عبد الجبار العلمي: جزء من سيرة ـ روائية.. بين عشق الكتاب والسينما (1)

عبد الجبار العلمي: جزء من سيرة ـ روائية..  بين عشق الكتاب والسينما (1)

عبد الجبار العلمي

       بعد مرحلةِ “المسيد” التي قضاها ذلك الطفل الهزيل الضعيف البنْية، متنقلا بين “مسيد ” (كْدِيوة الشّْجَر) البعيد عن مسكنه بمصلى العيدين، وبين آخر في حومة “سانية الرمل” إلى أن انتهى به المطاف إلى “مسيد ” قريب من سكناه، فكر الجيران الفضلاء في إقامته في المسجد الصغير الذي أقيم في زاوية من زوايا (المُصلى كبير المِساحَة). كانَ آخر ما يذكره الطفل الساذج ( وَلد دارْهُم كما يقولون ) علقةً ساخنةً من قضيب الفقيه المعروفة لكل من عاش مرحلة “المسيد”، وعاش طقوسه الشديدة القسوة.. وكان الأمر ظلماً لم ينسه أبداً، وها هو ذا يدونه هنا والغصص مازالت في حلقه، فقد كانت التهمة الباطلة، اختلاس (ولدْ دارْهُم) الخجولُ الذي لم  يكن يقدر على إنهاض الدجاجة عن بيضها، بضعةَ تمرات من كيس ورقي رمادي اللون، كان يخبئه في خزانته الخاصة. كانت السنة 1957، السنة الثانية لاستقلال المغرب، هي السنة التي التحق بها الطفل بمدرسة مولاي الحسن الابتدائية بحومة سانية الرمل، حيث قضى بها وبملحقتها بحومة التوتة أربع سنوات، قرب حقول الذرة وبحذاء “زروب” القصب التي كانت تسيِّجُ حدائق البيوت التي تُطل منها شُجيرات التفاح الحامض اللذيذ المذاق. أربع سنوات تُوجت بالشهادة الابتدائية، وما أدراك ما الشهادة الابتدائية عهد ذاك. التحق الصبي بالمدرسة الثانوية البعيدة بالقياس إلى سنه عن الحي الذي يقطنه هوي ثانوية “جابر بن حيان “. هناك زاد شغف ذلك الصبي بالقراءة، بعد أن كانت محصورة في بعض سلاسل الأطفال : سلسلة المكتبة الخضراء لكامل كيلاني ، وسلسلة كتيبات محمد عطية الإبراشي ، بالإضافة إلى سلاسل مجلات المغامرات المصورة باللغة الإسبانية الموجهة  للأطفال القادمة من إسبانيا أسبوعيا مثل : CAPITAN TERUENO  وGOLIAT وTARZA ،

كان الصبي ينتظرها بشوق، ويقتنيها من إحدى المكتبات بشارع محمد الطريس حيث سينما “مونومنتال” أومن مكتبة في شارع الوحدة لصاحبها الألماني الذي لجأ إلى تطوان في عهد الحماية فراراً من الحرب العالمية الثانية. كان رجلا. يحب الأطفال، ويقدم لهم الحلويات التي كانَتْ من ضمن مبيعاته. في هذه المرحلة أيضاً طفق الصبي يقرأ كتب المنفلوطي وأغلب مؤلفات جبران خليل جبران. تعرفتُ على كتاب الهلال العريق الذي كانت تصدره مؤسسة دار الهلال بأرض الكنانة. كان ينشر بها رواد النهضة الأدبية في مصر وغيرها: طه حسين وتوفيق الحكيم (“القصر المسحور” كتاب مشترك بينهما) ، ومِن كتب توفيق الحكيم التي نشرتها مؤسسة الهلال في سلسلتها الخضراء العتيدة: “يوميات نائب في الأرياف” و”زهرة العمر” و”مدرسة المغفلين” و”مدرسة الشيطان” و”أشعب أمير الطفيليين”.. فيها قرأنا لجبران “الأجنحة المتكسرة” و”الأرواح المتمردة” و”الموسيقى” في كتاب واحد، و”اعترافات جان جاك روسو”، كما قرانا “ثائرون” و “كليوباترة في خان الخليلي” لمحمود تيمور أحد رواد القصة القصيرة العربية؛ “في الطريق” لإبراهيم عبدالقادر المازني؛ “حديث عيسى بن هشامّ لمحمد المويلح” في جزأين قبل السلسلةً الخضراء الزاهرة. في كتاب الهلال في حلة قشيبة أخرى، قرأنا كتاب عباس محمود العقاد “ابن الرومي.. حياته من شعره “، و”ضوء القمر” لأحمد حسن الزيات الذي يضم مجموعة من القصص الرفيعة المترجمة عن الفرنسية لجي دي موبسان مثل “ضوء القمر” و”الحِلية” اللتين نشرهما في مجلته “الرسالة” الذائعة الصيت التي بدأ ظهورها سنة 1936، هي ورفيقتها “الرواية”.. وكتاب “ليالي سطيح”، كتاب نثري للشاعر حافظ إبراهيم، و”عشرة أدباء يتحدثون” لفؤاد دوارة، و”توفيق الحكيم.. فنان الفرجة وفنان الفكر” للدكتور علي الراعي، و”محمود درويش شاعر الأرض المحتلة” لرجاء النقاش. والجدير بالذكر أن هذه السلسلة التي تربى في حضن صفحاتها جيل كامل من التلاميذ والطلبة، كانت زهيدة الثمن في متناول يدنا. ولا يُخفي الصبي أنهُ مدينٌ لهذه السلسلة بحبه للأدب واللغة  العربية ولتكوينه الأدبي بشكل عام، ولا يمكنه أن ينسى كذلك فضل سلاسل أدبية رفيعة: سلسلة اقرأ التي كانت تصدر عن دار المعارف، وروايات الهلال والكتاب الذهبي والكتاب الفضي والسلسلة الأدبية التي كانت تنشر العديد من الروايات المترجمة هي “كتابي” لحلمي مراد وأذكر من بينها على سبيل المثال “مدام بوفاري ” لجوستاف فلوبير بترجمة الدكتور محمد مندور.  

أما في سلسلة:  “اقرأ “، فقد تسنى للصبي  قراءة “أحلام شهرزاد” و”المعذبون في الأرض” لطه حسين؛ “قنديل أم هاشم”  و”دماء وطين” ليحيى حقي”من النافذة” للمازني؛ “عصفور من الشرق” و”من ذكريان الفن والقضاء” للحكيم. ولا يمكنه أن ينسى كذلك “الأيام” و”دعاء الكروان” لطه حسين.  وما زال ذلك الصبي   محتفظاً من سلسلة الكتاب الفضي بمسرحية “أشواك السلام” و”رحلة إلى الغد” لتوفيق الحكيم، وهي من الأعمال الرائدة في مجال أدب الخيال العلمي في أدبنا العربي. وكما تمت الإشارة إلى ذلك آنفاً، أن هذه السلاسل كانت زهيدة الثمن، لذلك كنا نتمكن من اقتنائها بالفرنكات القليلة التي تنفحنا بها عائلتنا بعد قضاء بعض حوائجها من السوق. كان الصبي يقسمها بين شراء الكتب، وارتياد دور السينما. وبخصوص الشعر، لا أنسى أنني قرأت ديواني “الجداول” و”الخمائل” لإيليا أبي ماضي، فأعجبت أيما إعجاب بلغته وخياله المجنح. ولا بد من الإشارة هنا إلى قراءات سابقة كان لها الفضل في بث الولع في نفسي بالمطالعة حتى أمست عادة يصعب الفكاك منها، أهمها: قراءة “بدائع الزهور ووقائع الدهور” لابن إياس في طبعة شعبية مختصرة، وكتاب “ألف ليلة وليلة”، وروايات أرسين لوبين البوليسية لموريس لوبلان.

          في المرحلة الثانوية اكتشف الصبي مع بعض أقرانه أديب تطوان المبدع محمد الصباغ، فاقتنى الصبي ديوانيه الأولين “أنا والقمر” و”شجرة النار” في طبعتهما الأولى، ولا يمكن أن ينسى  ذلك اللقاء الخالد الذكر صحبة صديقي عبدا لقادر الإدريسي (الكاتب الصحافي اليوم)، فسلمنا عليه في خجل في أحد اللقاءات الأدبية بمنصة مسرح ثانوية القاضي عياض. كانت تبهرني عناوين كتبه البالغة الشاعرية التي أراها خلف واجهات مكتبات تطوان الذي يكتظ بها نهجُ “الساقية الفوقية” المؤدِّي إلى الطرَّافين ، أو عند مكتبة الناصر الزاهرة بشارع محمد الخامس، أمثال: “شلال الأسود”ـ “اللهاث الجريح”ـ “فوارة الظمأ”… ولابد أن يخصص الصبي فصلا كاملاً في روايته السيرية لهذه المكتبةـ المدرسة.

          في هذه المرحلة نفسها حين  أخذ الصبي يشب عن الطوق طفق يتطلعُ إلى قراءة شعر نزار قباني في دواوينه: “قالت لي السمراء” “أنت لي” ـ “قصائد من نزار” ـ  “حبيبتي” ـ “طفولة نهد”، كما تعرف في هذه الفترة على الشعر الحر من خلال مجلتي  “الآداب” و”الأديب”. وخلالها أيضاً، أخذ يقرأ لنجيب محفوظ، وكان أول عمل روائي قرأه له هو “اللص والكلاب”.

          بعد هذه القراءات، حاول الفتى كتابة الشعر، وكانت أول محاولة شعرية نشرتْ له في صفحة “أصوات” بجريدة “العَلَم” بعنوان “عاشق الحرية ” ، وذلك سنة 1966. وكان يشرف عليها آنذاك الأديب الصحفي اللامع الأستاذ مصطفى الصباغ رحمه الله، فلم يكتف بنشر القصيدة، بل نشر في ذيلها المقدمة التي أرسلها الفتى معها، منوها بها. ويذكر كأن الأمر كان بالأمس فقط، أن الصديق عبدالقادر الإدريسي كان قد رأى القصيدة منشورة قبل صاحبها، فجاء مسرعاً يطرق باب البيت، ليبشر صديقه بهذا الحدث السعيد، مبدياً فرحه واحتفاءه به. والجدير بالذكر أنه ـ وقد بلغ ما بلغ من مجد في عالم الصحافة والإعلام والتأليف، ورغم مشاغله الكثيرة ـ ما زال يتصل بي عبر الهاتف كلما رأى عملاً منشوراً لي في بعض الصحف والمجلات التي تصدر خارج المغرب قصد إبلاغي بذلك.

          ولم تكنِ المطالعة حبَّ الفتى الوحيد في سنوات التكوين الأولى في زمن الطفولة والصِّبا كما تم التنويه إلى ذلك أعلاه، بل كانت السينما هي الحب الثاني. لقد بلغ شغف الفتى بها حد العشق والهيام. والحقيقة أن السينما، كانت بدورها عاملاً مهماً في التثقيف وتربية الخيال والوجدان، بل كان بعضُ أبطال الأفلام نماذج لنا تدفعنا إلى المثابرة والاجتهاد في الدراسة حتى نحقق ما حققوه من نجاحات وأمجاد بفضل كدهم وكفاحهم وطموحهم . وما زال الفتى يذكر مشهدَ حسين في فيلم “بداية ونهاية” لمخرجه صلاح أبو سيف، وهو يذاكر دروسه  في ليلة من ليالي الشتاء ، تحت مصباح الشارع الكهربائي استعداداً لامتحان الباكلوريا. كان مثل هذا المشهد المؤثر يدفعنا إلى الكد والجد في دراستنا.

شارك هذا الموضوع

عبد الجبار العلمي

شاعر وناقد مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!