صمت البحر

صمت البحر

أفق يكتبه: صدوق نور الدين

  لا أعرف بالتحديد ما السر الذي يجعلني وباستمرار أعود لقراءة أعمال روائية عشقتها بقوة. إذ وبرغم توافر نصوص عالمية جديدة، أو أعيد طبعها و نشرها، مما يلزمه عمر وحياة، فإن الحنين ما فتئ يشدني إلى تلك النصوص التي أجدد قراءتها في شبه عشق دائم مستمر كما سلف. ذلك أني و في حال أية قراءة أكتشف بأن شيئا في عوالمها فاتني إدراكه، وأني بتجديد العلاقة والنص، تستوقفني مواقف وتأملات وصور إنسانية تعيد ترسيخ المفهوم الحق ليس للأدب، وإنما لروح الأدب في بعديه العالمي والإنساني. وحتى أستدل عن تلك النصوص، أشير إلى: ” صمت البحر”، “حوض السباحة”، “حذاء لك”، ” أنشودة المقهى الحزين”، “المؤتمر الأدبي”، “درس المعلم”، “امرأة”، الكلب الأبيض الراكض على حافة البحر”، ” أصوات المساء” و” أنظر إلى الأضواء يا حبيبي”… 

بيد أن ما يوحد هذه النصوص الروائية إلى صوغها المختلف المتباين، كونها قصيرة تغري بمتعة الإجهاز عليها في جلسة واحدة أو جلستين، علما بأن من الروائيين العرب الذين حرصوا على أن تكون نصوصهم الروائية قصيرة، وكمثال الراحل “محمد زفزاف” الذي أحسه لم يقرأ بعد من منطلق كون المرجعية التي فعلت إبداعه تظل عالمية.. ونجد من نقاد الأدب من اعتبر الممارسة الروائية العربية غير قادرة على إنتاج النصوص النهرية المطولة، إلا أن تجارب “هاني الراهب”، ” نبيل سليمان”، ” عبد الرحمن منيف”، “واسيني الأعرج”، “إلياس خوري” و”إبراهيم نصر الله”، كذبت التصور ليبرز من النقاد المتذمر من الكم الذي جاءت على صورته بعض الروايات. 

على أن اللافت في هذه التجارب، التصورات الأدبية النقدية المتضمنة والعاكسة لمواقف الروائيين مما يبدع ويكتب ويتداول، وصيغت على لسان السارد الرئيس أو ممن يشاركه الفعل الروائي. وأحب في هذا المقام الوقوف عند رواية “صمت البحر” لـ “فيركور”، و اسمه الحقيقي “جون مارسيل بريللر”، وتعد من النصوص المنتمية لأدب المقاومة، إذ كتبت في (1942) لتترجم إلى اللغة العربية وتنشر بداية في مجلة “الكاتب المصري” التي كان يصدرها عميد الأدب العربي “طه حسين”، ولاحقا ضمن روايات  “الهلال” المصرية (1968)، كما أن دار “أزمنة” (الأردن) أعادت طبعها غير ما مرة.  يرد في هذه الرواية على لسان السارد وهو ينقل وجهة نظر الضابط الألماني “فرنر فون إيرناك”:

 “.. كان واقفا أمام رفوف المكتبة، وكانت أصابعه تتابع الأغلفة، ملامسة إياها لمسا خفيفا:

 – بلزاك، باريس، بودلير، بومارشيه، بوالو، بوفون، شاتوبريان، كورني، ديكارت، فينيلون.. فرانس، جونييه، هوجو.. يا له من نداء “قال ذلك بضحكة خافتة و هو يهز رأسه ” ولم أصل بعد إلى النهاية. فلا زال هناك موليير، ورابليه، وراسين، وباسكال، وستندال، وفولتير، ومونتيني، وجميع الآخرين”.

 واستمرت أصابعه تنزلق ببطء على الكتب، ومن وقت لآخر، كانت تفلت منه دون أن يعي صيحة “آه”، عندما كان، على ما أعتقد، يقرأ اسما لم يكن يفكر فيه. وتابع حديثه قائلا: “عند ذكر الأنجليز يذهب التفكير في الحال إلى شكسبير، والإيطاليين إلى دانتي، والإسبان إلى سرفانتيس. أما نحن فعندنا جوته. وبعد ذلك يجب أن يستمر البحث. ولكن حين يقول قائل: وفرنسا؟ عندئذ من ذا الذي يبرز على التو؟ موليير؟ راسين؟ هوجو؟ فولتير؟ أم أي شخص آخر؟ إنهم يتزاحمون مثل جمهور غفير عند مدخل أحد المسارح. لا يعرف المرء أي واحد يجب أن يسمح له بالدخول أولا”. استدار و قال برزانة: 

– و لكن إذا ما تعلق الأمر بالموسيقى فإننا نرى لدينا حينئذ: باخ، هندل، بيتهوفن، فاجنر، موزار. أي تلك الأسماء يأتي أولا؟”. (ص/ 38- 39. طبعة أزمنة).

إنها صورة، لوحة قوية عن مشهد الأدب العالمي برمته.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

صدوق نور الدين

ناقد وروائي مغربي