الدولة التي نريدها…

الدولة التي نريدها…

عبد الكريم رمضان*

 يتساءل اللبنانيون اليوم، ألا يحتاج احتلال الجوع لبيوت فقراء في هذا البلد الصغير، وقد صار عددهم يتزايد بشكل مخيف، إلى مقاومة تهزم هذا العدو الذي استجلبه إلينا الواقع السياسي الذي لا يستطيع أحد أن يدعي البراءة منه؟!

  وماذا عن المخاوف من إدخال بلدنا في عزلة عن إخوانه العرب؟

  ألا يحتاج الأمر إلى وقفة وطنية من أجل دفع مخاطره علينا؟  ماذا عن كل الذي نعيشه ويعيشه الوطن من تردٍ غير مسبوق، وأزمات متتالية على كل صعيد، ألا يحتاج كل ذلك مقاومة دون تنظير وادعاءات؟!.. 

لا يستطيع أي لبناني أن يزايد على غيره في العداء لإسرائيل، فالجميع قدم تضحيات في مراحل كثيرة على جبهات المواجهة مع عدو حاقد ولدود. ولا يستطيع أحد أن يزايد على غيره في ضرورة حتمية بقاء اللبنانيين في جهورية تامة لدرء الخطر الإسرائيلي، لكن السؤال الذي يمكن طرحه وسط كل الذي نعيشه.

 من قال إن المقاومة للمحتل مسألة قابلة للاحتكار من فريق دون غيره، وفي تاريخ غيره من صور مقاومة العدو الصهيوني شهادات في ومآثر وطنية ونضالية؟!.. 

هل نذكر من تخونه الذاكرة اليوم بالشهيد جورج حاوي، الشهيد كمال جنبلاط، الشهيد المفتي حسن خالد، الشهيد الرئيس رفيق الحريري وغيرهم كثيرين…

  ماذا عن نضالات القوى السياسية الأخرى، إسلامية وعلمانية ووطنية، التي قدمت دروسا في الصمود والقتال ضد إسرائيل والانتصار عليها وتحرير 83% من أراضي لبنان المحتلة، قبل صعود مقاومة “حزب الله”. 

من قال إن حفظ جهوزية المقاومة لا تصح من خلال استراتيجية دفاعية في كنف الدولة ينضوي فيها اللبنانيون جميعا!..  كيف نرضى أن يكون اللبنانيون جميعا موجودين في مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، ولا يكون الأمر نفسه يتبع في ما يتعلق بالمقاومة؟!

 ما هو المهم والمفيد أكثر هنا: أن يكون اللبنانيون جميعا في عداد مقاومة مبنية على استراتيجية دفاعية يقودها الجيش اللبناني لمقاومة العدو الإسرائيلي تحت كنف الدولة، وبما يحفظ حقوق الوطن ويحفظ وئام شعبه وعلاقاته مع دول العالم تحت سقف القانون الدولي والمصالح المشتركة، بدل أن يصر البعض على إبقاء الأمر في حالة فوضى، كما هو عليه الوضع اليوم، حيث سلاح المقاومة يتحول إلى دول الجوار ليشارك في حروبها الأهلية، وهو أمر لا يسر أي حريص على وطنه، خوفا من أن تنهيه عزلة أو مجاعة أو فوضى. نعم، نحن مع الجهورية الوطنية الدائمة لمقاومة العدو الإسرائيلي تحت كنف الدولة وفي ظل سقفها ووفقا لقراراتها. والذين ينظرون إلى المقاومة ويريدونها أن تبقى مستقلة عن الدولة نسألهم: ماذا تفعل هذه المقاومة خارج الحدود؟ حدود الجغرافيا وحدود المنطق وحدود المصلحة الوطنية.

 نعم نحن ضد ثلاثية (جيش وشعب وحزب الله)، بعد أن كان يقال عنها (جيش وشعب ومقاومة). ومع احترام الجميع وتضحياتهم، وطننا فيه تنوع، ومكانة الدولة في بلدنا هي في جعل هذه الثلاثية، كما يفترض أن تكون، وليس كما يريدها البعض منا من شركاء هذا الوطن “أن تكون”. 

إن حق الشعوب بمقاومة العدو هو مبدأ عام لا خلاف فيه بين الأسوياء في الوطنية والأخلاق والاتزان. الاختلاف هنا حول كيفية السماح لممارسة هذا حق من فئة دون غيرها، ولذلك لا يمكن لنا إلا الدعوة إلى معالجة هذا الخلل وتصحيحه، فهذا الحق لا يمكن أن يكون حقا حصريا ومحتكرا من حزب أو ميليشيا أو قوة سياسية دون غيرها، فحق مقاومة الاحتلال هو حق لكل اللبنانيين وفقا للمبادىء العامة، وهو ليس ملك طائفة أو حزب معين ولا يمكن أن يكون اختصاص أحد أو حكرا لأحد، إنه أمر يعني الجميع، وليس اختصاص جهة محددة يتم حجب ممارستها عن أطراف أخرى، لتتحول من شعارات مقاومة إسرائيل إلى حماية مذهبية، إنها مسؤولية وطنية على الجميع التشارك فيها والنهوض بها. 

لا شك أن حاجتنا للنهوض بالوطن تحتاج إلى مصارحة وتحديد المشكلات ومواجهة التحديات تكون في الوحدة، وطمأنة الجميع واحترام حقوقهم، واحترام التنوع واحترام الدولة لا تجاوزها، نحن نحتاج أن نحمي شعبنا من الفقر والعنجهية، ونحمي الوطن ونحافظ على مصالحه، لأنه إذا ضاع ضعنا جميعا. 

*طبيب وناشط سياسي
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *