من يحمي بوصلة المدرسة المغربية حين تتعدد الإصلاحات؟
رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنية
المختار عنقا الإدريسي
لم يعد السؤال الأساس مع بداية الموسم الدراسي الجديد منحصراً في القول: هل فتحت المدرسة أبوابها، وما هو جديدها؟ بل يصبح السؤال الأعمق هو: إلى أين تتجه مدرستنا العمومية بعد كل تلك المشاريع والمخططات المتتالية، بدءاً من «الميثاق الوطني للتربية والتكوين»، مرورا بـ «المخطط الاستعجالي» والإمكانات المالية الهائلة التي رُصدت له والمنتهي بفضيحته المعروفة، ووصولاً إلى «الرؤية الاستراتيجية 2015-2030»، وانتهاءً بـ «خارطة الطريق» التي لا علاقة لها بكل ما تقدم، بل ولا علاقة لها حتى بأي «مشروع مجتمعي»؟
وهو ما يدفعنا إلى القول بأن الإصلاحات التربوية المتعاقبة المشار إليها تؤكد أننا في دوامة تراجع ملحوظ، يبقى معه هاجس التعميم هو الأهم، حتى ولو كان على حساب تكديس التلاميذ في الفصول الدراسية. وقد تعزز كل ذلك بظهور ما عُرف في عهدكم بـ «مدارس الريادة»، ودون أن تكلف الوزارة نفسها عناء الوقوف على الاختلالات التي ظهرت من خلال التجارب السابقة، وفي غياب تام لأي انسجام أو تحقيق للشعارات التي كانت تتغير بتغير السنوات.
وإذا كان الشأن التعليمي في جوهره هو بناء وطني يحتاج إلى الرؤية الواضحة، والتراكم، والاستمرارية، والتقويم، والثقة في نساء ورجال التعليم بغض النظر عن مواقعهم الإدارية وخانات مهامهم وتواجدهم، فمن هذا المنطلق، أجدني ملزماً بتوجيه هذه الرسالة المفتوحة إليكم السيد وزير التربية الوطنية، وإلى كافة الأطر المركزيين، علماً أنها ليست موقفاً ضد أي إصلاح، وإنما هي دعوة — من إطار تربوي متقاعد، تنقل بين الكثير من مواقع المسؤولية — إلى حماية الإصلاح من التشتت، وإلى إعادة ترتيب العلاقة بين المرجعية القانونية، والسياسات العمومية، ومختلف المشاريع، والممارسة التربوية والإدارية داخل فصول المؤسسة التربوية بصفة عامة.
معالي السيد الوزير،
عند كل دخول مدرسي تبدو المؤسسة التعليمية وكأنها أمام لحظة تستحق أكثر من مجرد تدبير لدخول مدرسي، لحظة تستدعي أن نتوقف قليلاً لنسأل:
- كيف يمكن أن نميز بين: المدرسة والشركة؟ التلميذ(ة) والزبون؟ السبورة التربوية ولوحة الإشهار؟
- ثم ما الذي أنجزناه من مشاريع وخطط؟ وماذا تعثر منها أو لم يتحقق إنجازه؟ ولماذا لم يتحقق؟
لقد راكم نظامنا خلال العقود الأخيرة عدداً من المرجعيات والإصلاحات والمشاريع الكبرى. ولذلك، فإن القضية اليوم ليست في البحث عن إصلاح جديد كلما انتهت مرحلة معينة، وإنما في ضمان استمرارية الإصلاح وتراكم إيجابياته، حتى لا تجد المؤسسة التربوية نفسها مضطرة إلى البدء من جديد في كل مرة.
وها أنتم اليوم تؤسسون لما سميتموه بـ «مدارس الريادة»، وتلك في حد ذاتها أزمة جديدة تنضاف إلى باقي أزمات المنظومة التربوية. وأعلنتم عن النتائج الإيجابية للتقييمات المستقلة المرتبطة بها كتجربة، وشرعتم في توسيعها بهدف الوصول إلى تعميم أوسع لها خلال السنوات المقبلة. غير أن نجاح هذه التجربة يفتح سؤالاً أكبر من التجربة نفسها:
- هل علّمنا المتعلم(ة) كيف ولماذا يقرأ، أم اكتفينا بأن نعلمه فعل القراءة فقط؟ علماً أن الرهان الحقيقي لا يمكن حصره في أن توجد مدارس ناجحة إلى جانب مدارس أخرى تنتظر دورها.
- وهل فعلاً نحن أمام تعليم بسرعات مختلفة أوصلتنا إليها «مدارس الريادة»، في وقت كنا نتمنى من التجربة أن تتحول إلى مورد وطني لتطوير الممارسة التعليمية داخل كل المؤسسات العمومية، بالوسط القروي والحضري على حد سواء؟
- ثم ألسنا في حاجة اليوم إلى تقويم دوري وشفاف لا يقيس فقط النتائج الرقمية، بل يسأل أيضاً: ماذا تغير داخل الفصول؟ ماذا استفاد المتعلم المتعثر؟ كيف تطورت ممارسة المدرسين؟ وما تكلفة التعميم؟ وهل تتوافر شروطه بالقدر نفسه في الوسطين الحضري والقروي؟
السيد الوزير،
إن كل تجربة ناجحة لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول إلى معرفة مشتركة يستفيد منها الجميع، وتتحقق معها العدالة الاجتماعية بالمؤسسة التربوية المغربية، لضمان تعليم وطني عمومي دون تمييز يضمن الإنصاف والارتقاء بالجودة. الأمر الذي يدعونا إلى التوقف عند بعض المحطات الأساس من الخارطة التربوية الوطنية:
أولاً: القانون الإطار 51.17 باعتباره مرجعية للإصلاح لا ذاكرته
إن القانون الإطار 51.17 ليس وثيقة عابرة في تاريخ الإصلاح التربوي المغربي، إنه إطار تشريعي يُفترض أن يمنح الإصلاح كل استمرارية وانسجام. والسؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم، ونحن نقترب من نهاية مرحلة خارطة الطريق 2022–2026، ليس: هل انتهى العمل بالقانون الإطار؟ وإنما: كيف سنضمن أن تظل مقتضياته وبوصلته حاضرة في المرحلة المقبلة؟
فالخطر ليس في تطوير السياسات أو مراجعة بعض الاختيارات، فهذا أمر طبيعي في كل إصلاح حي. بل إن الخطر هو أن تتكاثر المشاريع والمبادرات إلى درجة تجعل الفاعل التربوي يفقد القدرة على رؤية الخيط الناظم بينها. إننا في حاجة إلى إصلاح يتغير دون أن يفقد بوصلته، ويتطور دون أن يمحو ذاكرته، ويصحح أخطاءه دون أن يهدم ما راكمه.
ثانياً: التكوين المستمر من المبادرات إلى السياسة الوطنية المستدامة
أما التكوين المستمر، فيستحق بدوره وقفة خاصة. ومن الإنصاف الإقرار بأن الوزارة تعمل حالياً على تطوير هندسة للتكوين المستمر، وأنها نظمت لقاءً وطنياً لتقاسم التجربة في هذا المجال. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل نحن أمام مشاريع للتكوين المستمر، أم أمام سياسة وطنية مستدامة للتكوين المستمر؟
فالمُدرس(ة) هو مربٍّ ومفكر ومبدع وبانٍ للمعرفة، وليس منشطاً يلهث وراء منحة رمزية تجود بها عليه المدرسة الرائدة. كما أنه لا يحتاج فقط إلى تكوين مرتبط بمشروع معين أو برنامج محدد، لأنه يحتاج إلى مسار مهني للتعلم المستمر يواكب تطور مهنته وحاجات المتعلمين والتحولات التي يعرفها المجتمع عامة والمدرسة خاصة.
وعطفاً عليه، نقول بأنه في حاجة إلى تكوين ينطلق من تشخيص الحاجات الحقيقية، ويرتبط بالممارسة داخل الفصول، ويسمح له بالاجتهاد والإبداع، ويتيحه تبادل الخبرات بين المدرسين، ويستفيد من خبرة المفتشين والمكونين والإداريين والباحثين ومؤسسات المجتمع المدني بمختلف تلاوينها، ليخضع في النهاية لتقويم يقيس أثره الفعلي في كل التعلمات. فالتكوين المستمر لا يُفترض أن يكون حدثاً عابراً، وإنما ينبغي أن يصبح ثقافة مهنية ومؤسسة من مؤسسات كل إصلاح حقيقي.
ثالثاً: من تعدد المشاريع إلى وحدة الرؤية التربوية
إن كثرة المشاريع ليست عيباً في حد ذاتها، بل قد تكون دليلاً على حيوية أي إصلاح. لكنها تصبح مشكلة عندما لا يعود الفاعل التربوي قادراً على معرفة: من أين يبدأ المشروع؟ وأين ينتهي؟ وكيف يرتبط بالمشروع الوطني الأكبر؟
إننا في حاجة إلى هندسة واضحة للإصلاح:
[مرجعية قانونية ← اختيارات استراتيجية ← برامج ← مشاريع وتجارب ← تقويم ← تصحيح وتراكم]
وبغير هذه السلسلة، قد تتحول كثرة المبادرات إلى نوع من التشتت، ويصبح المُدرس(ة) أمام إصلاحات متعددة بدل أن يكون شريكاً في إصلاح واحد. فالإصلاح الحقيقي ليس أن نستبدل كل شيء في كل مرحلة، وإنما أن نعرف ما الذي نحافظ عليه، وماذا نصحح، وماذا نتجاوز، وماذا عن مَنْحِه الوقت الكافي حتى يؤتي نتائجه وثماره.
خاصة وأن المدرس(ة) ليس موضوعاً للإصلاح بل شريك مهم وفاعل فيه. فكل إصلاح تربوي قد يبدأ في الوثائق، لكنه لا يعيش إلا داخل الفصول الدراسية. ومن هنا تأتي أهمية استعادة مكانة المدرس(ة) وموضعته في قلب كل إصلاح، لأنه يمتلك المعرفة العملية التي لا توجد في التقارير والوثائق، فهو يعرف المتعلمين، ويعرف صعوبات التعلم، ويعرف الفوارق بين المتعلمين وحتى بين المناطق، ويعرف ما يمكن تطبيقه وما يحتاج إلى التعديل أو التكييف.
ولهذا فإن إشراكه ينبغي ألا يكون بعد القرارات، بل قبل اتخاذها. خاصة وأن بناء الثقة المهنية، وتحسين شروط العمل، وتوفير التكوين والمواكبة، وفتح المجال أمام المدرسين للمساهمة في إنتاج الحلول، ليست مطالب جانبية، إنها شروط أساسية لنجاح أي إصلاح تربوي. كما أن المدرسة تحتاج إلى مدير(ة) لممارسة القيادة التربوية، وإلى مفتش(ة) للتوجيه والمصاحبة والتكوين وليس للمراقبة فحسب، وإلى منظومة تجعل من المؤسسة فضاءً للتعلم الجماعي.
رابعاً: المتعلم(ة) غاية ينبغي ألا تضيع
وهنا ينبغي ألا نتناسى السؤال الأبسط والأكثر عمقاً: ماذا تغير في حياة المتعلم(ة)؟
فكل مشروع، وكل برنامج، وكل إصلاح، ينبغي أن يُقاس في آخر المطاف بما يحدث للمتعلمين داخل الفصول:
- هل يتعلمون بصورة أفضل؟
- هل يكتسبون التعلمات الأساس؟
- هل يجدون دعماً مناسباً عند كل تعثر؟
- هل يشعرون بالأمان والانتماء؟
- هل تتطور شخصياتهم وقدراتهم لتصير قادرة على التفكير والمبادرة والمواطنة؟
خاصة وأن جودة المؤسسة لا يمكن أن نفصلها عن الإنصاف. وفي نفس الوقت، ينبغي ألا تبقى الأسرة مراقباً خارجياً لها، وإنما هي شريك لها في العملية التربوية التعليمية كلها. فالمؤسسة، وإن لم يكن بمقدورها حل جميع المشكلات الاجتماعية، فإنها على الأقل تستطيع أن تكون فضاءً للثقة والحماية والاندماج وبناء المستقبل.
وهنا نجد أنفسنا من جديد أمام تساؤل عن انتظاراتنا من المرحلة المقبلة؟ وعليه أعتقد أن الموسم الدراسي 2026-2027 يمكن أن يكون مناسبة لإعادة ترتيب أولويات الإصلاح وتحويلها إلى محطات عملية تصاغ فيما يلي:
- ضرورة إجراء تقويم شامل ودوري لتجربة «مدارس الريادة»، عوض الاكتفاء بتحضير التلاميذ للإجابة في مختلف المؤشرات، وذلك لاستخلاص الدروس وتصحيح المسار.
- توضيح الرؤية التي ستؤطر المرحلة التي تلي خارطة الطريق 2022-2026، حتى لا تشعر المؤسسة بأنها أمام بداية جديدة منفصلة عن كل ما هو سابق لها.
- مواصلة تطوير «إيجابيات» مؤسسات الريادة والتفكير في طرق توسيعها على أساس تقويم منطقي يقوم به خبراء مغاربة – وما أكثرهم – مع الحرص على أن تتحول خبرتها إلى رصيد لفائدة المدرسة العمومية في الوسطين القروي والحضري.
- بناء سياسة وطنية مستدامة للتكوين المستمر، تجعل التعلم جزءاً من الحياة المهنية للمدرس(ة)، لا مجرد استجابة لمشروع أو ظرفية خاصة.
- إعادة الاعتبار إلى المدرسين وإلى مختلف الفاعلين التربويين محلياً، جهوياً ووطنياً، باعتبارهم شركاء في صناعة الإصلاح، لا مجرد منفذين له.
- جعل أثر الإصلاح على المتعلمين المعيار الأول للحكم على نجاح أي مشروع.
- يبقى استحضار الديمقراطية والإرادة السياسية ضرورة لكل تطور تعليمي أو إصلاح مدرسي، مع فتح حوار وطني هادئ ومسؤول حول مستقبل المؤسسة التربوية يشارك فيه المدرسون، المفتشون، المديرون، الباحثون، الأسر، والفاعلون الاجتماعيون… لأن المؤسسة شأن وطني لا يُختزل في الإدارة وحدها.
معالي السيد الوزير،
لا أعتقد أن هناك مؤسسة مثالية، ولا إصلاحاً كاملاً لا يحتاج إلى مراجعة. لكن هناك مؤسسة تستطيع أن تتعلم من أخطائها، ومن تراكم نجاحاتها، وتصحح مساراتها، وتحافظ على بوصلتها.
ولذلك لا ينبغي أن نضع «مؤسسات الريادة» في مواجهة مع باقي المؤسسات الأخرى، ولا القانون الإطار في مواجهة المشاريع، ولا التكوين في مواجهة الإصلاح، ولا المدرس في مواجهة الإدارة. فكل هذه العناصر ينبغي أن تكون حلقات في سلسلة واحدة: فإذا كان القانون يمنح المرجعية، فإن السياسة تحدد الأولويات وتحول المشاريع إلى اختيارات وممارسات، والمدرس(ة) يحملها إلى الفصل، والتقويم يكشف أثرها، فيظل المتعلم(ة) غايتها النهائية.
وأخيراً، فإن المدرسة المغربية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من القلق حول سؤال: ما الإصلاح القادم؟ بقدر ما تحتاج إلى جواب واضح عن سؤال يتحدد في: كيف نجعل الإصلاح الذي بدأناه يستمر… يتطور… يتراكم… يتعلم من نفسه؟
لأن الإصلاح التربوي الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاريع المُطلقة، وإنما بقدرتنا على أن نجعل منها مساراً وطنياً متصلاً ومتواصلاً، يعرف من أين بدأ، وإلى أين يتجه، ولماذا يتجه إلى ذلك.
ولعل أهم ما يمكن أن نهديه إلى مدرستنا في بداية موسم دراسي جديد هو أن نتوقف عن البدء من الصفر، فالمؤسسة لا تحتمل أن نبدأ كل مرة من جديد، وإنما تحتاج إلى أن نبني فوق ما تحقق، ونصحح ما تعثر، ونستدرك ما فات، ونفتح الطريق أمام ما لم يتحقق بعد.
وتلكم – في تقديري – ليست فقط قضية إصلاح منظومة التربية والتكوين، إنها قضية بناء الثقة في مستقبل المؤسسة العمومية في عموم البلاد.
المختار عنقا الإدريسي
إطار تربوي متقاعد
