أخلاقيات العمل السياسي والانتخابي بين نبل المبادئ ومظاهر الإفساد والجمع بين السلطات
مصطفى المتوكل الساحلي
إن قانون أخلاقيات الأحزاب السياسية، ومصداقيتها، وأعمالها، وأقوالها، وتدبيرها لعلاقاتها مع الشعب، وأهليتها للقيام بالمسؤوليات الترابية والتشريعية والحكومية، والتنافس والتدافع الإيجابي بين الأحزاب وفي الحملات الانتخابية… مسألة جوهرية في تجسيد الإيمان بحقوق الإنسان مجتمعياً، وإرساء التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر كل تراب الوطن. وهذا يتطلب أولاً وقبل كل شيء أن يكون السياسيون نزهاء وشرفاء يهبون أنفسهم لخدمة الوطن والشعب، ويقدمون من أجل ذلك وقتهم وجهدهم واجتهادهم، كلٌّ في مكانه ومسؤوليته، مع الابتعاد القطعي عن الوصولية والانتهازية والسعي للاغتناء السريع، وجلب المصالح والريع الذي يؤدي إلى تهميش وتفقير الجماهير الشعبية الذين يشكلون الغالبية العظمى من الشعب.
إن الأحزاب يفترض أن تكون مدارس راقية لتعليم وتدريب وتكوين المنخرطين وفق المرجعيات التي تحترم الإنسان والهوية، والتي تعمل من أجل النهوض بالدولة الوطنية الديمقراطية وبمجتمع يعيش الكرامة والرفاه… لكن المؤسف المزعج هو ما يراه المواطنون والمواطنات عند البعض من مظاهر تمييع وإفساد الحياة السياسية العامة، وترسيخ ونشر سلوكات السعاية، والرشاوى الانتخابية، والوعود الزائفة، والتضليل السياسي، واستحمار غبي لعقول الناس. وهذا يجعلني أدعو للتفكير والعمل على إحداث إطار مؤسساتي يشبه المجلس الأعلى للحسابات، يتكون من خبراء وكفاءات في مجالات الحقوق، والمواطنة، والنزاهة، والسلوك، لمراقبة كل السلوكات والسياسات المفسدة للمجتمع، والمعطلة للديمقراطية والتنمية، والباحثة عن الريع والاغتناء والتحكم.
لكن، مع الأسف الاحتجاجي الشديد، أن يعمد البعض إلى الخروج بمظاهر ليست بالبريئة للاستقواء إعلامياً ونفسياً، وبإظهار شعبويات مزيفة توقعهم في منزلقات مستفزة تعلن بصيغة المفرد أحياناً والجمع أحياناً أخرى استمرار تحقير المواطنين البسطاء، بجعلهم يصطفون لساعات مدعمين بالفرق التراثية، وفي مقدمتهم ما يمكن تسميتهم بـ “الأعيان الجدد” الذين واجهوا الفقر والصعوبات وهاجروا إلى المدن وأوروبا وأصبحوا من التجار الكبار ورجال الأعمال، والذين بهم يُتَحَكَّمُ في اتجاهات التصويت لما لهم من مكانة إيجابية عند السكان طوال السنوات وخاصة العجاف، بدعم أهل البلد ومساندتهم في الإصلاحات وحل بعض المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، حيث هم من يقوم بالأدوار التي لا تقوم بها الحكومة ولا السلطات ولا الجماعات.
وما يثير الانتباه هو قدوم بعض المرشحين وهم يحملون صفة حكومية، فيختلط الأمر بإصرار بتوظيف مقصود أو غيره في هذا الخلط السياسوي الذي يشكك في مصداقية ونزاهة الانتخابات، فتُضرب لهم الدفوف والآلات الموسيقية المحلية، ويسلّم عليهم العشرات من الناس المنتقين للقيام بهذه المهمة لاستقبال مرشح هو الوزير نفسه، الذي يكون خلف عامل الإقليم في التدشينات أو الزيارات الرسمية للأوراش الكبرى، ويصبح في مقدمتهم عند تدشين أو فتح مشروع تابع لقطاعه…
ونخلص إلى حقيقة أراها مزعجة: هل من يشتغل بهذه الطريقة ويشجع تلك المظاهر يؤمن حقاً بالمساواة وتكافؤ الفرص، وبالفصل بين التنافس الانتخابي والمسؤوليات الحكومية؟ وهل أصبح سلوك وكلام بعض الوزراء القدماء وبعض الحاليين متخصصاً في توزيع الاتهامات بينهم، والتي تشكك في الذمم السياسية والمالية في علاقة بالمسؤوليات الحكومية وتدبير الميزانيات والاعتمادات؟ كما أنهم بالغوا سلباً باعتماد التنابز في الكلام بصيغ التحقير والاستهزاء بصيغة المفرد والجمع، التي تخالف في جوهرها قواعد الأخلاق والسلوك بمرجعيتها الإنسانية والدينية والحقوقية، لدرجة أن الناس أصيبوا بخيبات أمل متعددة، وهي المتجلية والموثقة كمواقف وقرارات وسياسات استهدفت الشعب وقدراته في تسجيلات البرلمان بغرفتيه، وبالتلفزة والإذاعة، والبرامج الحكومية من مثل:
– من حرّر الأسعار وخاصة المحروقات، وأطلق العنان للغلاء ليفرغ جيوب الشعب وتسبب في عجز الطبقة الوسطى والكادحة عن مسايرة قدراتهم في علاقة بما قبل ربيع الإصلاح الدستوري؟
– من قرّر شبه تحريم الإضراب على الشغيلة التي تدافع به عن حقوقها وتضغط لتحقيق بعض مطالبها، إنهم من يسمون أنفسهم بالأغلبية الحاكمة؟
– من سلّم الأموال الطائلة بملايير الدراهم لتوفير أضحيات العيد وترخيص أسعارها وأثمان اللحوم، أليس الذين يوقعون على الميزانيات والأوامر بالصرف باسم الحكومة؟
– من أصدر تشريعات ضربت بقوة نظام التقاعد وأفقرت المتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن والشعب؟… إلخ.
– من أصدر وصوّت على تشريعات ضيّقت الخناق على ساكنة العالم القروي بالجبال والسهول، سواء تعلّق الأمر بما سمي التحفيظ الجماعي، والمنتزهات، والملك البحري، والملك الغابوي، وإقرار مواد جبائية ومنها المتعلقة بالتعمير والمتعلقة بالرسم المفروض على الأراضي غير المبنية وخاصة بالعالم القروي؟… أليست الحكومة السابقة وحزبان من الحكومة الحالية هم من كان وراء كل المشاكل والأزمات؟
أعتقد أنه آن الأوان لإضافة حالة التنافي بالجمع بين صفة الوزير وصفة المرشح، مثلهم مثل مجموعة من المسؤوليات الأمنية والعسكرية والقضائية والسلطات المحلية… إلخ.
وفي شأن المصداقية والنزاهة، أصبحت هذه السلوكات المشينة في الحملات الانتخابية، والتي يمجّها الذوق السليم، والتي يتصدرها كلام وتصريحات بعض الوزراء الحاليين والأسبقين… أصبحت موضوع العديد من انتقادات وتعليقات الناخبين والناخبات الذين بلغ بهم اليأس مبلغا يشكك في وجود “الديمقراطية” عندنا… وهذا يجعلنا في الحملات الانتخابية نترافع لنقنع الناس بالتصويت لتقليص العدمية وحث الناس على عدم اعتزال السياسة، إعمالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وقول رسول الحق عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
