“العين والفؤاد” لأيوب العياسي كتابة شذرية بنفس شعري

“العين والفؤاد” لأيوب العياسي كتابة شذرية بنفس شعري

حاتم قسيمي

“العين والفؤاد” كتاب جديد للشاعر والكاتب والفنان أيوب العياسي، ورغم غنى سيرته المهنية والأدبية والفنية، إلا أننا اليوم، أمام تجربة جديدة يخوضها، فـ “العين والفؤاد” إذن، هي الباكورة الشذرية الأولى لصاحبنا، يجرب أيوب العياسي شكلا أدبيا جديدا يشهد، رواجاً وقبولاً كبيراً من قبل كتاب القصة والروائيين، بل وحتى الشعراء، ويجد هذا الفن كذلك قبولاً عند جمهور القراء، ويتميز هذا النوع من الكتابة بالاختصار والتكثيف، ويحتشد بالدلالات الرمزية، من خلال مقاطع قصيرة، تعبر عن المشاعر، وقد برع الكثير من الكتّاب والفلاسفة في هذا الجنس من الكتابة، ولئن ظهر الآن على السطح بقوة إميل سيوران، وازداد حضور الشذرات في الثقافة العربية مع تنامي ترجمات الأدباء والفلاسفة الذين اختاروا هذا الجنس الأدبي أسلوباً في الكتابة، من كتب نيتشه (“هكذا تكلم زرادشت”، “نقيض المسيح”، “أفول الأصنام”…)، إلى “توقيعات” و”المياه كلها بلون الغرق” و”لو كان آدم سعيداً” للروماني الأصل إميل سيوران، و”شذرات من خطاب العشق» للفرنسي رولان بارت، و”شذرات” للبلغاري إلياس كانيتي، و”كتاب اللاطمأنينة” للبرتغالي فرناندو بيسوا، و”اعترافات” للفرنسي جان جاك روسو، و”الأدب الصغير” للألماني تيودور أدورنو وغيرهم. وثمة من يذكر ضمن اللائحة كاتباً عربياً هو أبو حيان التوحيدي.

 الشذرة، كما عبّر الناقد الألماني فريدريك شليغل، هي فن يخاطب الحاضر، المستقبل والأجيال القادمة، اختار كثير من الفلاسفة والمتصوفة والمفكرين استعمال الشذرات طريقة في التعبير والتفكير، ما يعني أن هؤلاء قد استعملوا أسلوباً مقطعياً ينم عن حرية في الكتابة، ورغبة في الإفلات من الإكراهات التي يفرضها كل فكر نسقي صارم. بمعنى أن الكتابة الشذرية هي كتابة الثورة على المقاييس المنطقية الصارمة، والتحلل من قواعد النسق المحدد، وبالتالي الاقتضاب والتكثيف.

 يقال إن العنوان هو بوصلة النص ومحدد اتجاهاته، بواسطته نوجه قراءاتنا اتجاها صحيحا نحو ما يريده واضع العنوان، وعبره نختصر المسافة بيننا وبين النص، ومنه نتعرف على الملامح الأولى للمقروء قصد الاستعانة بها في توقع معالمه الافتراضية. لاغرابة أن يختار الناظم لهذه الشذرات “العين والفؤاد” كعنوان لهذا المؤلف، فالكتابة معينها العين اللاقطة للأشياء والتفاصيل، للدهشة والرؤى، للمشاهد والغير مشاهد، ومعينها أيضا الفؤاد، يصف الفؤاد وأحواله، ومن يسكن هذا الفؤاد، ورؤى هذا الفؤاد، وبين الكاتب، أن الأسئلة وهواجس المثقف والحب كما يقال أفئدة تهوى” وكأنه يردد مع عبد الرحمان عشماوي: “وأجود لا أخشى افتقارًا إنما يرضى فؤاد الحر حين يجود”.
في العين والفؤاد تيمات متعددة ومتنوعة، عصية على الحصر، المرأة، المثقف، المسرح، الحب، الشعر، إلى ما لانهاية، مثل خيال صاحبه، لاحدود له. كاتب متحرر من التبويبات وسياجاتها، في صفحة واحدة، قد تقرأ أكثر من تيمة واحدة، أو فكرة واحدة، أو تحس بشعور واحد، في صفحة واحدة تقرأ عن المرأة، بعض النساء يعتقدن أن كيدهن في قدورهن ثم تنتقل لتقرأ “اشتغل مع الأموات.. إنهم صامتون”، ثم يمارس سخريته اللاذعة إذا كانت الصحافة مهنة المتاعب، فالمسرح مهنة المقالب” لذلك احذر وخز المسامير، كلما صعدت إلى الخشبة.

 لهذا جاءت هذه الشذرات تشبه ال”فوضى” لتعبر عن حالة صاحبها، المتخم بالأحاسيس والجراحات، وحربه مع الذات، والمشاعر المشعة كوضوح الماس بتعبير أدونيس ذات مرة. ورغم أن كاتبنا، جرب شكلا أدبيا جديدا، إلا أن قراءة هذه النصوص، تكشف، أنه لم يتخل عن الشعر، وظل يحمل حقيبة ظهره الشعرية وهو يعبر نهر العين والفؤاد. لم ينس عادته القديمة، لأنه ببساطة “ابن أصول” الشعر، والأدب.. ف “العين والفؤاد” كتابة شذرية بنفس شعري “كاذب”.. كما أنه لم يتخل عن مدارسه الفكرية والشعرية التي أثرت خياله، منذ زمان، ففي هذه النصوص، تشم رائحة، أدونيس، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، وشكسبير، وألبير كامو، ووغيرهم.. 

أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن القارئ للوهلة الأولى لبعض هذه النصوص، يقع في شرك بعض المعميات الضبابية، التي تحول بينه وبين استيعابه لها، ليجد نفسه موزعا على خريطة التفسير والتأويل.. والقراءات المتعددة.. وهنا بيت القصيد، من هذه الشذرات الماكرة التي تكشف عن خاصية إبداعية مستقلة، واستراتيجية محكمةـ تمتد على مساحة جمالية، تؤطرها تيمات بسيطة تحدد رؤى الشاعر، ومنظوره الإنسان الذات والثقافة، المرأة والحب، والفكر… وتحاول أن تخلق الجدل والحوار بين ماكان وما سيكون، بين البياض وسواد الحبر.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة