محمد البديع البوسوني.. إشراق الحروفية المغربية من مراكش إلى العالمية
د. عبد الصمد محيي الدين
ليس محمد البديع البوسوني من أولئك الذين يتهافتون للظهور تحت أضواء الفلاشات. هو فنانٌ راهب نذر حياته لجماليات ما يُرى ويُسمع ويُلمس. رسام ونحات وخطاط وحروفي وعازف عود ملهم… يتجلى البوسوني كفنان عابر للتصنيفات أو بالأحرى فنان أوركسترالي. وفي محطة سابقة من مساره، تولى الإدارة الفنية للإذاعة والتلفزة المغربية في مهدها، كما تعاون مع كبريات وكالات الإعلان الوطنية والدولية.
اليوم وفي عزلة اختيارية داخل مرسمه المراكشي الواقع على بُعد خطوات من حي “جيليز“ (L’Hivernage)، استغرق البوسوني وقتا طويلا ليبعث الحياة في مجموعته التشكيلية الجديدة المعروضة حاليا برحاب دار الشريفة في قلب المدينة العتيقة بمراكش.
“علامات الحب“.. هو العنوان الذي اختاره الفنان الحروفي لهذا الفيض من انحناءات حرفي “الحاء” و”الباء”، اللذين حين يتعانقان يمنحاننا كلمة “حب”. ومن خلال أسلوب خطي ابتكره الفنان كليا، وأطلق عليه اسم “المبسوط المغربي البديع“، تعمل المنحنيات والتدرجات على خدمة الأبعاد الأفقية والعمودية لكل لوحة.
إنها بناءات جرافيكية (ذكورية وأنثوية) تتحدى البديهيات الهندسية لتعيد صياغة قصص حبنا، أحزاننا، وأفراحنا. إننا أمام المرحلة الثانية من معرض “آيات الحب”، بعد مرحلة أولى شهدتها مدينة الشارقة حيث احتفى الإماراتيون وزوارهم بالفنان وأعماله. وللعلم، فقد اقتنى لوفر أبوظبي لوحتين مما يدرجه البوسوني ضمن مفهومه الخاص “النشأة“ (Concept Genesis) وفي عام 2024، جاء الدور على القاهرة لتستقبل في متحفها الكبير عملين رقميين (installations digitales) للبوسوني تحت شعار: مصر التي في خاطري… افتتحهما وزير الثقافة المصري آنذاك.
وبطبيعة الحال سبق لأعمال البوسوني أن حظيت بالإعجاب في فرنسا والسويد وسويسرا والولايات المتحدة.
ما يود الفنان قوله عبر إنتاجه، هو المضي قدماً بهدوء وحزم نحو فلسفة في الكتابة التشكيلية تعتمد الرنين الصوتي دون السقوط في فخ التفسيرات الذهنية الجافة. فأعماله ليست بصرية فحسب، بل هي سمعية بامتياز.. فلسفة تحتفي بالحياة وفي الوقت نفسه تنبه إلى فنائها. هي باختصار دهشة الكينونة رغم عبثية الوجود…
وإذا كان سديم الكون غير المفهوم يزيد من التساؤلات الوجودية، فإن أي ملمح للميلانخوليا لا يظهر في هذا الزخم الحروفي، حيث يبدو أن الفنان قد بلغ ذروة استمتاعه وهو يداعب ريشته.
* يستمر المعرض حتى 30 أبريل2026 بـ “دار الشريفة” – المواسين – المدينة العتيقة بمراكش.
