على حافة طنجة

على حافة طنجة

صلاح الأحمر

تحية للأخ حسن عثمان في غزليته الرائعة عن طنجة بعنوان: (وما أدراك ما طنجة)

فوق أرصفةِ المرفأِ القديمْ

ثمةَ بحارةٌ قد ثملوا 

يرقصونَ على أنغامِ السامبا

يدخنون لفافات الماريخوانا في نشوةٍ عارمةْ 

يرتكبونَ شغباً طفولياً بإهمالٍ عنيدْ

ينثرونَ البهجةَ في مرحٍ جنونيٍ شديدْ

ساخرينَ يمدونَ ألسنتَهم لأسطورةِ هرقلْ

وفي الحواري العتيقةِ للمدينةْ تزدانُ الدروب ُ بروائحِ

 الماضي البعيدْ

فهنا الصبيةُ يلوكونَ حكاياتِ طارقْ

يتذكرونَ صولات عقبى

يجترونَ أمجادَ الأسلافِ ويحلُمُونْ

لكن كلا أينَ المفرْ

أليسَ العدو من خلفكم

 والبحرُ قد أخفى مراكبكمْ؟

هو ذا الماضي كم بكيناهُ

وكم نسينا أن نقرأ تاريخَ الجوارْ

فتلكَ ديارُنا على مرمى بصرْ

تسألُ الموجَ عن غزواتِنا

عن الحمراءِ عن الخيرالدا

وكيف ضاعت قرطبة؟

ويعودُ صدى السؤالِ  إلى الدروبِ المقفرهْ

حيثُ لا فِراشَ سوى الترابْ

ولا غطاءِ للفقراء، غيرَ زرقةِ السماءْ

وهنا تتثاءبُ السويعاتُ بطيئةً

توحي بأنَ الزمنَ أرخصُ من فاسدٍ وقحْ

وأن الهواءَ ثقيلْوما الناس إلا سرابْ

هناكَ أتكىء على سورٍ شيمتهُ الكسلْ

أتأملُ مرتاديهِ يتسمرونَ بلا مبالاةٍ في دهاليزِ الوقتْ

 متسكعونَ، سائحونَ، خاملونَ، مدمنونْ

ومن أعيا الخيالَ والأملْ

لكنه لا يعجزُ ُُالمكرُ عن العبور

فهل يبلغُ الضفةَ الدانية َ قطوفها

أم أنه البحرُ يصطادُ الحالمينَ بالرحيلْ؟

ها أنا الآن َأقفُ في الجوارْ

على حافةِ البوغاز

 ْأتأملُ ذلك َ الأزرق الفخيمْ

أتنشقُ هواءَ القنبِ الفضاحْ

كأسي عابقةٌ برائحةِ حقولِ النعناعْ

يضوعُ عبيرهُ في غاباتٍ حجريةٍ شاهقهْ

نبتت مثلَ كأسي من العدم ْ

وهي كذلك بلا جذورٍ ولا هويهْ

الله ياطنجهْ 

أيتها العاليهْ

البهيةُ الغاليهْ

مرحى، فما يبست عروقي إلا ورشفتُ من رحيقكِ

 الشهي

كي أشفى وحتى لا أنسى عشقك المقيمْ

المزمن َ القديمْ

حين يغشى وجهي ذاك الرذاذُ الطائشْ

ينفثه الولدُ “الشرقي” الأهوجْ

وعندَ صدركِ الناهدِ أرتاح صعوداً

بالرغم من أنني متعبٌ حدَ الهروبْ

لكنني أكابرُ مهرولاً بالفرحِ هبوطاً

حينَ أيممُ شطرَ سحرِكُ المخبوءْ مسافراً بين البحرِ

 والغابهْ

منسلاً من الضوءِ للعتمهْ

وإذ أناديكِ بين همهماتِ الريحِ

وأصواتِ النوارسِ

وصافراتِ البواخرْ

ففيكِ كم أنسى نفسي

حين أخلعُ عني معطفَ همومي

 أطوفُ حولكِ عارياً إلا من همسي وبعض تعاويذِ الولهِ 

والعشقِ الحميمْ

وعلى قارعةِ دروبكِ الضيقةِ تتلوى ذاتي ولا تعودْ

فيها كم غسلتُ أدراني

وكم جلوتُ شغافَ روحي حين ألقيت بالرداءِ الأحمر ِ

 قرب أطلالِ ساحة الثيرانْ

كي أُسْمِعُكِ نجواي مردداً أوتدرينَ كم أشتاقُكِ وأنا 

أرحلُ عنك؟

أيتها الغاليهَ

أنتِ الزمردةِ التي دونها كل المدنْ

قربكِ في القلبِ يختصرُ مسافات التعلقِ وأبعاد

 التوحدِ بين المحبينْ

طنجه: أيتها البعيدةُ القريبهْ

يا درة ً فريدةً وباهيهْ

ياطنجةَ العاليهْ

يامالكةَ القلبِ وآسرة العينين والنظرْ

يا هبةَ البحرِ 

وريثةَ الأفلاكِ رفيقةَ القمرْ

أيتها العاليهْ

“عاليه وبسواريها عاليهْ”.    

 (الرباط / 21 مارس 2022)

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة