نصف قرن من الإبداع: قاعة “أرتوريوم” تحتفي بالمسار الاستثنائي للفنان عبد الله الحريري

نصف قرن من الإبداع: قاعة “أرتوريوم” تحتفي بالمسار الاستثنائي للفنان عبد الله الحريري

فنون تشكيلية:

تستضيف قاعة “أرتوريوم” بالفضاء الثقافي لمدينة الدار البيضاء معرضا استعاديا بارزا للفنان التشكيلي عبد الله الحريري تحت عنوان “ملحمة”، ويفتح أبوابه لعشاق الفن حتى 31 يوليو 2026.

 يقدم المعرض توليفة بصرية فريدة تختزل خمسة عقود من العطاء الإبداعي، متنقلا بين عوالم الحروفية، جماليات الخط العربي، والنزعة التجريدية التي ميزت هويته الفنية.

ولا يقتصر المعرض على اللوحات التشكيلية فحسب، بل يضم أيضا أرشيفا فوتوغرافيا غنيا يوثق المحطات الفارقة واللحظات المفصلية في مسيرة الحريري، لتبدو الصور وكأنها شريط سينمائي يروي سيرة حياته وشغفه بالفن.

وبموازاة هذا الحدث، تم إصدار كتالوج فني أنيق يوثق أعماله، ويضم صورا تاريخية نادرة توثق اللقاءات والروابط الإنسانية والإبداعية التي جمعت الحريري بقامات شامخة في مجالي التشكيل والأدب على الصعيدين المغربي والعربي.. من بينهم: محمد المليحي، فريد بلكاهية، محمد القاسمي، محمد الحميدي، الحسين الميلودي، ميلود لبيض، عبد الرحمان رحول، والكاتب إدريس الخوري، والكاتب محمد شكري.. بالإضافة إلى الشاعرين الكبيرين محمود درويش وأدونيس.

كما يغتني الكتالوغ بقراءتين نقديتين وازنتين، خطّ الأولى الكاتب والصحفي المرموق محمد جبريل، فيما صاغ الثانية الشاعر حسن نجمي. وفيما يلي نص المقالة النقدية التي بقلم محمد جبريل (ع. ت)

ذاكرة خصبة

محمد جبريل

       إنّ عمل عبد الله الحريري مشبعٌ بالحرية من أوله إلى آخره. ولا غرابة في أن يقاوم كلّ محاولة لإغلاقه أو تصنيفه ضمن مراحل أو أنساب أو أساليب أو تقنيات. فهو، وإن نهل من هذه المصادر المختلفة، لا يختزل فيها ولا ينفد عند حدودها. إنّ حركته المتجددة باستمرار هي التي تمنحه اندفاعه وتعيد ابتكار ذاته. ومن البديهي أنّه لا يمكن إغفال تطوّره عبر الزمن، بما يتضمنه من لحظات بحثٍ شكلي ودلالاته الرمزية. غير أنّ الأهمّ يبقى هذا الحراك الحرّ الذي يولّد الأشكال في تنوّعها، ويتجاوزها في الآن نفسه. وهكذا نشهد تدفّقًا لا ينقطع منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كرّس العمل نفسه لبدءٍ دائم لا يكلّ. ومن هنا ذلك الإحساس بالانتعاش الذي يطبع كلّ لحظة جديدة من إبداع الفنان.

تتصدّر الذاكرة هذا المسار بوصفها سمةً غالبة. فقد غذّت جميع مراحل تطوّر العمل. وهي علامة وفاء لجذور عميقة، كما أنّها رغبة وانطلاقة نحو البحث وتحقيق إمكانات أخرى. الذاكرة تفلت من كلّ إنكار، لكنها لا تنغلق، بل تدعو إلى المغامرة في دروبها الخاصة من الحرية.

إنه وفاءٌ أوّل لأساسٍ أصيل، يتمثّل في المرحلة الريادية لـمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، تلك المرحلة الحاسمة في تكوين الحريري والتزامه الفني والثقافي. إنها لحظة تأسيسية ظلّ الفنان يتبنّاها باستمرار، عقب تجربة حرّكها الروّاد محمد شبعة ومحمد المليحي إلى جانب فريد بلكاهية. ومن هنا وُلدت، بشغفٍ حيّ، أولى أعمال الحريري في التصميم والرسم، كما تجلّى انخراطه الخلّاق في أنشطة المدرسة والحركة الناشئة لحداثةٍ متطلّبة.

إنّ الحماسة الأولى لتشكيل حروف الأبجدية العربية تشكيليًا، في رغبةٍ لتحويل الخط العربي التقليدي، يندرج ضمن رؤية هذا التيار الذي نشأ في مدرسة الدار البيضاء. فقد أُعيد اكتشاف التراث وفي الوقت نفسه جرى تحويله وتساميه. وهذا هو المطلب الأساس الذي سيحرّك المراحل اللاحقة من مسار بحث الفنان، حتى عندما انخرط، خلال إقامته الطويلة في روما، في تجربة رسم المنمنمات الجريئة (من خلال أعماله «المربّعات البيضاء والسوداء» التي قدّمتها الناقدة ومؤرّخة الفن طوني مرايني). وقد تميّزت هذه المرحلة الرومانيّة لديه باحتكاكه بفنّانين طليعيين، من بينهم على وجه الخصوص كارلا أكّاردي، إحدى أبرز شخصيّات الفنّ التجريدي الإيطالي، وكذلك بمبدعين لا يقلّون أهميّة مثل الكاتب ألبرتو مورافيا والمخرج السينمائي فيديريكو فيلليني. وقد أعقب ذلك تدريبٌ في فنّ الحفر بمدينة لودج في بولندا، حيث أتقن مختلف تقنيات الطباعة الفنّية.

وقد استثمر التجريب في أعماله على الحروف الكوفية التي خضعت للتفكيك والتكثيف، وكذلك في سلاسل اللوحات القائمة على تنويعات هندسية. وتبرز منذ هذه الأعمال الأولى سمة ثابتة: أولوية الإيقاع والامتلاء، بحيث يغدو كلّ عمل وحدةً تضبط خطوط قوتها وتوتراتها. وهكذا يُستوعَب جوهر الفنون التقليدية، بينما تنال الأشكال حريتها وتُعاد صياغتها.

وسيظلّ الإيقاع مهيمنًا حتى مع تغيّر سجلات العمل الفني. فالتراكيب الكوفية ذات الطابع الهندسي الأكثر صرامة، وانسيابات الخطوط الأكثر تموّجًا، ليست سوى تنويعات إيقاعية تُختبر فيها أصداءٌ موروثة في ضوء اهتمامات وإحساسات وانفعالات أكثر راهنية. ونشهد تدريجيًا انبساط هذه التراكيب الإيقاعية على مساحات واسعة. فالحروف والأشكال الهندسية التي كانت مكثّفة تصبح أكثر تخلخلًا في فضاءاتٍ أرحب. وهذا الانفتاح، الذي يحرّرها على خلفيات فاتحة أو سوداء، يمنح الإيقاع تنفّسًا أوسع. وهكذا تبلغ ثنائية الوفاء والحرية مداها الكامل.

ويتجلّى ذلك في الأعمال الأحدث، حيث تتحوّل الحروف والأشكال في حركةٍ دوّامية تنبثق منها ملامح أيادٍ ووجوه وأقنعة. إنّ الإيقاع العام يبرز هنا موسيقية قصوى، حيث تفقد العناصر فرادتها لصالح وحدة أعلى تعيد تشكيلها. وبهذا يبلغ العمل ذبذبةً وجدانية تسمو بعناصر التكوين وتتجاوزها. ومن ثمّ يتبيّن أنّ ما يحرّك إبداع الحريري ليس نزعة شكلانية، حروفية كانت أو غيرها، بل الحساسية والثراء العاطفي اللذان يسعى إلى نقلهما وينتظر تفاعل المتلقّي معهما.

تتجلّى حالات حسّية متعدّدة في لوحاته. فبين وفرة احتفالية، بل وأحيانًا مرحة، في بعض الأعمال، تلوح في أخرى غيوم داكنة من الحزن أو التهديد المقلق. وفي أعمال أخرى تنفتح فضاءات سكينة حول حروف تحيل إلى ابتهالات ذات طبيعة روحية. وفي اللوحات الكبيرة، تتجاور داخل العمل الواحد نبرات متقابلة، بعضها مبهج وبعضها أكثر دُكنة أو تفككًا وإرباكًا. إنّ السعي إلى الانسجام لا يمحو تمامًا القلق واللايقين والشك.

ومع ذلك، فإنّ ما يلفت في هذا العمل الغزير والمتعدّد هو ما يمكن أن نسميه نضارة النظرة التي كثيرًا ما تمنح الألوان بريقها. إنها نظرةٌ محمولة على ذاكرةٍ وفية، تظل خصبة لأنها منفتحة ودائمة التشكل. كما أنّ دقّة العمل وتماسكه لا يستبعدان هنا وهناك لمسة سخرية تميّز أيضا شخصية الفنان، سخرية قد تكون لاذعة لكنها تظلّ مشبعة باللطف والبهجة. فكلّ ما فيه ينبض بنزاهة عميقة، وعمله لا يخضع لا لحنينٍ كئيب ولا لتنازلاتٍ اعتباطية لإملاءات السوق، لأنّه، على حدّ تعبيره، «لا شيء يعبر اختبار الزمن سوى الأصالة».

ترجمة من إنجاز منير السرحاني

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!