وقف التعذيب وإطلاق معتقلين في سوريا: هل من أمل؟

وقف التعذيب وإطلاق معتقلين في سوريا: هل من أمل؟

عارف دليلة* 

في سورية لا بد من التوقف أمام استحقاقين هامين، على نواقصهما الكبيرة: صدور قانون وقف التعذيب والبدء بإطلاق سراح المعتقلين الذين بلغت أعدادهم مئات الآلاف، وهما من أهم الاستحقاقات غير القابلة للتفاوض، لأنهما يعتبران في الأصل من أوائل الحقوق الواجبة على أي سلطة تجاه مواطني البلد الذي وجدت في موقع المتحكم في حياته وأقداره، سواء كانت قد قامت بصورة شرعية أو حتى بصورة غير شرعية، وبانتظار عودة الألوف المؤلفة من المعتقلين والمخطتفين والمغيبين، بل والمهجرين والنازحين، إلى أهاليهم الذين ينتظرونهم بفارغ الصبر، وقد خسروا كل مايملكون، حتى تتحقق هذه الأمنية الغالية، وكذلك عودة جميع السوريين إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم ومزارعهم ومشاغلهم ومدارسهم وجامعاتهم، متحررين من جميع المنغصات التي ما كان لها من موجب ماداموا لا يطلبون أكثر من حقوقهم الاعتيادية المعترف بها في جميع الشرائع السماوية والقوانين البشرية! 

إن السوريين، بصفتهم متساوين في المواطنية وفي الحقوق والواجبات أمام القانون، مؤهلون للقيام بجميع المسؤوليات التي يستدعيها الوطن، ويتكلفون بها قانونا من قبل الشعب الحر الواعي، ويتحملون المسؤولية القانونية عن حسن إدائها أمام مؤسسات منتخبة بصورة تنافسية حرة، بعيدا عن أي عنف او إكراه يمارس عليهم من قوى أمر واقع، محلية أو محتلة لا حق لها في فرض نفسها محل إرادتهم الحرة، المعبر عنها بشكل ديمقراطي وفي الدستور والقانون الصادر بموافقة الشعب الحر، وأمام قضاء نزيه عادل مستقل عن السلطة التنفيذية واجهزتها المختلفة، ووسائل إعلام حرة تعمل تحت وتحتكم  بالفعل إلى رقابة الضمير الموجود في داخل عقل وقلب كل مواطن يعيش في ظروف الحرية والكرامة والعدل والمساواة وفي ظل المثل الصالح والقدوة الشريفة! 

آن الاوان، ومنذ عقود، للقطع مع كل شروط سائدة، قديمة او مستجدة،  تخالف هذه الشروط الضرورية لقيامة سورية الجديدة !

 ليس في ما ورد أعلاه اي كلام جديد. فقد تكرر آلاف المرات لدي ولدى سوريين كثيرين ومن مختلف المشارب والمواقع، وفي مناسبات وكتابات كثيرة لا حد لها، ولكنها لم تجد طريقها إلى العمل والتنفيذ لأسباب كثيرة لم يعد فيها اي لبس، وكثرت التجارب المضادة على الأرض في اتجاهات مخالفة لها، ولكنها كانت جميعها مدمرة وكارثية ولم يحقق أي منها أي حظ من النجاح، حتى بالنسبة لمصالح مطلقيها الضيقة، وما حققوه جميعا، هو شيء واحد فقط، و”بنجاح منقطع النظير”، وهو تدمير سورية وإزاحة شعبها من مكانه الطبيعي التاريخي والجغرافي لصالح تمكين اعدائه في أرضه، حتى غابت سورية عن الوجود في التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وفي جدول الأمم والحضارات، التي كانت في الأصل هي مهدها الأول. فهل يعود الضالون إلى العقل ويتيقنون أنه لاحظ لما فعلوه وخططوا له في الحياة، بل ولا في تحقيق اية مصالح طويلة الأجل لهم؟ 

وبالتأكيد لست مثاليا إلى درجة مناشدة أمثال هؤلاء الضالين، وإنما أطالب المضللين أن يعودوا عن غيهم، وأعول بشكل أساسي على أصحاب القضية، وهم الذين لايرون أي حياة، وأي حل لمشكلاتهم المعيشية، وبالأحرى لمستقبلهم ومستقبل أولادهم ولدولتهم إلا بقيامة سورية الجديدة، دولة عصرية ديمقراطية لكل مواطنيها، على قدم المساواة، وعندها فقط سيكتشف السوريون أنفسهم من جديد بأنهم، كبشر، رغم كل خساراتهم الهائلة، وأن بلدهم، سورية، ورغم كل كارثتها، لو تحرروا وتحررت من الفساد والاستبداد، ومن قوى الأمر الواقع المجسدة لهما، يمتلكون وتمتلك ما يكفي خلال عدد قليل من السنوات أن تحقق المعجزة الحقيقية التي تجعلها مضرب المثل في النجاح والتقدم

 لست بصدد تكرار قولة مارتن لوثر كنغ، زعيم ثورة الحقوق المدنية في الستينات الماضية في الولايات المتحدة الاميركية: ” لدي حلم !”، فلست أحلم! إنما أقول ما ليس له بديل: إنه استحالة أن يجد السوريون، من غير بضعة آلاف من المستبدين الفاسدين، ومأجوريهم ومرتزقتهم، أي حل لأي مشكلة يعانونها إلا بالاتفاق والعمل المشترك على قيامة سورية الجديدة الموصوفة. فلا بد أن يخرجوا جميعا من جلودهم الراهنة التي تلبسوها أو ألبست لهم، ليلبسوا ثوب سورية الجديدة الموحدة، اختيارا وليس إكراها! 

* باحث وسياسي معارض

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *