سرديته الانتخابية على إنهاء الحروب الأبدية، وطمح بحماسة لنيل جائزة نوبل للسلام، أن يصبح هو نفسه من يدشن أوسع حرب إقليمية قد تتحول إلى عالمية؟

الجواب لا يكمن في الجيوبوليتيك التقليدي، بل في الزوايا المظلمة لملفات الضغط والاستخبارات…

“فتش عن إبستين”…

هذه هي الجملة المفتاحية التي يهمس بها العارفون بخبايا الأمور، فسواء كان جيفري إبستين قد غادر الحياة أو توارى في مخبأ سري، فإن إرثه من ملفات الابتزاز والارتباطات المشبوهة مع أجهزة استخباراتية دولية يمثل القوة الخفية التي تحرك خيوط القرار في واشنطن…

 لقد بات أبو إفانكا يبدو في هذه الحرب كمنفذ لإرادة نتنياهو، الذي يقود الدفة فعلياً، محولاً الحرب إلى طوق نجاة سياسي له، وطريقاً ملكياً نحو “الشرق الأوسط الجديد” الذي يحلم به.

والهدف المعلن هو تغيير النظام في إيران، لكن هذا ليس إلا حجر الدومينو الأول…

 إذا سقط نظام طهران أو قُطع رأسه، فإن الارتدادات ستجتاح المنطقة من المتوسط إلى الخليج…

نحن لا نتحدث عن تغيير حكام بل عن محو أذرع واقتلاع نفوذ ضُربت جذوره على مدى أربعين عاماً.

الشرق الأوسط في “اليوم التالي” لهذه الحرب لن يكون يشبه ما قبله.. ستختفي التوازنات القائمة على الردع المتبادل، لتسود هيمنة أحادية تقودها إسرائيل، مدعومة بمظلة أمريكية لا تغيب عنها الشمس.

عالمياً.. تضج مواقع التواصل الاجتماعي برفض قاطع لهذه الحرب.. من طنجة إلى جاكرتا، ومن نيويورك إلى باريس، يدرك الناس أن هذه الحرب ليست نزهة تقنية..

الوقوف ضد الحرب هنا لا يعني بالضرورة عشقاً في نظام الملالي، بل هو وعي عميق بأوزار الحرب الاقتصادية…

 في عالم مترابط تتحول الصواريخ التي تسقط في أصفهان أو تل أبيب إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود والخبز على موائد الفقراء في المغرب والمشرق…

 لكن السؤال المرير يظل قائماً: متى كان للرأي العام اعتبار في حسابات أباطرة الحرب؟

 التاريخ يخبرنا أن الشعوب تصرخ في الشوارع، بينما القادة يوقعون أوامر القصف في الغرف المغلقة.

هل سينجح نتنياهو في تحويل الحرب إلى نصر “إبراهيمي” مطلق؟

المخطط يرمي إلى جعل إسرائيل القطب الأوحد في المنطقة، وقطف اعترافات مجانية من عواصم كانت مترددة، ونشر الأوفاق الإبراهيمية كقدر لا راد له…

 لكن التاريخ يعلمنا أن “اليوم التالي” في الشرق الأوسط غالباً ما يكون مخاضاً لولادة أشباح جديدة…

إن تدمير نظام ما لا يعني بالضرورة استقرار المنطقة، بل قد يفتح أبواب الفوضى الخلاقة التي لا يملك أحد مفتاح إغلاقها.

نحن أمام حرب هجينة.. رقمية في رصدها.. تقليدية في تدميرها.. واستخباراتية في دوافعها…

إنها حرب “إبستين ونتنياهو” بامتياز، حرب تُخاض بالوكالة عن طموحات شخصية وملفات سوداء، بينما يدفع ثمنها البسطاء من أمنهم وأرزاقهم…

إن اليوم الذي ستسكت فيه المدافع، قد لا نجد شرقاً أوسطاً جديداً ومزدهراً كما تروج الآلة الدعائية، بل قد نجد منطقة استُنزفت قواها ومُزقت أحشاؤها، ليتوج عليها إمبراطور في قلعة من رمال، وسط عالم يغلي على صفيح ساخن من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

وكأن التاريخ هنا يعيد نفسه في صيغته الهزلية الأكثر فجاجة.. كأن الجغرافيا في هذه المنطقة المنكوبة تحنّ لتتويج إمبراطور جديد يكون خلفاً للإمبراطور الفارسي شاه إيران… وبينما يبدو الكلام عن جلب ابن الشاه لإعادة إحياء العرش الطاووسي خياراً مرفوضاً شعبياً داخل إيران ولا يجد له صدىً في وجدان الشارع الإيراني، يبدو أن المخطط الغربي-الإسرائيلي قد وجد البديل: “إذن، اكتفوا بنتنياهو”...

نتنياهو الذي يسعى لاقتناص لحظة التتويج فوق أنقاض الدول لينشر أوفاقه الإبراهيمية كإمبراطور أوحد للمنطقة، متناسياً أن الإمبراطوريات التي تُبنى على الابتزاز والملفات السوداء ودماء الفقراء، هي إمبراطوريات هشة محكومة بالسقوط أمام أول عاصفة حقيقية لإرادة الشعوب…

إنها حرب لا تشبه سابقاتها، لأنها لا تكتفي بتغيير الحدود، بل تحاول تزييف التاريخ وتتويج “وهم” على عرش الحقيقة.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!