جدارية ذئب.. بنية النص ودلالته

جدارية ذئب.. بنية النص ودلالته

لحسن أحمامة

        إلى أصدقاء ثانوية الفداء

         برز اسم عبد العالي أناني من خلال روايته الأولى، من الداخل.. كلام آخر، ومن خلال مجموعة من المقالات النقدية، في الشعر والقصة القصيرة والرواية، التي نشرها في بعض الجرائد الوطنية. غير أن ما شكل إضافة نوعية في مساره الإبداعي هي روايته الأخيرة: جدارية ذئب، و هي رواية بوليسية كما أشار إلى ذلك في الغلاف، مما قد يؤهل هذا الكاتب أن  نعتبره أحد ثالوث المحكي البوليسي إلى جانب الراحل ميلود الحمدوشي (الملقب ب كولومبو)، وعبد الإله الحمدوشي. على أن هذا النوع الأدبي نادر جدا في المشهد الأدبي بالمغرب إذا ما قورن ببريطانيا التي ازدهر فيها كثيرا، وتطور كثيرا مع أسماء لها أهميتها البالغة، مثلا مع أغاثا كريستي، و دونان كويل، و في الأدب العالمي، مع أمثال أمبرتو إيكو من خلال روايته الشهيرة  اسم الوردة، علما بأن مؤسسها هو إدغر آلن بو. حيث نشأ هذا النوع الأدبي في أواخر القرن التاسع عشر.

          قد تعود هذه الندرة في كتابة الرواية البوليسية إلى كون المجتمع العربي بصفة عامة مجتمعا بدويا، في حين أن ظهورها ارتبط بالمدينة الصناعية الغربية، ذلك أن هذه الأخيرة قد أفرزت وسائل تقنية تساعد على اقتراف جريمة في الخفاء كالسموم المتطورة والأسلحة النارية الكاتمة للصوت، وغيرها، كما وفرت لرجل البوليس وسائل تقنية تساعده على الكشف عن الجريمة، كالمختبرات الجنائية ووسائل التشريح الدقيق وغيرها. ولئن تطورت هذه الأشياء في المدينة العربية، فإن الرواية البوليسية مازالت لا تحظى باهتمام العديد من الروائيين والقصاصين في العالم العربي. قد يؤول سبب ذلك، في تقديري الشخصي، إلى قلة معرفتهم بالتحقيقات البوليسية كما تجري على أرض الواقع، وهو ما كان لميلود الحمدوشي، وعبد العالي أناني بحكم وظيفتهما و قربهما من قضايا الجرائم و دوافعها و نتائجها، ومكافحتها.         

        يقول الدكتور علي القاسمي في تقديمه لترجمة كتاب جوليان سيمونز:  إن “القصة البوليسية نوع من الأنواع الأدبية موضوعه الرئيس التحقيق الذي يرمي إلى الكشف عن مرتكب الجريمة ودوافعه ووسائله” ( ص. 5). هكذا فالعناصر الأساسية في كتابة النص البوليسي هي الجريمة الغامضة، والمجرم الداهية، والمحقق الفطن. ولئن احترم المؤلف الضمني لرواية جدارية ذئب هذه العناصر طوال الحكي، فإنه سيفاجئ القارئ المفترض بنهاية مفتوحة تتمثل في عدم الكشف عن القاتل بالتسلسل، و من ثمة يجعل هذا القارئ مشتركا في لعبة التحقيق، مثلما يفعل الروائي الأرجنتيني خوان خوسي ساير في روايته “التحقيق”، التي تتجاوز الخط التقليدي الذي رسمه مؤرخو أدب القصة  البوليسية من حيث أن القاتل هو المحقق نفسه. هذا الانزياح عن القصة البوليسية المعتادة أو التقليدية مرده تطور الشخصية وتحليل دوافعها في الرواية فيما يغيب ذلك في الأولى. ولعل هذا ما دفع رونالد نوكس إلى القول إن “القصة البوليسية هي عبارة عن لعبة لاعبيْن “المؤلف هو الطرف الأول، والقارئ وهو الطرف الثاني”.

       يعد المحقق كمال الشخصية الرئيسية في هذا المحكي لكونه حاملا للموضوع، بحيث يعهد إليه بالتحقيق في الجريمة وذلك جراء تجربته الطويلة في قسم الشرطة القضائية. لكن خلال التحقيق يجد نفسه في مأزق بين عمله الذي يتطلب منه الصرامة المهنية- “على المحقق ألا يندمج عاطفيا”- والتعاطف الإنساني. إذ أن الرواية البوليسية كما يورد سيمونز، تقسو على الأبطال الذين يصرون على ملاحقة الكواعب الحسان، إذ كلما قلت المغامرات الغرامية، صارات القصة أفضل. يقول العميد الممتاز البخاري: لكن، نحن لسنا محللين نفسانيين، ولسنا معنيين بتلك المزاعم. نحن محاربون و علينا التعامل مع الجريمة كعدو”. ( ص.69)، وفي مكان آخر يقول كمال: “لن أسمح لمشاعري بأن تخدعني. علي أن أكون محايدا وأفكر كمحقق محترف، وإن لم أستطع ذلك، فلن أشرف على استجوابه”. (ص.122) غير أنه في النهاية يتعاطف مع مراد، المشتبه فيه: “كنت أظن نفسي محصنا، ولا يمكنني، بأي شكل من الأشكال، أن أتعاطف مع الأشخاص المعنيين بالقضايا التي أشتغل عليها… إلى أن وجدت نفسي أتعاطف مع سفاح.” (صص. 134-135)

       في مقابل المحقق كمال، يشكل مراد الذي يعاني من اضطراب الهوية التفارقي، أو الشيزوفرينيا، أو الفصام، ثاني شخصية مركزية. يجد القارئ المفترض نفسه أمام تشريح علمي دقيق ومفصل لنفسية المصاب بهذا المرض: “الذي استوطنه و حوله إلى شبه إنسان، ينظر إليه بطريقة أرغمته على الابتعاد عن الناس والاختيار الإجباري للوحدة” (ص. 28). ورغم مرضه، يتميز بذكاء حاد وقدرة هائلة على إخفاء أحاسيسه، حين يكون في وعيه و يسيطر على نفسه. ويتمتع ببنية جسدية قوية.” (ص. 97). هذه الازدواجية في شخصيته تجعله يتأرجح بين القوة والضعف، مفضلا العزلة والوحدة في غرفته، بسطوح منزل العائلة، كمكان مغلق. يؤكد  الدكتور حسن للمحقق كمال أن عدم خروج مراد “طيلة هذه المدة مسألة عادية لا تستدعي القلق، معللا كلامه بأن المرضى الذين يعانون من الفصام يفضلون الوحدة والانعزال. خوفهم من الناس يجعلهم ينكمشون. لا يتحكمون في أنفسهم ويفقدون التوازن في أي لحظة خارج إرادتهم…” (ص. 105). يقول نيتشه: في العزلة يأكل المرء نفسه، وفي الزحام يلتهمه الآخرون. إنها شخصية لا اجتماعية، وبرغم ذلك  يتأكد المحقق كمال من براءته حين يتم العثور على الجثة الخامسة عشر وهو لا يزال في فترة الاستنطاقرغم أن مواصفاته تنطبق على القاتل الحقيقي: “أُقفل الخط، وجلس كمال على أريكته المريحة. يتمدد عليها للتأمل كلما انشغل بالتفكير. قال لنفسه: عادت الأمور لنقطة الانطلاق. حسب ما قيل لي، تأكدوا من تواجد مراد بالمكان الذي سجن به، وتسجيل كاميرا المراقبة يظهر على أنه لم يبرح مكانه.” (ص.142)

        من هنا يشكل كمال، كبنية فكرية للنص، الطبيعة البشرية في عمقها و في تناقضاتها الوجدانية، أي أن نفسية هذا المحقق تكشف عن القيم والرؤى، ذلك أن التعاطف سمة إنسانية تميزه عن الحيوان. و لعل التركيز عليه أكثر من الشخصيات الأخرى يجعله نابضا بالحياة وكأنه شخصية حقيقية مثل الأمكنة الحقيقية التي تقع فيها الأحداث: المعاريف، شارع ابراهيم الروداني، المستشفى الجامعي ابن رشد، وغيرها مما يمنح النص صفة الموثوقية، أو الإيهام بالواقع رغم أن النص الحاف يشير إلى أن “أي تشابه أو تطابق في وقائع وشخصيات وأمكنة هذه الرواية هو من باب الصدفة التي أملاها الخيال، لا غير” (ص.9) ولئن بدا هذا النص الحاف أحد عناصر الميثاق الذي يعقده المؤلف الضمني مع القارئ المفترض، فإن ذلك لا يعدو أن يكون جانبا من استراتيجية لتداخل الواقعي بالتخييلي. من ثمة يمكن القول إن القارئ يتعاطف مع كمال الذي لا يخلو من بشرية، ويتعاطف مع مراد في محنته المرضية مثلما يتعاطف القارئ مع النص، ويشارك في البحث عن القاتل الشيء الذي يجعله يكتسب معرفة بالطرائق التي تلتمسها الشرطة القضائية للوصول إلى الجاني من جهة، وللتأكد من أن الجريمة ضرورية في المجتمع حسب تصور إيميل دوركايم. يقول العميد الممتاز البخاري: “الجريمة ظاهرة اجتماعية تنبع من المجتمع وتحدث فيه، لا وجود لمجتمع خال من الجريمة.”(ص. 69)  

         يكثَّف البحث عن القاتل بالتسلسل عند الوصول إلى الجثة الرابعة عشر. ولعل للرقم 14 رمزيته ودلالته. في الكتاب المقدس، يرمز هذا الرقم أول ما يرمز إلى الخلاص، و النجاة و التجديد الروحي. ترتبط هذه الرموز بكل من المحقق كمال ومراد.بمعنى أن النص يستبق نجاة مراد من السجن، والخلاص أو التخلص من تحقيق انبنى على افتراضات و ليس على أدلة مادية واستنتاجات منطقية. في حين يرمز الرقم 15، من بين ما يرمز إلى التغيير الإيجابي عند المحقق كمال، وهو الرقم الذي تنتهي به الرواية، و يرمز أيضا إلى الراحة التي تأتي بعد الخلاص كما جاء في المسيحية (“جلس على أريكته المريحة” كما سبقت الإشارة. بهذا الرقم الأخير تنتهي الرواية، وينفتح موسم جديد، أي انطلاقة جديدة بحثا عن القاتل الحقيقي الذي لا يظهر ويختفي، تُترك الرواية مفتوحة أمام القارئ على احتمالين صاغهما المؤلف الضمني: ” الأول: مراد بريء والسفاح مازال حرا طليقا، وهو المرجح و يفرض نفسه، و الاحتمال الثاني: يكون فيه مراد هو المجرم الفعلي، ارتكب جرائمه قبل أن يسجن ويصاب بانتكاسة مرضية خطيرة…” (ص.142).

       هكذا وبالرغم من التحقيق وكل مراحل الإجراءات المتخذة للتوصل إلى القاتل الحقيقي، يبقى لغز الجريمة، باعتبارها بؤرة دلالية تتجمع حولها العناصر المختلفة لهذا النص التخييلي، عالقا، مثلما تبقى الذات البشرية في كل تعقيداتها و تناقضاتها لغزا. ومع ذلك فغرابة هذه الجرائم لم تنفع معها الاستنتاجات المنطقية الأكثر حذقا بمعية الاستعانة بالطب النفسي، والتدقيق في أتفه تفصيل: “يقول كمال للرجل و المرأة اللذين لهما معلومات عن جريمة الحي الصناعي: ” ـ- هيا !! أريد أن أن أسمع منكما كل شيء تعرفانه عن جريمة الحي الصناعي، لا تغفلا أي تفاصيل، ولو كانت صغيرة. هيا !! أنا أسمعكما !!” (ص.49). وفي مكان آخر عندما تخبره سعاد قائلة: “— هناك ملاحظة ربما لا قيمة لها ولكنها أثارت انتباهي !” (ص.73)، يجيبها كمال: “كل الأشياء تطرح للتداول و النقاش. الأشياء التي لا قيمة لها يمكن أن تكون في بعض الأحيان مفيدة جدا للقضية” (ص.74). إذ الجريمة مثل الحلم تشكل فيه أتفه الشواهد أو أصغرها أهمية بالغة عند المحلل للوصول إلى تأويله. كما أنها، أي هذه الجريمة، جريمة غير عادية إذا ما تمت مقارنتها بالجريمة العادية. يقول المحقق كمال: “الجرائم التي اعتدنا التعامل معها تكون عادة اندفاعية، نتيجة لظروف ومواقف معينة، لهذا غالبا ما تكون عشوائية” (ص. 19). وعليه يمكن القول إن الجريمة في هذا العمل الأدبي هو البطل الحقيقي من حيث أنها تعلة لتشييد المحكي، من جهة، وأنها مثل بقعة الزيت التي تنتشر على الورق، من جهة ثانية. بتعبير آخر هي ما يوسع دائرة الحكي، وتدور حولها الوقائع.

      من جانب آخر، تسعى هذه الرواية إلى صهر عناصر القصة البوليسية ومظاهر قصص الرعب المتمثلة في الخطر، والترقب، والمطاردة. حين ينتشر خبر الجرائم عبر إحدى وسائل الإعلام تسود حالة من الرعب: “… شهدت مدينة الدار البيضاء في الآونة الأخيرة جرائم متسلسلة في فترة زمنية قياسية… مما زرع الرعب في أوساط الساكنة.(ص. 78) وفي مكان آخر يقول الراوي العليم إن فرق الشرطة “لم يدخروا أي مجهود وسلكوا كل طريق اعتقدوا أنها قد توصل إليه. ضاعفوا حصص عملهم، وتخلوا عن عطلهم، ومع ذلك ظل القاتل حرا طليقا يزرع الرعب ويخيف الجميع”. (ص.84) كما أنها تتعالق مع قصص العنف من حيث كونها تقدم وصفا للطريقة التي ينهي بها القاتل بالتسلسل حيوات ضحاياه مستعملا حبلا حديديا، كابل الفرامل، مربوط طرفاه بمقبض من حديد أن من خشب. كما أنه يباغثها (الضحايا) من الخلف. إضافة إلى عدم معرفة الدوافع الأصلية التي كانت وراء القتل ولعل هذا الاستراتيجية التي التمسها المؤلف الضمني منحت محكيه القوة والتشويق الذي يشكل أهمية كبرى في الرواية البوليسية.

           قد نجازف بالقول إن البحث عن القاتل في هذا المتخيل الروائي هو إحدى صور البحث عن الذات البشرية. فعلى غرار كل المحاولات و جميع الوسائل والإمكانات المتخذة من قبل الشرطة و لا أحد توصل إلى الكشف عن القاتل الحقيقي، تظل الذات لغزا لازال يحير الجميع، رغم أن العلم وصل إلى درجة عالية من البحث: مثال ذلك تشريح الدكتور حسن لنفسية مراد. قد تكون هذه الخاتمة المفتوحة أمام القارئ تعبيرا عن استحالة الوصول إلى الحقيقة. وليس أمام هذا القارئ سوى تخمينات يملأ بها بياضات النص.

        لقد عاكس أناني تصورَ مؤرخ الأدب، هاورد هيكرفت، في كون الرواية البوليسية “نوعا أدبيا ممتعا، ولكنه لا يتسم صراحة بالروح الجدية”، ذلك أن جدارية ذئب تميل لأن تكون متسمة بالروح الجدية، من حيث كونها احترمت آليات اشتغال هذا النوع الأدبي، وقدمت نصا يراوغ القارئ ويستدرجه لمواصلة القراءة، مما يؤكد ما أورده كل من بوالو ونارسجاك من أن “القصة البوليسية شجرة تفاح تحمل في أغصانها ثمارا متنوعة، ولكنك دائما تجد التفاح عليها”.

ــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

– أناني، عبد العالي، جدارية ذئب: رواية بوليسية، دار الثقافة، الدار البيضاء، 2025

– سيمونز، جوليان، القصة البوليسية، تاريخها، و قواعدها، و تقنياتها، ترجمة الدكتور علي القاسمي، كتاب الجيب، منشورات الزمن 2015

شارك هذا الموضوع

لحسن حمامة

أديب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!