التفاوض الأمريكي مع إيران في ظل الضغط العسكري
د. خالد العزي
المطالب الإيرانية في مفاوضات مع الولايات المتحدة قد تتفاوت حسب السياق الزمني والسياسي، ولكن بناءً على تقارير سابقة ومواقف إيرانية معروفة، يمكن تحديد 15 مطلبًا رئيسيًا قد تضعها إيران في مسار أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، خاصة في سياق النزاع المستمر بعد الحروب أو تصاعد التوترات. وكانت أمريكا التي طرحت فكرة وقف الحرب تحمل ثوب استسلام واضح، يشبه عملية الاستسلام التي فرضتها الولايات المتحدة على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. وفيما يلي أبرز 15 مطلبًا محتملًا:
1-رفع كامل للعقوبات الاقتصادية: رفع جميع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بما في ذلك تلك التي تستهدف النظام المالي والمصارف الإيرانية.
2-الإبقاء على برنامجها النووي: ضمان أن البرنامج النووي الإيراني ليس جزءًا من أي مفاوضات جديدة، وتأكيد حقها في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية.
3-رفع الحظر على الصادرات الإيرانية: بما في ذلك النفط والغاز والمنتجات الأساسية الأخرى التي تشكل مصدرًا رئيسيًا لإيرادات إيران.
4-إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في الخليج: طلب إغلاق جميع القواعد الأميركية في منطقة الخليج العربي وأماكن أخرى بالقرب من الحدود الإيرانية.
5-إلغاء التصنيف الأميركي للحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية: إيران تعتبر الحرس الثوري جزءًا أساسيًا من هيكلها الأمني والسياسي وتطلب رفع هذا التصنيف.
6-الوقف الكامل للهجمات الإسرائيلية ضد حلفاء إيران (مثل حزب الله): إيقاف الهجمات الإسرائيلية على الحلفاء الإيرانيين في لبنان وسوريا وأماكن أخرى.
7-تثبيت حقوق إيران في مضيق هرمز: الإصرار على فرض رسوم مرور على السفن العابرة في مضيق هرمز، الذي يعد أحد أبرز الممرات البحرية الحيوية.
8-استعادة الاتفاقات العسكرية مع روسيا والصين: السماح لإيران بمواصلة علاقاتها العسكرية مع روسيا والصين، بما في ذلك شراء الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية.
9-الاعتراف بسيطرة إيران على مناطق نفوذها الإقليمي: ضمان أن القوى الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، تعترف بنفوذ إيران في العراق، سوريا، اليمن، ولبنان.
10-وقف التحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط: من خلال سحب بعض القوات الأميركية من العراق وسوريا وغيرها من المناطق التي تعتبرها إيران ضمن مجال نفوذها.
11-التمويل الكامل لبرنامجها الصاروخي: التأكيد على أن البرنامج الصاروخي الإيراني يجب أن يكون خارج أي محادثات أو مفاوضات بشأن الحد من التسلح.
12-تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الهجمات العسكرية: مطالبة الولايات المتحدة بتعويضات عن الهجمات العسكرية ضد إيران وأثرها على الاقتصاد الإيراني.
13-إلغاء “قانون قيصر” أو أي تشريعات تشدد الضغط الاقتصادي: إلغاء أي تشريعات تهدف إلى مضاعفة الضغط على الاقتصاد الإيراني، مثل “قانون قيصر” الذي يستهدف سوريا ولبنان.
14-تطبيع العلاقات مع الدول العربية: تحقيق بعض التقدم في تحسين العلاقات مع بعض الدول العربية، مثل العراق ولبنان، خاصة من خلال ضمان استقرار الحكومات الموالية لإيران.
15-تأكيد سيادة إيران على جزرها في الخليج: ضمان الاعتراف بسيادة إيران على الجزر التي تتنازع بشأنها مع الإمارات في الخليج العربي، مثل جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى.
في المقابل، طرحت إيران مجموعة من المطالب المعقدة التي تحاول حماية نفسها بالاتفاق القادم وتعزيز دورها كلاعب إقليمي. هذه المطالب تعكس استراتيجيات إيران في الحفاظ على سيادتها الإقليمية وتعزيز قوتها العسكرية والدبلوماسية، بالإضافة إلى الحفاظ على قدرتها الاقتصادية والتجارية في مواجهة الضغوط الغربية.
أما المطالب السبع التي وضعتها إيران في المفاوضات مع الولايات المتحدة، حسب ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”، هي كالتالي:
1-إغلاق جميع القواعد الأميركية في منطقة الخليج: تطالب إيران بإغلاق جميع القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في منطقة الخليج العربي.
2-دفع تعويضات عن الهجمات التي استهدفتها خلال الحرب: تطالب إيران بالحصول على تعويضات عن الأضرار التي تعرضت لها جراء الهجمات التي استهدفتها، سواء كانت من قبل الولايات المتحدة أو حلفائها.
3-ترتيبات جديدة في مضيق هرمز: تطالب إيران بترتيبات تسمح لها بفرض رسوم على السفن العابرة في مضيق هرمز، وهو واحد من أبرز الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم.
4-ضمانات تحول دون تجدد الحرب: تطالب إيران بضمانات من الولايات المتحدة والدول المعنية بأن الحرب لن تتجدد، وأن هناك آليات فعالة لمنع التصعيد العسكري المستقبلي.
5-وقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله في لبنان: تطالب إيران بوقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله، وهو أحد حلفائها الرئيسيين في لبنان.
6-رفع كامل للعقوبات المفروضة عليها: تشترط إيران رفع جميع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية.
7-الإبقاء على برنامجها الصاروخي خارج أي مفاوضات: ترفض إيران أن يتم التفاوض بشأن برنامجها الصاروخي، حيث تصر على أنه يجب أن يبقى خارج أي محادثات أو اتفاقيات.
التفاوض بين الطرفين في ظل أصوات المدافع
التوصل إلى تفاهم بين الطرفين المتحاربين، خاصة عندما تكون هناك مطالب متناقضة وصراعات معقدة مثل تلك التي بين إيران والولايات المتحدة، يتطلب استنادًا إلى مجموعة من المبادئ والأساليب في العلاقات الدولية. بناءً على هذه المطالب الإيرانية وغيرها من العوامل، يمكن النظر في بعض النقاط الرئيسية التي قد تسهم في التوصل إلى تفاهم بين الطرفين:
1-الدبلوماسية متعددة الأطراف
المفاوضات بين أطراف متعددة: غالبًا ما تنجح المفاوضات في حالات النزاع المعقد عندما يتدخل أطراف ثالثة محايدة أو وسطاء دوليين، مثل الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، أو دول ذات تأثير مثل تركيا أو قطر. هؤلاء الوسطاء يمكن أن يساعدوا في التخفيف من حدة التوتر بين الطرفين، حيث يمكنهم تقديم ضمانات للطرفين وتوفير منصة للتواصل والضغط الدبلوماسي.
والضغط الدولي والتعاون مع القوى الكبرى: إلى جانب الولايات المتحدة وإيران، يمكن لدول مثل روسيا والصين أن تلعب دورًا أساسيًا في الضغط من أجل إيجاد أرضية مشتركة. الدول الكبرى يمكن أن تسهم في إحداث توازن بين مصالح الأطراف المتنازعة من خلال تقديم حلول وسط.
2-مبدأ “التسوية والتفاوض” (Give and Take)
تقديم تنازلات متبادلة: في العلاقات الدولية، التوصل إلى تفاهم يتطلب من كل طرف تقديم تنازلات في بعض القضايا الرئيسية. على سبيل المثال، قد توافق الولايات المتحدة على رفع بعض العقوبات مقابل ضمانات من إيران بعدم التصعيد العسكري أو فرض قيود على برنامجها الصاروخي. في المقابل، قد تقبل إيران ببعض القيود على برامجها النووية أو العسكرية مقابل الحصول على التطمينات حول الأمن الإقليمي.
واقامة اتفاقيات جزئية: في بعض الحالات، يمكن للطرفين التوصل إلى اتفاقات جزئية تضع أسسًا لتقارب تدريجي، مثل وقف إطلاق النار أو خفض التصعيد في مناطق معينة (مثل اليمن أو سوريا) قبل التوصل إلى اتفاق شامل.
3-استخدام “القوة الناعمة” (Soft Power)
بناء الثقة عبر الحوار: من خلال الحوار المستمر، يمكن للطرفين بناء الثقة تدريجياً. قد يساهم استخدام “القوة الناعمة” من خلال المنظمات غير الحكومية أو الدبلوماسية العامة في تحسين العلاقة بين الطرفين. على سبيل المثال، قد يتم تنظيم لقاءات ثقافية أو اقتصادية تُظهر أن التعاون بين الطرفين يمكن أن يكون مفيدًا للطرفين.
وتقديم تحفيزات اقتصادية: إيران قد تقبل بتنازلات في المجالات النووية أو العسكرية مقابل تحفيزات اقتصادية، مثل المساعدات الدولية أو التعاون التجاري، خاصة إذا كان هناك ضمانات بعدم تكرار فرض العقوبات.
4-ضمانات أمنية واعتراف بالحقوق السيادية
ضمانات أمنية: الأمن هو قضية حساسة بالنسبة لإيران، حيث يعتبر الحرس الثوري الإيراني والتصعيد العسكري الأميركي مصدرًا للقلق. لذلك، قد يكون الحل في تقديم ضمانات أمنية، مثل التزام الولايات المتحدة بعدم استخدام القوة العسكرية ضد إيران أو التدخل في شؤونها الداخلية. هذا قد يتطلب من الأطراف المتحاربة توقيع معاهدات تحظر الهجمات العسكرية أو نشر القوات العسكرية في مناطق محددة.
ايضًا الاعتراف بحقوق السيادة: إحدى الطرق لتسهيل التفاوض هي ضمان أن الولايات المتحدة تقبل بنفوذ إيران في مناطق معينة مثل العراق وسوريا واليمن، مع مراعاة مصالح الأطراف الأخرى في المنطقة.
5-استخدام آلية العقوبات الذكية
تطبيق العقوبات الذكية: بدلاً من فرض العقوبات العامة التي تؤثر على الاقتصاد الإيراني بشكل كامل، يمكن للطرفين التوصل إلى تفاهم بشأن العقوبات الذكية، أي تلك التي تستهدف الأفراد أو الكيانات المرتبطة بأنشطة غير قانونية (مثل دعم الإرهاب أو انتهاك حقوق الإنسان). هذا النوع من العقوبات يمكن أن يساعد في الحد من التأثير السلبي على الشعب الإيراني وفي الوقت نفسه تحقيق أهداف السياسة الخارجية.
6-مفاوضات على مراحل
التفاوض على مراحل: بالنظر إلى تعقيد المطالب الإيرانية، من الممكن أن يتم التفاوض على مراحل. يمكن للطرفين بدء المفاوضات بتحديد اتفاقيات قصيرة المدى، مثل وقف التصعيد العسكري في مناطق معينة أو تعزيز التعاون في مجالات محدودة، ثم الانتقال تدريجيًا إلى القضايا الأكثر تعقيدًا، مثل البرنامج النووي الإيراني وحقوق الإنسان.
7-دور المجتمع المدني والمنظمات الدولية
دور المجتمع المدني: في بعض الأحيان، يمكن لمنظمات المجتمع المدني والمجموعات غير الحكومية لعب دور الوسيط غير الرسمي في تحفيز المفاوضات. تلك المنظمات قد تساهم في التوصل إلى حلول ترتكز على المصالح الإنسانية والاقتصادية دون الدخول في تفاصيل السياسة الإقليمية المعقدة.
دور المنظمات الدولية: دور الأمم المتحدة أو الوكالات الدولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) يمكن أن يكون مفيدًا في المراقبة والضمانات. على سبيل المثال، قد تراقب الوكالة الدولية للطاقة الذرية تنفيذ الاتفاقات النووية لضمان عدم وجود تطورات مقلقة.
8-التركيز على المصالح المشتركة
التعامل مع القضايا الإقليمية المشتركة: قد تسهم القضايا الإقليمية مثل محاربة الإرهاب في سوريا والعراق أو التعامل مع الأزمة الإنسانية في اليمن في تسهيل الحوار بين الطرفين. التعاون في هذه المجالات قد يساهم في بناء الثقة وتخفيف حدة التوترات بين إيران والولايات المتحدة.
إن التوصل إلى تفاهم بين إيران والولايات المتحدة في ظل هذه المطالب المعقدة يتطلب مزيجًا من الدبلوماسية الاستراتيجية، التنازلات المتبادلة، وبناء الثقة على مدار الوقت. يعتبر التعاون متعدد الأطراف واستخدام آليات “القوة الناعمة” والعقوبات الذكية جزءًا أساسيًا من استراتيجيات التعامل مع الأزمات المماثلة.
إذن، الولايات المتحدة لم تنهِ الحرب ولم تدخل في هدنة، بل هي قد عملت على ضربات تم تحديد مدتها لمدة خمسة أيام قابلة للتمديد كي تستطيع إيران بلورة شروطها والذهاب للتفاوض. وهذا يعني أن التفاوض لا يعني إنهاء الحرب، بل هو بداية لمرحلة جديدة من التفاوض في ظل شروط قاسية من الطرفين.
