غرباء على طريق الداخلة

غرباء على طريق الداخلة

علي بنساعود

لم تكن الرحلة أسفلتًا يمتد بين المدن، بل قلوبًا تمضي معًا.

انطلقت المركبة الصغيرة بأربعة عشر شخصًا: اثنا عشر مشاركًا، وسائق، ومرافق. استغرب أحد الرجلين قلتهما وسط هذا العدد من النساء، فابتسم أسامة قائلاً: “هذا هو المعتاد في أغلب الرحلات”.

منذ الكيلومترات الأولى بدا أننا لسنا مجموعة، بل فسيفساء؛ قطعًا مختلفة لا يجمعها شيء، قبل أن تكشف الطريق أنها تنتمي إلى لوحة واحدة. 

⁎السارد والزجاج والظل

كنت أحد هؤلاء. رجلًا متقاعدًا صار بيته أوسع من قلبه منذ هاجر ابناه.

جئت، كما قلت لنفسي، لأقاوم الصمت والجدران وذاكرة أخذت تتآكل. كنت أجلس قرب النافذة، أراقب وأدوّن. الكتابة، بالنسبة إليّ، رئة ثالثة.

 ⁎وطن صغير

ورائي جلس نادر إلى جانب زوجته وردة.

كان قليل الكلام، كثير الإنصات. يسأل زوجته بعينيه قبل لسانه: “أأنت بخير؟

أما وردة، فكانت اسمًا على مسمى؛ فيها رقة الوردة، وشوكتها حين يقتضي الأمر. ترتب الفوضى في صمت، وتترك أثرًا طيبًا دون أن تقصد.

ذكّراني بأن الزواج قد يكون وطنًا صغيرًا.

 ⁎عطاء الهادئة

عن يميني جلست عطاء، أستاذة متقاعدة تبدو هادئة، لكن هدوءها كان يشبه زجاجًا قديمًا يخفي شروخه.

حين احتجت “غاديا” بصوت مرتفع مطالبة بتغيير مقعدها، ضاق العالم فجأة في صدر عطاء. طلبت أن تتوقف الحافلة، نزلت تستنشق الهواء، ثم عادت ودمعة صامتة في عينيها.

في تلك اللحظة أدركت أن الضعف أيضًا يستحق مقعدًا في الرحلة.

 ⁎سائق يقود الطريق… ومرافق يصنع الرحلة

كان إدريس يقود الحافلة بثقة هادئة. لا يكثر الكلام، لكن ابتسامته كانت تسبق الطريق.

أما أسامة، فكان يعرف كيف يحوّل مجموعة من الغرباء إلى رفقة. لا يفرض قرارًا، بل يشرك الجميع فيه حتى يبدو وكأنه قرارهم. بذوقه وعلاقاته وخفة روحه، صار أكثر من مرافق؛ صار روح الرحلة. تراوحت اختياراته للموسيقية. بين والأمداح والأدعية و”بوزوبع” إلى “السماوي الله يداوي” والحساني وكناوة والشعبي…

 ⁎نساء الحافلة

كانت سعاد ميزان المركبة. امرأة واضحة لا تعرف المنطقة الرمادية. إذا تكلمت، خَفَتَ اللغط، وإذا حسمت أمرًا، استراح الجميع. في الخلف، جلست زينب، في السادسة والسبعين. تؤلمها مفاصلها، لكنها لا تسمح لها بأن تعيقها. هاتفها قديم، لذلك كانت تردد كلما توقفنا:
صوروني… ولا تنسوا أن ترسلوا لي الصور”.

وترفض أي صورة جماعية تضم رجالًا، لأن زوجها، كما تقول مبتسمة، “ما زال يغار عليّ كأنني في العشرين.” 

⁎صديقة الأشياء الضائعة.

أما عبلة فقد أضاعت وسادتها الطبية، ثم وقفت ذات مرة تبحث عن هاتفها، بينما كان في يدها.

وكان قلقها الصغير يزرع ابتسامات كبيرة.

⁎”الفواحة”

نجوى امرأة جاءت من مكناس، أُطْلِقَ عليها لقب “نجوى الفواحة”. كانت دائمًا تصل متأخرة إلى الأخبار، وتسأل ليلًا عن قرار اتخذناه عصرًا بحضورها. كانت وصاياها لبناتها، عبر الهاتف، لا تنتهي: “أفطروا في الباتيسري”، “لا تغسلو الأواني ستتكسر أظافركم”. “ألحوا على والدكم حتى يعبئ لكم المسبح” وحين وصلتها خمسة آلاف درهم من ابنيها المهاجرين، أنفقتها كلها تقريبًا على شراء الملاحف الصحراوية والشاي وأدوات الزينة. بدت وكأنها تؤمن بأن أجمل الذكريات هي تلك التي يمكن حملها في الحقائب.

 ⁎ثلاث نساء… وثلاثة وجوه للوجع

كانت “غاديا” تحمل هجرتها فوق كتفيها. ترى في كل نظرة إهانة محتملة، وترد بكلمات فرنسية مكسورة كأنها دروع.

لم يكن احتجاجها على المقعد احتجاجًا على المقعد، بل على سنوات من الحكرة والتهميش. وكان صراخها لغة من لا يملك لغة أخرى للوجع.

 وكانت أختها تمارس بطولة صامتة؛ تطفئ الحرائق التي تشعلها غاديا بكلمة هادئة أو بكأس ماء.

أما هبة، ابنة الأخت، فكانت ترى في خالتها القادمة من أوروبا صورة المستقبل الذي تحلم به.

* إخلاص… ورجاء

وسط هذا التنوع، كانت إخلاص شرارة الميني باص، بالغناء والنكتة والقدرة العجيبة على إشراك الجميع في الفرح. مناضلة شغلت موقعاً مرموقاً، لكنها في الحافلة كانت واحدة منا. منشطة دون لقب.

وعلى الطرف الآخر، كانت رجاء الأديبة الأنيقة تتزيا بألوان الربيع، قليلة الكلام. وإن تكلمت فهمسا، في المحطات تختلي بقهوتها بعيداً عن الضجيج. في يدها قلم وأمامها مذكرة، لم تكن تهرب، كلما رأيتها أقول في نفسي: لعلها مثلي تجمع بذور نصوص لم تُكتب بعد.

*نظارة عبلة

في استراحة أخفنير، وبعد وجبة السمك، نهضت عبلة فجأة وهي تصيح:

أرجوكم… من رأى نظارتي؟

بدأت تفتش حقيبتها بعجلة.

قالت سعاد بحزمها المعتاد:

ابحثي أولًا فوق رأسك.”

ضحك بعضنا، لكن عبلة واصلت البحث.

حينها أشارت عطاء بهدوء إلى أعلى رأسها وقالت:

ها هي”.

وضعت عبلة يدها فوق شعرها، ثم انفجرت ضاحكة.

والأغرب أن سعاد نفسها ضحكت ضحكة طويلة لم نسمعها منها طوال الرحلة.

قالت وهي تمسح دموع الضحك:

كانت النظارة تحرسك، وأنت تبحثين عنها.”

ابتسمت عطاء لأول مرة منذ نوبة الاختناق.

وسأل أسامة، وقد التفت إلينا:

هل وجدتم كنزًا؟

أجابته عبلة:

بل وجدت نفسي.”

في تلك اللحظة لم تعد المركبة مجرد وسيلة نقل.

صارت غرفة جلوس.

وصار الغرباء أهلًا.

 ⁎مقاومة

في الطريق جمعنا أكثر مما جمعته المقاعد.

جمعتنا الموسيقى، وضحكة عبلة، ودمعة عطاء، وصرامة سعاد، وصمت أخت غاديا، وخوف زينب من غيرة زوجها، ومحطات الصحراء، وحتى ذلك المشهد المؤلم لمهاجرين أنهكهم البحر بعد تعطل قاربهم.

وحين عدنا إلى فاس، استقبلتنا الزغاريد،

وكنت في داخلي أشعر أن الرحلة الحقيقية انتهت.

خرجنا إلى الداخلة أربعة عشر غريبًا.

وعدنا أربعة عشر شخصًا يعرف كل واحد منهم شيئًا من قلب الآخر.

أما أنا، فلم أعد أحمل صورًا أكثر.

بل صمتًا أقل.

شارك هذا الموضوع

علي بنساعود

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!