تحديات الحركات الاجتماعية وأسئلة أزمة آليات الوساطة

تحديات الحركات الاجتماعية وأسئلة أزمة آليات الوساطة

 *  كلمة العدد الرابع لمجلة “دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية”

    كشفت ديناميات الحركات الاجتماعية عن تحولات عميقة في أشكال التنظيم والتعبير، وعن انتظارات ومطالب وطموحات فئات واسعة داخل المجتمع وطنيا ودوليا، معبرة من خلال ذلك عن رفضها “العفوي” لتنامي الأزمات والفوارق الاجتماعية والشعور بالتهميش ضمن السياسات العمومية ونكران الحق في العدالة الاجتماعية والحرية والتحديات المناخية وغيرها.

   وقد أبرزت هذه الديناميات قدرتها على التأثير في مسارات الحياة السياسية وإثارة الانتباه لخطورة الأوضاع بخصوص قضايا محددة (سياسية، اجتماعية، بيئية…)، وصولا أحيانا حسب خاصيات محلية أو إقليمية أو دولية، إلى إحداث تغييرات سياسية بارزة (تونس، مصر، ليبيا، الجزائر…)، أو إعادة صياغة القواعد المنظمة للسلطة (المغرب) أو إحداث أزمات اجتماعية قوية مؤثرة في الوضع الاجتماعي والسياسي ومثيرة لأزمة في آليات النظام السياسي ومتطلبات وضع قواعد جديدة وفتح أفق أرحب للمشاركة وأشكال الديمقراطية المباشرة (فرنسا). وقد تأكد من خلال المسارات المختلفة ان تأثير هذه الديناميات الاجتماعية ودرجة الفعل في الواقع السياسي يتعزز بمدى انخراط الحركات النقابية وقدرتها على توسيع دائرة الفاعلين المنخرطين في الديناميات الاجتماعية كما برز ذلك في بداية التجربة التونسية وخلال الحراك الاجتماعي الفرنسي الحالي (2023)، أو الحركات الاجتماعية بأمريكا اللاتينية.

   والحال أن الوضع في المنطقة العربية، أو دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يتميز بخاصيات تؤثر سلبا في دينامية التغيير و/ أو الإصلاح في ارتباط بخاصيات كل سياق؛ إلا أن المشترك عموما يبقى هو ضعف الفاعل الحزبي والنقابي تأطيرا وتأثيرا، والذي يفترض فيه تمثيل المواطن والتعبير عن مطامحه، فضلا عن الدور المفترض والموكول له كآليات للوساطة تجاه السلطات زمن الأزمات والتوترات. والواقع أن هذا الضعف زاد من

   حدته واقع التشتت، والانشقاقات الحزبية وانعكاساتها المباشرة على التعدد النقابي الذي نال من قوة هذا الفاعل ولم يساهم في بلورة الأرضية المشتركة الموحدة لصفوف مكوناته؛ بالإضافة إلى ضعف ثقافة الائتلاف وتدني مستوى الديمقراطية الداخلية، وضعف الرؤى الاستشرافية والإستراتيجية لمتطلبات تقوية مكامن القوة في كل تجربة والحد من تأثير جيوب المحافظة والانتكاس.

   ولم يكن للتجربة المغربية عموما أن تخرج عن هذا الواقع. فقد أبانت نسب المشاركة في العمليات الانتخابية ضعف انخراط المواطنين منذ أزيد من عقد ونصف من الزمن، وأبرزت الدراسات المنجزة من طرف مؤسسات رسمية أو مراكز بحثية مستقلة أو مدنية ودراسات باحثين مختصين نفس هذا التوجه، سواء من حيث ضعف الانخراط في الأحزاب والنقابات أو المشاركة أو الدعم الانتخابي[1]. وأكدت دينامية الحراك الاجتماعي هذا الواقع المقلق لحدود تأثير هؤلاء الفاعلين في التعبير عن هذا التحول، وفي الوساطة لإيجاد آليات الحوار والتسوية، خاصة وأن هذه الحركات الاجتماعية والاحتجاجية ظلت تتنامى وتتسع فضاءاتها لتشمل المدن الكبرى والمتوسطة وحتى بعض القرى. ومعلوم أن أعداد هذه الأشكال العفوية في المغرب انتقلت (مع اتساع فضاء التعبير والتظاهر) من 700 وقفة احتجاجية سنة 2005 إلى 8600 سنة 2010 لتصل سنة 2013 إلى حوالي 20 ألف تظاهرة ووقفة[2].

   ومرافقة لهذه الوضعية، برزت أشكال جديدة “للتنظيم” من خلال “التنسيقيات” التي تفرزها كل حركية، منها في البداية تلك الخاصة بالمعطلين، ثم الصحة فمتعاقدي التعليم، وصولا إلى تلك المرتبطة بحركات اجتماعية في مناطق نذكر منها الريف وجرادة وزاكورة وغيرها.

   لقد استفادت هذه الأشكال الجديدة للتعبير والتعبئة من ثورة تكنولوجية من خلال ما أفرزته من أشكال التواصل الافتراضي والشبكات الاجتماعية وقدرتها على التعبئة والتواصل كان لها تأثير قوي في فترة ما سمي “بالربيع العربي” وبعده، بل امتدت إلى قضايا اجتماعية وانسانية بارزة مثل قضية اغتصاب الطفلة أمينة الفيلالي وإطلاق سراح مغتصب الأطفال الاسباني التي أدت إلى هزة لدى الرأي العام واتخاذ اجراءات عملية وتشريعية وقضائية في الموضوع؛ وأحدثت تأثيرا جليا في مواجهة اقتصادية أدت إلى مقاطعة منتوجات متعددة من شركات في مجال البنزين والحليب والماء المعدني والكهرباء، وأعطت بعض النتائج المباشرة لأول مرة على المستوى الاقتصادي والتشريعي منها مراجعات وتوضيحات عكست التجاوب الجلي مع مطالب الحركات الاجتماعية المنطلقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

   إن هذه الوضعية بما يطبعها من أزمات اجتماعية وأخرى في نظام الحكامة والفوارق الاجتماعية والمجالية وإشكاليات عدم الثقة في مؤسسات الدولة (حكومة، برلمان…)[3] وفي آليات التأطير والوساطة، بما فيها مؤسسات دستورية موكول لها هذا الدور[4]، يجعل هذه الحركات في مواجهة مباشرة مع المؤسسات الأمنية وأجهزة الدولة، بما ينعكس سلبيا على ما تحقق في مجال البناء الديمقراطي والمؤسسات المنبثقة عن مساره، ويمس الحريات أحيانا، ويطرح تساؤلات بخصوص حدود هذا البناء في ظل فاعلين يفقدون باستمرار ثقة المواطن في دورهم، وفي أداء المؤسسات التي يديرونها، وفي نخب لم تكتسب عموما حسب الملاحظين مكانتها من خلال الممارسة السياسية والارتباط المباشر بالفعل الاجتماعي وتحديات تدبيره ومتطلبات ثقافته، وهذا ما يشكل عبئا على الدولة في مواجهة مباشرة مع هذه الحركات.

   ونعتقد اننا بصدد مرحلة بدت ملامحها تتضح وتدعو إلى التساؤل: هل فقدت التجربة الحالية مقومات مساهمة صناعها الحزبي والنقابي ونخبها في إدارتها والجواب على انتظارات المواطن اجتماعيا وديمقراطيا وفي مجال الحريات والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وغيرها؟ ما هي استراتيجيات مختلف الفاعلين لاسترجاع مكانتهم في التأطير والاستشراف وتدبير الأزمات والوساطة في إيجاد الحلول بما فيها أدوار مؤسسات الحكامة ذات الاختصاص؟ ما دور النخب الصاعدة في فرز أفق جديد للفعل السياسي والنقابي والمدني انتصارا للبناء الديمقراطي وحماية الحريات وتحقيق العدالة الاجتماعية ثقافة ورؤية وممارسة؟ كيف يمكننا التفكير في مؤشرات سياق جديد بأدوات تسمح ببناء مغاير يدمج الحركات الاجتماعية وانتظارات مختلف الفئات (شباب، نساء، نخب جديدة…) في معركة بناء الدولة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية، وما هي آليات وخطط ذلك ؟ ألم يحن الوقت لمختلف الفاعلين أن يأخذوا في الاعتبار دور الوسائط الاجتماعية ومكانة التكنولوجيا التواصلية الحديثة كمكون فعلي ضمن خططها واستراتيجياتها وليس فقط كأداة للتوظيف الظرفي الانتخابي أو السجالي أو غيره؟…

   إنها بعض من الأسئلة التي يحاول هذا العدد التطرق لعدد منها من خلال مساهمات خبراء دوليين ومغاربة بما راكمه جلهم في التفكير والتأطير والاجتهاد من أجل الانتصار لقيم العدالة والحرية والكرامة، كل من زاوية قناعاته واختياراته، ولكن من خلال رصد مميزات المرحلة دوليا وإقليميا ومحليا في ظل سمات ومقومات نظام اقتصادي دولي تتزايد شراسته وتتضاعف الكوارث البيئية والمجالية والاجتماعية الناتجة عنه، بكل ما تفرزه من غضب واحتجاج ومواجهة عبر أشكال وآليات متعددة ومبتكرة.

   ولا يمكن هنا إلا أن نعتز بثقة ومساهمة نخبة مميزة في هذا العدد وطنيا ودوليا على رأسها الأستاذ غوستاف ماسيا وهو أحد أبرز منظري ومؤسسي حركة العولمة البديلة (Altermondialiste) والمنتدى الاجتماعي الدولي وعضو مؤسس لمركز الدراسات والمبادرات للتضامن الدولي (CEDETIM)، وذ. حنين ماهر كاتب وباحث من تونس وأحد الفاعلين الأساسيين في المنتديات الاجتماعية المغاربية إلى جانب نخبة متميزة من الأساتذة والباحثين المغاربة المشهود لهم بالكفاءة وعمق التحليل في مجالات انشغالهم ذات الصلة بالموضوع، ومنهم عبد الرحمان رشيق وأحمد البوز، ومصطفى بوحدو وحسن التايقي وسعيد بنكراد فضلا عن مساهمة الاساتذة الأجلاء يوسف البحيري ومحمد مؤقت في باب المساهمات الحرة.

   إننا نحاول ما أمكن الحفاظ على نوعية هذا الفضاء الخاص بالبحث والتفكير والدراسة، وتنويع دائرة المساهمين والمدارس قصد إغناء الرؤى والاستفادة من تراكمات الفكر والممارسة لدى أصحابها، بما يفيد الباحثين والفاعلين وأصحاب القرار؛ كل ذلك في ظل تحدي ضمان الاستمرارية والتفاعل مع مستجدات وتحديات التحولات الجارية في الواقع وطنيا ودوليا. ونأمل أن يجد هذا المجهود الدعم والرعاية المطلوبين من جميع المعنيين بقضايا الفكر والتحولات الاجتماعية، والبناء الديمقراطي، أفرادا وباحثين ومؤسسات للحفاظ على أحد المنابر التي تسعى إلى التنوير والدراسة كإحدى رافعات البناء المجتمعي الديمقراطي المنشود.

 * مجلة “دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية” يصدرها مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية بالرباط،

تحت إدارة وتحرير الأستاذ لحبيب بلكوش.

________________________

[1]- نذكر منها بحث وطني للمندوبية السامية للتخطيط حول الشباب، يونيو 2012 ودراسة ميدانية لمعهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان، تمثل الشباب المغربي للأمان الإنساني، 2022؛ أو دراسات باحثين (عبد الله ساعف، أحمد البوز، منى بناني…)

[2]- انظر لمزيد من التفصيل:

la société contre l’Etat mouvement sociaux et stratégie de la rue au Maroc. Abderrahman Rachik, ed. la croisée des chemins, 2016.

[3]- بحث وطني للمرصد الوطني للتنمية البشرية التابع لرئاسة الحكومة، دجنبر 2021 والرأي الاستشاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع القانون 19-24 المتعلق بالنقابات….

[4]- راجع التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2018، والعدد 3 من مجلة دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية (يونيو 2022) المخصص للموضوع.

Visited 41 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة