وزارة الاتصال بالداخلية

وزارة الاتصال بالداخلية

 (كلما ازددت علما زادني علما بأني جاهل..

فاللهم زدني علما بجهلي)

العربي بنتركة

   في مطلع التسعينيات من القرن الماضي نظمت وزارة البصري رحمه الله حفلا بوكالة المغرب العربي للأنباء، وهي من الإدارات الخاضعة لنفوذه بعد عهد مؤسسها المرحوم المهدي بنونة. وكان الهدف من الحفل تنصيب وزير جديد للإعلام.

   المفاجأة الأولى، كانت الإعلان عن الوزارة باسم جديد، هو وزارة الاتصال. مدح البصري وزيره الجديد في الاتصال بما لايستحق جله. وكان  إدريس العلوي المدغري قدم ملفه للداخلية، غداة اختياره، تقديما جيدا، لعلمه أن وزارة البصري هي الرافع النافع الدافع.

   المفاجأة الثانية، كانت في كيفية توجيه إدريس البصري لإدريس العلوي المدغري، وربط ذلك بأسماء محددة من المشهد الإعلامي أثنى عليها، واقترح على الوزير الجديد الثقة بها والتعامل معها، وفي ذلك كشف مبين لعناصره في الإعلام، وكنا قبل ذلك نحسبهم من المعارضين لإدارته في الإعلام.

    يومها أسميتها “وزارة الاتصال بالداخلية”. وظن الناس أن البصري انتصر في معركته على آخر وزراء الأنفة والمعقول في ذلك الزمن، عبد اللطيف الفيلالي رحمه الله، الذي عانى من مكائد عناصر الداخلية في الإعلام وعصيانهم لأوامره. وكان وزير الإعلام الأوحد الذي لم تـطأ قدمه بناية الإذاعة والتلفزة حتى قدم مفاتيح الإعلام إلى الحسن الثاني رحمه الله، وآثر الخارجية لمواجهة حقد “آلْخيريا” على المغرب بسبب الصحراء.

   لم أكن مازحا عندما سميتها “وزارة الاتصال بالداخلية”. وقد بلغني ونحن في المناظرة الوطنية الأولى للإعلام (1993)، التي طغى عليها الاهتمام بكتاب الحسن الثاني: “التحدي”. بلغني أن هذا التعريف بوزارة الاتصال أعجب إدريس البصري، مثلما أطربه قولهم عن وزارته بكونها “أم الوزارات”، ليكون هو أبوها مما هيأه للاسم الذي رفعه فأضحى يعرف بـ”الرجل الثاني للمغرب” بعد الملك. الحسن الثاني الذي آثر البصري على غيره من رجال التصميم السياسي، ويصفه بالمحنك في تنفيذ أوامره والزيلدة فيها بما ينفع الملكية ويثلج صدر الملك. حتى إن البصري قال:”لو دعيت لعبادة سيدنا لعبدته”. وكان لهذا “الحب” غير العذري أن يثمن طموح البصري وطمعه أيضا، فمكن له في مال الدولة والشعبن وأصبح يتحكم في الامتيازات عبر استغلال النفوذ والتحكم في الأراضي والعقار و”الكَريمات”، يوزعها وقت ما يشاء وعلى من يشاء من مطيعيه والساعين إلى بركته،فانتشر البصري انتشارا واسعا،  وغدا له معارف وأصحاب مختلفة أوزانهم بالخارج، يتقدمهم يومذاك وزير داخلية فرنسا شارل باسكوا، الذي علَّم إدريس البصري كيف يتم القضاء على خصوم الدولة من مثقفين ومعارضين وأحزاب، لكن البصري الذي نهل من دهاء الحسن الثاني، تجنب العنف المباشر وجند الامتيازات التي بيده، والمال لا شك يصنع المعجزات. ويحسب عليه ما فعله بأهل التعليم والفلاسفة والإعلاميين الذين شملهم إقصاء دمر حياتهم ليستبدلوا ببغاوات تأكل وتغرد.

   أمام هذا الشموخ غير المسبوق، الذي حققه إدريس البصري، بمساندة كاملة من الحسن الثاني، الذي وجد ضالته في هذا الرجل البدوي، كان طبيعيا أن تصبح وزارة الداخلية أقوى وأغنى وزارات المغرب، وامتدت صلاحياتها إلى تعيين الوزراء والسفراء وقيدومي الجامعات والمدراء، ناهيك عن الولاة والعمال ونحوهم. لكن جنون العظمة لم يركبه إلا حين استبد بقطاع الإعلام، وصار يطالبه بتسليط الضوء عليه ومصاحبته في كل خطواته، فكان العاملون بالإعلام بتسابقون إليه ويطلبون بقع الأراضي والشقق و”الكَريمات”، والمعروف بـ”المسعور” وحده حاز منه أربع “كريمات” وشقة بعمارة الفوسفاط،وبقعة سكنية بتمارة. وأطلق اليد في استنزاف العمالات بواسطة برنامج إخباري ضمن النشرات الإخبارية تحت شعار (أنشطة العمالات)، وإن هو إلا نموذجا واحدا من النماذج التي ركعت للبصري وتفانت في خدمة إعلامه على هيكل الإعلام الوطني. وكلما زادت أسهم الداخلية في الارتفاع هبطت أسهم بقية الوزارات والكثير منها من وحي البصري أو من تصميمه. كما نجح في تفكيك الأحزاب. عن طريق المقايضة نجح في تركيع أغلب الوزارات، عن طريق خلق بدائل من معاونيه لسحب البساط من تحت مكاتبها، ووزارة الاتصال من بينها، فهذه الوزارة أصبحت غير مجدية أمام وجود الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا)، والمكتب المغربي (لا أقول الوطني) للصحافة، وعشر نقابات للصحافة والإعلام وجمعيات بنفس التوجه، وأندية تستفيد ولا تفيد، أشبه بـ”الدودة الزايدة”، وعشرات شركات الإنتاج الفاشلة في تغذية سوق الطلب وجميع هذه المختبرات التي فبركتها الداخلية أو خرجت من صلبها، تتزاحم على الكعكعة التي وفرها البصري في حياته وبعد موته، ولم يعد هناك من يحتاج إلى مساءلة وزارة الاتصال أو الجلوس إلى طاولتها، وكل اختصاصاتها وزعت على المتعاونين بالأذن واللسان مع وزارة البصري، ولم يبق أمام هذه الوزارة سوى المزيد من الاتصال بالداخلية، بحثا عن مخرج ينقذ مؤخرات أهلها من برودة المقاعد وشلل المكاتب، بسبب عجز وزارة الاتصال عن تبرير فشل وسائل الإعلام المغربية في إقناع الناس بوجودها، بالأحرى منافسة مثيلاتها في الشرق والغرب. لكن فقدان المصداقية ساد كل شيء، فحل بنا التسيب (من الزبالة للطيفور) كما قال الساخرون، وفقد كل منصب رجله، وعار الشعب على الأحزاب التي دمرت ماضيه وحاضره، ومستقبله بيد الله غالب الأحزاب وحده…

   وعن وزارة الثقافة (ياحسرتاه على الثقافة في عهود امحمد باحنيني وعبد الهادي بوطالب والمكي الناصري.. وبقليل من الحسرة على عهد محمد بنعيسى).    عن وزارة الثقافة اليوم حدث ولا حرج، وزير الثقافة على قد بنيانه الثقافي يعشق التموسق ولا يفتح صدره ومكتبه إلا لأجل الموسيقى، من ملحنين وعازفين ومغنين، وهو منبهر بنجوميتهم، فلا يستدعي شعراءهم في الغناء حين يعرض عليهم كعكعة وزارته، فطوبى للموسيقيين في زمن وزارة غناء الربعين.. وزارة الثقافة هي في وضعية لا تحسدها عليها وزارة الاتصال. فهي أيضا مطالبة بالاتصال بالداخلية لإغاثة نفسها من مس أصابها، فالنقابة عاشقة ومعشوقة وزير الثقافة- التي تزعم أنها تؤطر الأغنية والمغنيات، هي نقابة مشبوهة، موصومة في الخارج بالوساطة بين فتيات/نساء من المغرب وبعض دول الخليج. النقابة تسهل عليها هذا الأمر وتنظم لهن رحلات بأجور ميسرة وتشحنهن في بعثات إلى الخليج، وهن يعرفن أن اسم “الثقافة” الذي تحمله بطائقهن بقدرة النقابة، إنما هو نقاب للتغطية، كما هو شأن التغطية. والذين ترسل إليهم هذه البعثات اللحمية في شكل جمع مؤنث سالم، يعرفون أن اسم فنانة إنما هو رمز لقبول الهدية الباهضة الثمن. هذه هي الثقافة التي تزكيها وزارة ثقافة اليوم.  

  لا أريد أن يُفهم مما تقدم في تأويل خاطئ، أننا نتحامل على الأغنية المغربية، فلنا فيها تاريخ وإنتاج وأحباب وأصدقاء. ولكننا نرفض إهانة مجال الأغنية أو غيره من ميادين الإبداع الوطني تحت غطاء أي إدارة كانت أو قبعة أيا كان لونها. فالوزارة بكل أوزارها ماضية إلى زوال والإبداع باقٍ. ووزارة الثقافة التي فشلت في وضع خارطة لتنشيط الثقافة الوطنية وتحفيز المفكرين والأدباء المغاربة، هي وزارة بادت قبل أوانها، والله يخلف مال “اليتامى” الذي بذرته في سبيل مغنية وراقصة وحزب…

Visited 3 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

العربي بنتركة

كاتب واعلامي مغربي