إيتيل عدنان.. لحظات من البهاء النوراني

إيتيل عدنان.. لحظات من البهاء النوراني

 باريس- المعطي قبال

باستثناء بعض المقالات الصحافية في الجرائد والمجلات العربية والفرنسية أو الإنجليزية، وبالرغم من إحرازها لجوائز قيمة مثل جائزة غريفين للشعر، أهم جائزة شعرية مخصصة للكتاب باللغة الإنجليزية بكندا، لم يحظ نتاج إيتيل عدنان (1925- 2021)، بالمتابعة النقدية المستحقة على شكل مؤلفات أو دراسات فنية نقدية أو كتالوجات بساهمة نقاد متمكنين ومستانسين بالعمل الشعري والفني لإيتيل. لذا يعتبر المؤلف الصادر مؤخرا عن منشورات سوي في عنوان «بهاء النور» (154 صفحة)، والذي يتقدم على شكل مقابلات بين إيتيل عدنان والصحافية والكاتبة لور أدلر، يعتبر حدثا ثقافيا في غاية الأهمية. أولا لأنه يسد فجوة غياب الدراسات عن أعمال إيتيل ثم يلقي أضواء كاشفة عن عالمها التشكيلي.

لما التقت ادلر بإيتيل عدنان في حفل بأحد الغاليريهات الشهيرة وبحضور فنانين مشهورين، وكان ذلك منذ أزيد من ثماني سنوات، نشأت بينهما صداقة تمخضت عنها سلسلة لقاءات وزيارات “دار الحديث فيها عن ملح الحياة وجمالية العالم”. ولما سأل بيرنار كومون، مدير السلسلة التي نشر بها الكتاب فيكسيون أند كومباني، عن الفنان الذي يمكن أن تقدمه ضمن السلسلة، وكانت قد انتهت من كتابة مؤلف عن كريستيان بولتانسكي، اقترحت عليه أدلر للتو إنجاز مشروع كتاب مع وحول إيتيل عدنان . “كنت أعرف أنها ستتكلم عن مشاعرها كقاعدة لابداعها. وكانت اللقاءات والمقابلات لحظات نورانية مكنتني من ولوج عالمها الخيالي”.

 في سؤال عن اللغة التي تربت في أحضانها إيتيل، أجابت هذه الأخيرة “تلك حالة خاصة، خصوصا بالنظر إلى الحقبة التي ولدت فيها.  فالأم يونانية من إزمير حاليا أي تركيا، فيما الأب من دمشق حيث كان ضابطا في الإمبراطورية العثمانية. كان والدي يتحدثان باللغة التركية. كما كنا نتكلم هذه اللغة في بيروت، لكن والدتي كانت تتكلم معي باللغة اليونانية. وإلى غاية العشرين من عمري، بل إلى غاية الرابعة والعشرين، كبرت في اللغة التركية، اليونانية، الفرنسية، حيث كان التعليم حصريا باللغة الفرنسية فيما اللغة العربية لم تكن لغة التعليم. التقطت كما يقال اللغة العربية من الشارع مع الأطفال. لذا نشأت في أربع لغات”.

انتقلت إيتيل إلى الرسم والفن التشكيلي وهي في الثلاثين من عمرها. كانت تهيء بأمريكا شهادة دكتوراه بجامعة بيركلي، قبل أن تعمل أستاذة للفلسفة في إحدى الثانويات. وبما أنها كانت تعلم مادة فلسفة الفن خاطبتها يوما المشرفة على قسم الفن بهذه الملاحظة: “كيف لك أن تدرسي فلسفة الفن وأنت لا تمارسين الفن؟”. ودعتها إلى قسم الفن بالجامعة، وبعد أشهر من الممارسة والتطبيق، ولما وقفت على ما أنجزته، قالت لها: “أتعلمين أنك لست بحاجة إلى دروس…”، هكذا أصبحتُ رسامة، تقول إيتيل… تواجدها كأستاذة بالجامعة هو في حد ذاته اختراق هام، أولا لأن الأساتذة من النساء بالجامعات يعدن على رؤوس الأصابع وكانت العقلية السائدة في أمريكا آنذاك هي عدم تشجيعهن على ممارسة هذه المهنة. لذا كانت إيتيل من النساء القلائل في الميدان، خلافا لفرنسا التي تبوأت فيها النساء بجامعة السوربون مكانة مرموقة. تعود الشاعرة والفنانة إلى سنوات التكوين بباريس لاسترجاع لحظات التسكع لساعات طويلة بأزقة المدينة، أو برحاب متحف اللوفر الذي اكتشفت به منحوتة “انتصار ساموتراس” التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني قبل المسيح. كما كان اكتشاف “فينوس دي ميلو”، وهي من أشهر التماثيل الكلاسيكية اليونانية، حاسما في بداية مشوارها الفني الاحترافي. في هذه الحقبة أكتشفت أيضا الرسام الكاتالاني خوان ميرو الذي ستنهل من مشغولاته زخم وفسيفساء الألوان.

 ثمة جدلية بين الأحجام الصغيرة للوحات إيتيل ورحابة الفضاء الذي تسترجعه وتجسده في هذه اللوحات، الشيء الذي تطلب منها الاقتصاد بل الاختزال في لغة التشكيل. وتضرب إيتيل المثل بالطوابع البريدية اليابانية ذات الأحجام الصغيرة والمشاهد الكبيرة.كما استلهمت فكرة غاستون باشلار في موضوع ديمومة الأشياء وتواصلها، لربطها بالممارسة الشعرية. وقد كان للأثر الفكري والبيداغوجي الذي لعبه غابرييل بونور، دور حاسم في تكوينها الشعري. كان بونور أحد الرواد الذين عرفوا بشعراء من أمثال ماكس جاكوب، هنري ميشو وأخرين. كان  أستاذا لإيتيل وأيضا المؤسس لقسم الآداب بجامعة السان جوزيف. ببيروت تم تدريس جميع المواد باستثناء الأدب والفلسفة. باستقلال لبنان عام 1944، لم يرقه أن تهتم جامعة كاثوليكية بتدريس الفلسفة والآداب، لذا رغب أن تبقى هاتان المادتان مستقلتين. لكن وبعد عودته إلى فرنسا، أضيفت المادتين إلى

التعليم بالسان جوزيف. تركزت دروس غابرييل بونور على الشعر. كانت دروسه تستمر لساعات يقرأ ويحلل خلالها أشعار جيرار دو نيرفال، وبالأخص شعر شارل بودلير وشعراء أخرين لم يتداول ذكرهم بلبنان في تلك الفترة. تقول إيتيل: “كتبت الشعر تحت تأثير هذا الأستاذ الاستثنائي، وكانت أول قصيدة كتبتها في عنوان: “كتاب البحر”. في تلك الفترة كانت بيروت مدينة صغيرة يتراءى منها البحر من كل الجهات. لما رحلت إلى أمريكا وكانت حرب الفيتنام على أشدها، كان للشعر دور مناهض هام. ويعتبر الشاعر ألن غينزبير أحد الشعراء الأساسيين في هذا المجال. لأن شعره يزاوج بين البعد الغنائي والبعد السياسي. ويبقى بذلك شاعرا شموليا. وبشكل عفوي ناضلت ضد حرب الفيتنام ». نقرأ في إحدى قصائدها:

اسمع، اسمع إن أردت، حتى وإن لم تكن راغبا

لا تخلط بين الخمر والخبز

جرب الخوف بعيدا عن بطن والدتك

تكلم من أحشائي

تكلم بدءا من قلبي أنا

انفصل إن استطعت عن غضبي

هناك، على طول الرخام الأبيض الصاعد نحو الأعالي

عبر السماء التي غطتها عتمة الطائرات

تسكن الحرب أشعار إيتيل، لكن هذه الحرب لا تحجب البتة بهاء وجمالية العالم. وتستعيد لحظات الطفولة لما كانت والدتها تضعها على كرسي بحديقة المنزل وتطلب منها عدم الحراك، حيث تبقى لساعات تنظر وتبادل الحديث مع الورود والازهار. وعليه فالأزهار حاضرة بقوة في أشعارها. وقد لعبت الراهبات دورا مهما في شحذ حسها السريالي وذلك من خلال  القصص التي كانت ترويها في مواضع العذاب والنار، القديسين والخطايا… 

جعلت إيتيل عدنان من العالم منظرا سرياليا وأحيانا صوفيا مشبعا بألوان الطفولة. عالم تعمه السكينة والبهاء و، لكن ينجلي من طياته الهجر، الحرب والمعاناة. نجد بلاغة هذه التجارب التي عاشتها الشاعرة الفنانة في أشعارها الفائرة والمتشظية.

Visited 4 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

المعطي قبّال

كاتب ومترجم مغربي - رئيس تحرير مساعد لموقع "السؤال الآن".