أيام العز والجوع في روسيا ولبنان

أيام العز والجوع في روسيا ولبنان

د. خالد العزي

تعود ذاكرتي في هذه الأيام إلى الوراء، إلى فترة دراستي في الاتحاد السوفياتي السابق، حيث عاش الطلاب الأجانب خلال هذه المرحلة الانتقالية الصعبة صعوبات كبيرة، كما الشعب الذي لم نكن على معرفة تامة بمعاناته بشكل صحيح، ونبش ذاكرتي اليوم يعود إلى الانهيار الذي نعيشه في لبنان، إذ شهدت ما يشبهه في روسيا والمعسكر الاشتراكي خلال التغيير الذي حدث بنتيجة ما عرف بـ “البريسترويكا” و”الغلاسنوست”، أي الشفافية والعلانية، ربما كانت فلسفة التغيير مختلفة بين الدول التي رفضت الايديولوجية، لتحل محلها المصالح الاقتصادية والمالية والشخصية. 

لقد ظهر اختلاف التغيير بين دولة وأخرى فيما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي، لكن التغيير الأصعب كان في الاتحاد السوفياتي، بسبب الترابط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، والسبب الآخر هو الرغبة الدائمة لدى الروس بالسيطرة على هذه الشعوب بكل الوسائل. في ذلك الحين لم نفهم عملية التغيير ورغبة تلك الشعوب الجانحة نحو الخروج من القفص الحديدي إلى الحرية الحمراء، لم تدافع شعوب الاتحاد السوفياتي عن العقيدة والحزب والمخابرات، فالناس رموا بطاقتهم الحزبية بالهواء، أملا بالتغيير المنتظر. 

كان التأقلم مع التغييرات الحاصلة صعب جدا لشعب انقلبت حياته وانهار كل شي أمامه، وعمت الفوضى في كل شىء، في السياسة والاقتصاد والأخلاق الخ 

بدأت العصابات تنمو وتغيب العقيدة الرادعة والأخلاق، ونمت عصابات الأوليغارشية أي “السارقون الجدد” الذين كان همهم السطو على أملاك المواطنين. انهارت العملة وتغيرت الحسابات، دارت صراعات في الكواليس، نشأت تحالفات صغيرة وكبيرة، وسيطر الجوع، حتى بات صوته يعلو فوق كل الأصوات. 

هذا الانهيار الحاصل في لبنان اليوم ليس غريبا علي، وما يعيشه اللبنانيون حاليا من الوقوف بالطوابير على الخبز والبنزين والمستشفيات، وأمام الصراف الآلي، وفقدان العملات الأجنبية، وظهور الصرافين غير الشرعيين في الشوارع، ونشوء الاحتكارات المالية والغذائية من قبل العصابات، التي تشير إلى تحلل دور الدولة ومؤسساتها، عشته في زمن انهيار الاتحاد السوفياتي. فالأزمة متشابهة، إذ نعيش في لبنان أزمات سياسية واقتصادية ومالية وأخلاقية بكل معنى الكلمة. حين بدأ تغيير النظام في الاتحاد السوفياتي يلوح في الافق، بات انهيار النظام الشيوعي أمرا محسوما، وكان الدور الأساسي للناس الراغبين بالتغيير والتوجه نحو النظام الليبرالي.

كما ساهمت في ذلك حالة الحصار غير الرسمية، التي فرضت على الاتحاد السوفياتي من الغرب، نتيجة غياب الأفق الواضح لعملية التغيير، التي كانت تسير بطريقة مبهمة من قبل قادة دول الاتحاد السوفياتي. شهدنا حالة غريبة في هذه الدول بسبب التفكك والانهيارات السريعة، مع نشوء ظاهرة الحروب والانفصالات، التي كانت الشعوب والدول الصاعدة تبحث فيها عن هوية أو عن كيان لها أضاعته خلال تركيبة الاتحاد السوفياتي الهجينة، حيث دفعت القوميات والاثنيات ثمنا باهظا نتيجة تذويبها داخل الكيان القيصري الكبير، في الثقافة والعادات واللغة والأدب، تحت عنوان كبير هو الاندماج ضمن القيصرية ومن ثم الشيوعية، التي فرضت إيديولوجيتها على الجميع، بقوة عصابة الاستخبارات، بعيدا عن الثقافة الماركسية وفكرها، مما أدى إلى سيطرة طبقة من “المافيا” والبيروقراطيين، وانتشار الفساد، وغياب القيم والمبادئ التي عاشتها هذه الشعوب طوال سبعين عاما إلى حين بدء ظهور التفسخ للعلن. خلال مرحلة التغيير في الاتحاد السوفياتي سيطر الضياع على كل الطبقات، مما ساهم بانحلالها ونشوء طبقات فاسدة عرفت بــ “الرؤوس الجدد” الذين قادوا الدول الفقيرة وأنتجوا ثرواتهم الكبيرة على حساب المال العام. 

في المرحلة الجديدة اختار الشعب الذهاب عكس توجهات الماضي، وعدم الدفاع عن الفساد والعسكرة أملا بالتغيير، لكن انتشار الفقر والجوع والانحلال سيطر على كل قطاعات ومؤسسات الدولة، وعرفت البلاد مرحلة جديدة، هي مرحلة دخول عصابات الاتجار بالبشر والمخدرات وسيطرة المافيات الروسية، التي ذاع صيتها في العالم، وكانت خليطا من عصابات الاستخبارات والجريمة المنظمة، مما فرض نوعا من التغيير في النمط المعيشي للناس بسبب فقدان كل شي، وتبخر الأموال في البنوك، هذا التحول الغريب والسريع دفع الناس أثمانه الغالية وأدى بالكثيرين إلى الهجرة أو الدخول في الحروب الأهلية التي اندلعت في كثير من الجمهوريات. 

لقد شعرنا نحن الأجانب بالإحباط والخوف، وكان للمساعدات البسيطة التي كنا نحصل عليها من أهلنا أهمية، إذ استمرينا بالعيش بطرق بسيطة تشبه حالتنا اليوم في لبنان، حيث يحتمل الناس أزماتهم بفضل مساعدات المغتربين لعائلاتهم.  

أتذكر بأن حياة البذخ فقدت والرفاهية تلاشت، كان سعر زجاجة الفودكا أرخص من ليتر الكوكاكولا، وكان المهم الحصول على بعض الطعام الذي يساعدنا في إكمال دراستنا، السمك مثلا كان لفترة طويلة الوجبة اليومية التي كنت أتناولها لقربي من الخليج الفنلندي، حيث ينتشر الصيادون ويبيعون صيدهم اليومي عند مدخل المترو قرب السكن الطلابي. 

كانت الأسواق في بطرسبورغ تعج بالمواد الغذائية التي تصل للروس كمساعدات غربية، ودرجت مصطلحات جديدة في الاغذية والتجارة.. “أفخاذ بوش”، وهذه النوع من الدجاج كان يرسل من أمريكا للناس كمساعدة عينية، فالمعروف أن الأميركيين لا يأكلون صدور الدجاح، أما الأفخاذ فكانت ترسل كمساعدات، وهي كبيرة جدا ومدهنة، وقد استمر التجار الروس في استيرادها لأن المجتمع الروسي تعود عليها، كما انتشر تجار “الشوارما”، وظهرت معلبات مختلفة في السوق السودا، وأغلبها نقانق ولحومات وأسماك، إضافة إلى زيوت أجنبية وأنواع شاي وقهوة، مما أنعش أسواق الرصيف في كل المناطق.  

بدأ السوق الوطني ينتقل تدريجيا إلى سوق حرة بعد تفكك الدول السوفياتية، وصار العيش أصعب. كانت مدينة لينينغراد التي درست فيها، وهي مدينة صناعية سياحية طلابية ترتبط بدول البلطيق، التي كانت تمدها بالمنتجات الغذائية، وخاصة اللحوم والأجبان والالبان، وقد فقدت نهائيا من الأسواق بعد إعلان هذه الدول استقلالها عن الاتحاد السوفياتي، وفك ارتباطها الاقتصادي مع الدول الأخرى. 

الأسواق عانت من نقص فادح في المواد الغذائية، الجوع لاح في الأفق، خصوصا لدى الطلاب الأجانب، فهنا لا أهل أو أقرباء، ولا أحد يملك أرضا لزراعتها لسد الرمق، مما دفع بأصدقاء لنا يدرسون في مدن أخرى بإرسال بعض ظروف الأطعمة الجاهزة بطرود بريدية. لم يقتصر الوضع الصعب علينا كطلاب فقط، وإنما طال الطلاب والمعلمين الروس، لا سيما الطلاب الذين كانوا يأتون للدراسة من جمهوريات بعيدة، وأتذكر جيدا أستاذ الصحافة لمادة “أنواع الكتابة الصحافية”، كيف كنا نطرق على باب غرفته في الكلية لتسليمه واجبات للتصليح، إذ كان يجلس وقت الغذاء ليأكل الكعك والشاي فقط، وعرفنا مصيبة انهيار وضع الأستاذ الجامعي، وهو ما يعاني منه حاليا أساتذة الجامعة اللبنانية. كان هذا المدرس بروفسور وضابط سابق في الحرب العالمية الثانية، وقائد سرب طائرات، وقد قاتل في اليابان وألمانيا، وإلى جانبه كان ابن ستالين، فاسيلي ستالين الذي وقع في الأسر أثناء المهمة العسكرية وكان في سربه. هذا “البروفسور” الطيب الفقير، كان يكتب كلمة هتلر وموسوليني بأحرف صغيرة، لأن اسمائهم لا يجب أن تمجد، كونهما لا يستحقان ذلك.

وأتذكر مدير كلية الإعلام في سان بطرسبورغ “الكسي دبروفون”، كيف وقف في الكافتيريا التابعة للكلية ذات يوم أمامي وطلب بعض الغذاء البسيط، وعندما حاول دفع الحساب، فتح محفظته وبدأ يهزها لإسقاط العملات الحديدية الصغيرة التي لم تكف لدفع الفاتورة، مما استوجب عليه إعادة بعض ما طلبه. وحين تدخلت سريعا لإكمال المطلوب، التفت نحوي وقال: 

– لا تهتم هذه مشكلتي وانتظر دورك.

 ذلك الثمانيني العجوز الطيب، رجل المخابرات الذي عاش في أمريكا اللاتينية، وعمل مترجما للسفراء في كوبا ودول أخرى، كان له الفضل في مساعدتنا، كان يرفض الهدايا ويمنع الآخرين من أخذها، ويحذر الطلاب من استخدام هذا الأسلوب في التعامل مع الأساتذة، وهو يعتبر ذلك رشوة موصوفة. 

اليوم، أتعاطف مع طلابي ومع أهلهم، وأتذكر كيف كان الطلاب يغلون الماء الساخن ويضعون “ظرف الشاي” في الكأس، ويعدونه بسرعة وكأنهم يصبغون الماء من أجل استعمال الظرف أكثر من مرة، وكيف كانوا يمرغون الزبدة على قطع الخبز مع ذلك الشاي في العشاء والفطور. 

اليوم، بتنا نحن أساتذة الجامعة اللبنانية نعاني من ويل الأزمة والانهيار، حتى بتنا لا نملك ما يمكن أن يساعدنا على الذهاب للجامعة لإلقاء المحاضرات، مع غلاء البنزين. ولن أعدد الأمور الأخرى لأنها كثيرة. في أزمة أساتذة الجامعة في لبنان، تذكرت أزمة الأساتذة الذين علموني في ليننغراد سابقا، كيف كانوا يعيشون بسبب الأحوال الصعبة نتيجة التضخم، منهم من ترك التعليم الجامعي، ومنهم من تحول إلى بائع في السوق، ومنهم من كان يقف أمام محطة “المترو” لبيع الصابون، عله يحصل على بعض الروبلات لشراء الدخان والخبز. 

تحية للشعب السوفياتي والروسي الذي لايزال يعاني من سلطته الهرمة ويدفع فاتورتها، لا سيما فاتورة الدم التي فرضت على الروس والأوكران من خلال الغزو الروسي.

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

د. خالد العزي

أستاذ جامعي وباحث لبناني