جميلة بوحيرد : أيقونة الثورة في سنوات الجمر (1 ــ 2)

جميلة بوحيرد : أيقونة  الثورة في سنوات الجمر (1 ــ 2)

جورج الراسي

من هي جميلة بوحيرد؟ من الطبيعي طرح هذا السؤال، فتسعون بالمئة من الأجيال الجديدة  لم تسمع بها، وتسعون بالمئة من الأجيال القديمة لا تتصور أنها على قيد الوجود، وتروج من وقت لآخر شائعات  تنقلها آلى الدنيا الآخرة وهي حية ترزق، كما حدث منذ سنوات اربع حين دخلت نائبة تونسية على زملائها  تقول لهم ان جميلة إنتقلت إلى دار الخلود فحولوا الجلسة  إلى  جلسة رثاء، ليتبين  لاحقا أنها إشاعة أخرى.

منذ ذلك الحين رحل البرلمان كله وبقيت جميلة، ففي بعض الحالات   تتحول “الشخصية” إلى كائن يتجاوز المكان والزمان  و”الشخص” ذاته، ليدخل في سجل الخلود، هذا هو حال جميلة بوحيرد.

                                    بنت القصبة

من مواليد العام 1935 في عائلة متوسطة الحال من عائلات الحي الشعبي “القصبة”. والدها جزائري وأمها تونسية وليست هذه المرة الوحيدة التي يختلط فيها الدم الجزائري بالدم التونسي على مدار القرون الماضية. تبدأ القصة في شهر  أيار/ مايو 1956 حين أعلن طلاب جامعة الجزائر، حيث تتابع دراستها، الإضراب  إحتجاجا على ممارسات سلطات الإحتلال الفرنسي فما كان من جميلة، وبتشجيع من خالها مصطفى ان انضمت إلى صفوف جبهة التحرير الوطني .وفي خريف ذلك العام، وكان قد مضى عامان على اندلاع  ثورة التحرير ،  بدأ فصل  حاسم من فصول تلك الثورة  عرف ب “معركة الجزائر”La  bataille d’Alger.

واقع الأمر أن من تسبب بإندلاع  تلك المعركة كان  إقدام عصابة “اليد الحمراء” التي شكلها متطرفو “الجزائر فرنسية” على تنفيذ اعتداء دموي في ذلك الحي الذي لا يتواجد فيه غير العرب، ثم ظهر على الساحة ياسف سعدي مساعد الشهيد العربي بن مهيدي القائد العسكري لجبهة التحرير  في منطقة الجزائر العاصمة، الذي عمل على تشكيل شبكة من “زارعات القنابل” ما لبثت أن أثبتت فاعليتها  في الأحياء التي يسكنها المستوطنون الأوروبين، فتكاثرت التفجيرات في اماكن تواجدهم وبخاصة في الأماكن العامة، مما تسبب  بإصابات كثيرة ومن تلك الأماكن المقاهي:Le Milk Bar ، la Cafétéria،Le Coq hard، l’ Otomatic وغيرها.

الدور الذي اسند لجميله في هذه الحملة كان دور “ضابطة إتصال، ومسؤولة عن ضم عناصر جديدة إلى صغوف الثورة. وقد اتهمتها المحكمة العسكرية فيما بعد، خلال محاكمتها، بأنها نفذت عمليات إرهابية  واعتداءت دموية.

لكن واقع الأمر، كما كشفت عن ذلك لاحقا، أنها لم تزرع سوى قنبلة واحدة في بهو فندق  Mauritaniaلكنها لم تنفجر! والمهم على كل حال ليس عدد القنابل المزروعة، ولا عدد العبوات التي انفجرت او لم تنفجر إنما الإنخراط في ثورة الشعب.

حكمت بالإعدام فأنفجرت ضاحكة

معركة الجزائر العاصمة لعام 1956، اقلقت الآستعمار كثيرا وأظهرت له  ان يد الثورة طويلة. فما أن اطل العام 1957 حتى  قذف بقوات النخبة  إلى ارض المعركة ، فأرسل الجنرال Massu على رأس 8000 عنصر من قوات المظليين لتفكيك شبكات جبهة التحرير في العاصمة، وأطلق يده لإستعمال كل ما يراه مناسبا من وسائل تبدأ بفرض حظر التجول، مرورا بكل اساليب  التعذيب، والقيام بعمليات خطف، وصولا إلى تنفيذ احكام إعدام ميدانية.

ومن أشهر الجرائم التي ارتكبت في تلك المرحلة، قيام الوحدة التابعة للكومندان Aussaresses بالقاء القبض على العربي بن مهيدي في شهر آذار/ مارس،  إذاقته كل انواع التعذيب، قبل الإقدام على شنقه سرا (وقد كشفت اسرار كثيرة عن تلك المرحلة السوداء، وباعتراف ذلك الكومندان  شخصيا).

اما جميلة فقد جرى القبض عليها في شهر نيسان/أبريل الذي تلا بعد أن أصيبت برصاصة في كتفها. بمجرد خروجها من قسم العمليات جرى استجوابها واثبتت الوثائق التي كانت بحوزتها أنها على تواصل مع ياسف سعدي، الذي خلف العربي بن مهيدي على رأس عمليات العاصمة. والذي كان على رأس  قائمة التحريات. اخضعت جميلة إلى كل اساليب التعذيب ،   ولم تنس جلسات التعذيب بواسطة التيار الكهربائي، التي اتت على وصفها بدقة في  نص مكتوب وكشفت عن بعض مخابئ الأسلحة والقنابل، لكنها لم تبح  بكلمة واحدة عن رفاقها، ورؤسائها.

وبعد محاكمة صورية، بحضور حشد من المظليين، صدر في 15  تموز/ يوليو 1957 ، الحكم بإعدامها مع رفيقتها جميلة بو عزة، فإنفجرت ضاحكة.!

فيرجيس يدخل على الخط

عائلة جميلة كانت قد وكلت المحامي الفرنسي Jacques Vergès  للدفاع عنها، لكنه منع حتى من المرافعة. فما كان منه إلا ان أصدر مع الكاتب Georges Arnaud صاحب كتاب”Salair de la peut”،   كتابا مشتركا يحمل عنوان “من أجل جميلة بوحيرد “Pour Djamila Bouhired منشورات  Minuit  ــــ 1957.

اللقاء الأول بين جميلة جاك فيرجيس جرى في 26 نيسان/أبريل 1957  في مكتب قاضي التحقيق… وقد جرى وصفه في الكتاب المذكور على النحو التالي : “رآها محامي الدفاع عنها للمرة الأولى ، فأصابه الرعب من    تعابير وجه فقد كل رغبة في الحياة. فهي نظرت اليه حتما كعدو إضافي، لكن كل شيء تغير بالنسبة لجميله منذ الكلمات الأولى فحوارهما جعلها تدرك أنها ليست وحيدة”.

لقد ساهم  ذلك الكتاب في حينه على شهرة جميلة في فرنسا بخاصة وأنه ترافق مع حملة إعلامية واسعة شنتها جبهة التحرير ضد الحكم الصادر بإعدامها.

 11000 مقاتلة في صفوف الثورة

11000 مقاتلة انخرطن في حرب التحرير، وفق الإحصاءات التي أجريت بعد الإستقلال، طبعا لم تكن جميلة اكثرهن بطولة ولكنها كانت صاحبة كاريزما خاصة بها،  وأثبتت شجاعة نادرة خلال محاكمتها، إضافة إلى الدور الذي لعبه الكتاب في التعريف بها والترويج لقضيتها، قبل أن تجعل منها جبهة التحرير أحد عناوين نضالها. وقد اشرف على الحملة الإعلامية آنذاك الباحث Mohamed Harbi الذي كان حينها مسؤول  الإعلام والدعاية في جبهة التحرير، بالتعاون مع مناصري الثورة الجزائرية في شتى أنحاء العالم. وقد عرفت اجهزة الثورة كيف تحول الضربات في الداخل إلى إنتصارات سياسية ودعائية في الخارج.

معركة الجزائر فقدت الكثير من زخمها بعد كل الممارسات الإستعمارية ،فتم اعتقال ياسف سعدي في أيلول/سبتمبر1957، وبعد اسبوعين اعتقلت  زهرة ظريف (سأعود  للحديث عنها) والمناضل  Ali la Pointe قتل في مخبئه في حي القصبة .فأصبح من الضروري خوض الصراع على جبهات الإعلام  والدبلوماسية على مستوى العالم بأسره.

يوسف شاهين وفيروز

الحملة الدعائية لنصرة جميلة فاقت كل التوقعات. وأصبحت بطلة الشارع العربي من محيطه إلى خليجه. ولعل اول من رفع رأيتها مصر جمال عبد الناصر الذي ناصر الثورة الجزائرية منذ انطلاقتها الأولى (ومن المعروف  أن هذا كان احد اسباب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956).

ففي عام 1958 عام الصعود القومي بامتياز، وعام الوحدة السورية ــــ المصرية، اخرج يوسف شاهين فيلم “جميلة الجزائرية” بطولة ماجدة الصباحي، الذي حقق نجاحا مذهلا، على بساطته، حتى تسبب بمظاهرات  أمام سفارة فرنسا في القاهرة. وفي العام التالي 1959 غنت فيروز” رسالة إلى جميلة بوحيرد، وفي شهر آذار/ مارس1958اصدر الرئيس الفرنسي  René Coty عفوا عن كل المحكومين بالإعدام وحول الأحكام آلى الأشغال الشاقة المؤبدة، ومن بعد، أطلق سراح السجينات في سجن مرسيليا وفق ما نصت عليه اتفاقيات ايفيان Les accords d’ Evian التي نظمت ترتيبات الإستقلال عام 1962.

وكلفت جميلة مع صديقتها زهرة ظريف فيما بعد بالقيام بجولات في شتى أنحاء العالم لتمثيل الدولة الناشئة ولجمع التبرعات لإعادة اعمار البلاد.

الجميع يذكر مصافحتها لجمال عبد الناصر في القاهرة وهي تضع ذلك الثوب المدرسي الأبيض الفضفاض، وزيارتها إلى الكويت يحيط بها الشيوخ واستقبال ماوتسي تونغ لها في بكين بصحبة Jacques Vergès.

يتبع حلقة ثانية زمن الخيبات

شارك الموضوع

جورج الراسي

صحفي وكاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *