التوطين المسرحي و”التمشخير”!
نجيب طلال
سؤال الوقت:
نعم، الوقت ليس هو الزمن والزمن ليس هو الوقت؛ فالوقت يعد ثروة مجتمعية وفردية في آن واحد، وتنظيمه واحترامه من أهم أسباب نجاح أي إنسان باختلاف توجهاته ومستواه الاجتماعي. إن “الوقت هو عمرك في الحقيقة”، كما لمح أبو حامد الغزالي في كتابه البداية والهداية؛ وعند أهل التصوف، فالوقت قوامه روحي وأخلاقي وليس مجرد قياس. وفي هذا الباب قيل: “إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها” 1.
قد يبدو للقارئ المفترض أن هذا خطاب فقهي، لكن خطاب ابن القيم الجوزية خطاب مجتمعي مزدوج المعنى. وارتباطاً بكل هذا، يبرز التساؤل: لماذا أغلب المسرحيين لا يحترمون الوقت؟ هو سؤال فرضته طبيعة التجربة لحظة حضور عرض مسرحي أو لقاء فكري؛ فلا تجد إلا وانتظار الجمهور والمهتمين هو سيد الموقف. هل هي حالة مرضية؟ أم استهتار؟ أم نرجسية مفرطة؟ أم هشاشة في القيم والأعراف؟
في سياق ما أسميناه بـ “التوطين التمشخير”، أشرنا علناً أننا سنخصص عما قريب ورقة في الموضوع، وذلك التزاماً بمبادئنا الإبداعية والفكرية. وهاته الإشارة جاءت بناءً على تدوينة مفادها: “رغم مقاطعتنا للعديد من الأنشطة الثقافية منذ سنوات خلت، لأن أصحابها ومنظميها أضحوا مستهترين أكثر من ذي قبل! لا يحترمون الوقت والمواعيد المحددة، ولا يقدرون انتظار الضيوف”.
ورغم ذلك، وحتى نظل بعيدين عن خانة العدمية ولكي لا نسقط في مربع النرجسية، حضرنا في وقته وساعته، وانتظرنا أكثر من نصف ساعة لنشارك جسدياً وروحياً إخواننا في موضوع الإخراج المسرحي والميديا؛ احتفاء باليوم العالمي للمسرح وفي إطار التوطين، لكن تبين أننا أمام “التمشخير”. فبين التوطين والتمشخير، تشعر أنك مسخرة وأضحوكة أمام هدر الوقت بدون مردودية معنوية، وأنك كائن تافه أمام الانتظار. انتظار مَن؟ ومَن هم؟ ومن نحن؟
فإلى متى سنحترم الوقت؟ وإلى متى سنقدر الزمن الذي نعيشه ونفكر فيه؟ فالحديث عن الرقمنة هو حديث عن الانضباط والتنظيم العملي، وبالتالي فاحترام الوقت هو احترام للذات أولاً، وقيمة أخلاقية ثانياً. لكن أمام التأخير وانعدام تقدير قيمة الوقت، يغدو الانسحاب سلاحاً وقائياً من التمشخير؛ حفاظاً على نفسيتك ودم وجهك، وكذلك كان الصور حجية كلام 2. فالظاهرة التمشخيرية سنتعقبها عبر السؤال الضمني: مَن هم؟ ومَن نحن؟ الذي هو صلب الموضوع، وللوصول إليه لا مناص من تفكيك التدوينة التي تنشطر إلى ثلاثة مستويات:
أ- إدانة ذاتنا الحاضرة:
بكل تجرد، ووعيها بالاستهتار الوارد تجاه التوقيت مئات المرات، وهذا من بين الأسباب الجوهرية التي أبعدتنا عن العديد من الأنشطة الثقافية منذ سنوات خلت. فمن خلال اليومي وتجاربه، تتشكل رؤية المرء نحو ما هو أنفع وأجدى، ليتشكل تلقائياً من الدازاين/Dasein؛ أي: “أن الدازاين هو الكائن الذي هو أنا نفسي في كل مرة، الذي كينونته هي لي في كل مرة” 3. مادامت لدينا إحساسات ومبادئ لطرح أسئلة على وجودي الأنطولوجي بشكل عام، فحينما نصنف أنفسنا ضمن “كائن تافه أمام الانتظار”، فهو إدانة مبطنة لأصحاب التظاهرة أو النشاط؛ باعتبار: “أنا هو وفي النهاية بأقوى ما يمكن حين لا يكون هذا الكائن”. وإذا كان قوام الدازاين القاضي بأنه “لي” في كل مرة، وهو العلة في 4؛ لأن الانسحاب يعدم كينونة التافه في نظرهم، بل على العكس يقوي الكينونة.
وهنالك أمثلة يصعب حصرها في مجلد حول الاستهتار بالوقت؛ ففي أحد المهرجانات السينمائية بفاس، كان الافتتاح والتكريم مدرجاً في الساعة 16:30 مساء، فلم يبدأ إلا في الساعة 19:15 ليلاً. ومن عجائب الاستهتار بالوقت، انسحاب الجمهور والمتتبعين للشأن السينمائي، دون أدنى إشارة للاعتذار أو شرح أسباب التأخير. وبالتالي، فالقلة القليلة هي من تفهم ماهية الوقت بالشكل الصحيح. فربما يظن الكثيرون أن الوقت هو أمر خارج عن سيطرتهم وإرادتهم، وأنه ليس بمقدورهم التحكم به، لكن باستحالة معرفة ماهية الوقت سيستحيل علينا معرفة أمور مرتبطة ارتباطاً تاماً بالوقت. وهذا يدفعنا إلى:
ب- نقاش الاستفزاز المعرفي:
التدوينة استفزت بعض القوم من بطانة سدوم، وبدل النزول لنقاش معرفي أعمق عن الوقت وثقافته، اجترحوا أسلوب الشتم والهروب من حقيقة الأمور. والإشكالية العظمى أن: “عقل الإنسان معد كي يفتتن بالكذب أكثر بكثير من افتتانه بالحقيقة” 5. والمسألة طبيعية جداً لارتباطها عملياً بضحالة فكرية وثقافية، وما خوفهم من مواجهة الحقيقة -وإن كانت ضرباً من الوهم حسب تعبير نيتشه- إلا لأننا في واقع الأمر لا نخاف الحقيقة بحد ذاتها، بل نخاف ما ستفعله بنا؛ باعتبارها تهدد استقرارنا النفسي وتكشف الهشاشة السلوكية والمعرفية لأصحاب ندوة ذات عنوان أكبر من حجم حقيقة إبداعهم الإخراج المسرحي والميديا: إعادة تشكيل الخطاب الجمالي والفرجة الرقمية. لقد سقط هؤلاء في فخ اللااستقرار والهشاشة، نتيجة غياب الهدف الواضح، ومن ثمة يصبح الوقت بلا قيمة واضحة؛ فتأخرت أو لم تلتزم بالمواعيد، سيان! لكن: “تحول الوقت عبر الزمن بفعل التطور الحضاري والوعي الثقافي العلمي، من كم مهمل إلى عبء مجتمعي، ومن عبء إلى ثروة شخصية ومؤسسية، ومن ثروة إلى أكثر الثروات ندرة وقيمة؛ هذا ما يجعل طرق استخدام الوقت وكيفية استغلاله تغدو من أهم العوامل المؤثرة في تنمية قدرات الفرد” 6. وهذا يؤدي بنا إلى:
ج- صلب التمشخير:
بداهة، أن التمشخير تعبير دارجي شعبي وظفه الإخوة المراكشيون بكثرة بحكم طبيعتهم الفكاهية والمرحة، حتى انتشر في ربوع الوطن. فهذا التعبير قد أزاح مفردة “تَتْفلا”، ودلالتها متعددة، أبرزها الاستهزاء أو السخرية من شخص ما. وفي سياق موضوعنا، فمسألة التوطين 7 تجاوزنا نقاشها، لكن يلاحظ أنه أمسى يمارس فيه وعليه التمشخير. وإن كان أغلب المستفيدين منه لم يفهموا أبعاده ومراميه في سياق سوق الشغل وأهداف الصناعة الثقافية، فالأهم عندنا هاهنا هو تكرار نفس الأسماء والوجوه، ولماذا يتم تفعيل التمشخير في سياق التوطين؟ إذ لا قيمة للوقت رغم أنه ثروة لا تعوض، ولا قيمة للجمهور الذي يظل ينتظر سراب المشاركين!
الإشكالية لا تكمن رأسياً في المنظمين، بل فيما يسمى الأطر لتنشيط ندوة ما، أما بالنسبة لعرض مسرحي فالمسؤولية تقع على عاتق المخرج. فكيف نبخس الوقت وقته بسهولة، ليمارس ذاك الندواتي/ المحاضر/ المؤطر/ المدرب تمشخيره على المهتمين باستخفاف وبدون اعتذار: “فحب الذات عند هؤلاء هو منبع السعادة لهم.. فقد تجد أحدهم يرى أنه أذكى رجل في العالم، وآخر لا يفهم في الموسيقى أكثر مما يفهم حصاني وصوته أسوأ من صوت الحمار ويرى أنه أعظم مغن.. والأعجب أن تجد من يصدقهم” 8.
فمَن هم؟ ومَن نحن؟ سؤالنا المنطرح في التدوينة كانت إجابته: “الانسحاب”، وهو ليس حالة مرضية أو نرجسية، بل تموقف إجرائي من تصرفات غير جدية في موقف يُفترض فيه الجدية. “ومن جانبي، دع الآخرين يذكرون رأيهم فيما كتبت، وإنني أرى أن مدح الحماقة ليس من التفاهة؛ إن الحرية منحت لعقول الكل ليتعاملوا مع أخطاء البشر بذكاء” 9. فبحكم ثقافتنا المقلوبة، ما لم يفهمه البعض هو أن الذي يحضر لندوة ليس تلميذاً قاصر الإدراك، بل يحضر لبلورة معارفه وأفكاره. لهذا، فالذين يمارسون التمشخير في أي لقاء فكري، ويحضرون متى انتهت جلسة “الجعة”، يعانون من إشكال سلوكي؛ لأن: “هذه الكينونة-معاً- الواحد-صحبة الآخر تذيب الدازاين الخاص بالكلية في صلب نمط كينونة الآخرين… نحن نستمتع ونرفه عن أنفسنا كما هُم يستمتعون، ونحن نقرأ ونرى ونحكم على الأدب والفن كما هُم يرون ويحكمون، لكننا أيضاً ننسحب من الجمع الغفير كما هم ينسحبون” 10.
وطبقاً لـ الدازاين، فالمعرفة والثقافة ليست حكراً على أحد. لكن بحضورنا، نحن نضخم صورة الآخرين ونقلل من أنفسنا حين لا يُحترم الوقت. فكيف سيتم احترامنا كمستمعين ولنا في مقولة أبي حامد الغزالي حكمة: “وأوقاتك عمرك، وعمرك رأس مالك وتجارتك”. أما المجتمعات التي أهملت الوقت، فقد أهملها الوقت أيضاً وتركها خلفه تعاني التخلف 11. إن عدم احترام وقت ندوة أو عرض مسرحي هو بمثابة تمشخير قصدي على الجماهير. فكيف يمكن أن ندعم ندوة حضورها فردان أو ثلاثة؟ إذ إن رؤيتي للدعم المسرحي ومسألة التوطين تقتضي أن يوضع في سياقه المناسب، وأن يشترط شرطاً زجرياً بمذكرة صارمة ومراقبة أشد صرامة من لدن وزارة الثقافة إسوة بمذكرة وزارة الداخلية الأخيرة حول احترام الوقت، أو يكون شرط جزاء في دفتر التحملات؛ لأن ما يُصرف هي أموالنا التي لم تُرَد إلينا معنوياً بسبب هذا السلوك.
إجمالاً:
لنعلم جلياً بأن المسرحي المتخلق لا يتميز عن غيره إلا باحترام المواعيد المضروبة، والوقت المحدد لأي نشاط؛ لأن الوقت هو رأس المال حسب رؤية الإمام الغزالي. وباعتبار أن للوقت قيمة وقياساً عملياً نوظفه لتنظيم الحياة، بدل الانجراف وراء نزوات تضع الذات في خندق التمشخير، ليصبح التمشخير مركباً والتوطين حماقة. وبين التمشخير والحماقة خيط رفيع لا يراه إلا الراسخون في العلم والتجارب، ولكن إجمالاً: مَن المستفيد؟ لهذا: “فالآخرون قد انتزعوا منه الكينونة.. إن مشيئة الآخرين تتصرف في إمكانات الكينونة اليومية للدازاين… وليس بحاسم سوى هيمنة الآخرين غير اللافتة للنظر” 12.
_____________
الاستئناس :
1- الفوائد : لابن القيم الجوزية تحقيق: محمد عزيز شمس ص44 دار عالم الفوائد أثر ابن القيم عدد18
2- التوطين والتمشخير- في جداريتنا ” الفايس بوك بتاريخ 28/03/2026
3- الكينونة والزمان : لمارتن هيـدغـر- ت/ فتحي المسكيني- ص 238دار الكتاب الجديدة المتحدة /2012
4- نـــفـــســه ص-241
5- في مديح الحماقة: لأراسموس فون رودتردام- ت :أماني سعيد ص31 وكالة سفنكس- القاهرة- 2011
6- الثقافة ومفهوم الوقت ( ورقة) – لمحمد عبد العزيز ربيع- ص6- يازورأكاديمي2022
7- في مسألة التوطين المسرحي: لنجيب طلال- صحيفة السؤال الآن بتاريخ 16/02/2026
8- في مديح الحماقة: – ص37/38
9- في مديح الحماقة: – ص6
10- الكينونة والزمان : – ص259
11- الثقافة ومفهوم الوقت – ص6-
12- الكينونة والزمان : – ص258
