“شراب التوت” دراما تركية محبوكة تثير الجدل في كل منزل

“شراب التوت” دراما تركية محبوكة تثير الجدل في كل منزل

ريم ياسين

أثار مسلسل شراب التوت التركي اهتماما لدى جمهور واسع من المشاهدين في جزئه الأول، ومنذ اسابيع يتابعون الموسم الثاني بشغف، ففي سيناريو ذكي وممثلين بارعين في تجسيد الشخصيات المتناقضة وإخراج جيد استطاع المسلسل ان يكشف لنا عن حقيقة الصراع على ارض الواقع الذي تعيشه تركيا والدول الاسلامية او تلك التي تدعي إنها دولة مدنية وعلمانية وقد تكون قوانينها كذلك الا ان ما يطغى هو ممارسات العادات والتقاليد المحافظة لدى فئة كبيرة وشرائح ما تزال متمسكة بمفاهيم اجتماعية لم تواكب العصرنة بل بقيت أسيرة الماضي، فهو من خلال تجسيد الخلاف بين عائلتين الاولى متدينة ومحافظة لا تؤمن بحق الفرد في الاختيار بل تبقى أسيرة النظام الأبوي، والثانية عائلة منفتحة ومعاصرة ومثقفة لا يعنيها العادات والتقاليد بقدر ما يهمها العيش بسعادة وفقا لقيم حداثوية ومفاهيمها المختلفة، والمسلسل يجسد هذا الصراع بين العائلتين ويبين حينا امكانية التلاقي وحينا آخر المواجهة التي لا بد منها وعدم التستر على الأخطاء المرتكبة.

نال المسلسل نال إعجاب النقاد وحصل على جوائز واهتمام كبير وهو من بطولة نجمة مسلسل “الامانة” سيلا ترك أوغلو، التي انسحبت من بطولة مطلقة في مسلسل “الأمانة” كي تقبل ببطولة جماعية في مسلسل “شراب التوت”.

يعالج المسلسل إذا من خلال قصة محبوكة بدقة قضايا اجتماعية جديدة، بعيدا عن قصص الحب العادية التي اشتهرت بها الدراما التركية، فهو يتناول الزواج الاجباري وعقده دينيا، علما ان تركيا بلد علماني والزواج الرسمي هو الزواج المدني، كما يتحدث عن العنف الذي تعانيه المرأة في المجتمع الاسلامي نتيجة المفاهيم المغلوطة الى درجة قيام زوج برمي زوجته من النافذة ليلة زفافهما، بعد اهانتها وتحقيرها وتخلي الاهل عن دعمها بل سوقها الى عائلة العريس لانها بدت لهم مناسبة وتنفيذ لوعد قديم بين ربي الاسرتين الغنيتين.

يبين المسلسل ما قد ينتج عن الخلافات الثقافية والرؤى بين العائلات والصدام الذي يحصل نتيجة الايمان بقيم مختلفة وبفهم معاكس للآخر لأمور الحياة، فلكل عائلة اهتماماتها ونظرتها الى الامور، فالعائلة المتدينة الغنية تتمسك بعادات وتقاليد وتمارس سلوكيات غريبة  لملء الوقت لا سيما النساء اللواتي يعتمدن في حياتهن على الرجل في مسؤولية إعالتهن مقابل الطبخ والاهتمام بالبيت والاولاد الى حد مصادرة حريتهم في الاختيار بكل شىء ولا سيما النساء، فالام مقدسة لا يجوز مخالفة رأيها او توجيه الكلام لها والاب رأس العائلة لا يمكن مواجهته بل تقبيل يده والرضى بتوجيهاته مهما كانت، والحب لا يمكن ان يبنى مع رجل فقير وان كان موهوبا ولا يساوم على كرامته وقيمه الانسانية، وما يهم هو المظاهر، ومن أجل ذلك يمكن الكذب والاخفاء والطمع في النظام الحديدي الذي يحكم فيه رب المنزل وزوجته على أولادهما وكنتيهما وابنتهما ضحية الزواج المدبر، في حين أن العائلة العلمانية تديرها مديرة مدرسة خاصة تعيش على المبادىء ولا تبدي مصلحتها على المصلحة العامة حتى لا تسمح لابنتها بتجاوز القوانين وان اخطأت مرة بمخاطبتها امي في المدرسة، وهي امراة مطلقة انفصلت عن زوجها اللعوب على كل المستويات وربت ابنتيها على الصدق والحوار، لكنها وجدت نفسها أمام حقيقة مرعبة عندما احبت ابنتها ابن العائلة المتدينة وحملت منه وتزوجته رغما عن موقفها المعارض، في حين تقبلتها عائلة الحبيب بحكم واقع الحمل وعدم التفريط بولي عهد موعود، وطبعا ام العريس هي “القصة كلها” كما يقولون شخصية أساسية لا تترك ادارة الامور لغيرها حتى في غرف النوم وفي اختيار الالبسة وفي كل تفصيل، وهي لا تفقد الامل في تطويع الجميع تحت عنوان الاحترام للأم من دون ان تحترم أي خصوصيات من يعيش تحت سقف المنزل العائلي، الذي تسيره وفقا للعادات القديمة وتطمح الى اشراك كنة ابنها الحامل “دوغا” بالخزعبلات الدينية والاجتماعية وتضيق عليها حياتها وتسعى الى تخليها تارة عن الدراسة ومحاصرتها بمفاهيم يظن البعض إنها انقرضت لكنها ما نراه هو العكس تماما، فالسحر والتبصير والحسد وكل المشاعر السلبية قائمة وموجودة على الرغم من تطور العصر، حتى زوج “دوغا” المدعو فاتح لا يعارض امه ولا يجرؤ على الوقوف علنا الى جانب زوجته التي يحبها، كي لا يغضب والدته أو أبيه، علما انه “زحط” نحو ممارسة الخيانة الزوجية بلحظة، وبدا كأنه مستلب الارادة، ولا يمارس مواقف الرجولة الا على دوغا وهو الذي لا يطيق أمها ولا طريقة عيش عائلتها.

عائلة فاتح المتدينة متناقضة تغتاب عائلة دوغا، في وقت يدعي افرادها التدين ويلتزمون لبس الحجاب والحشمة باللباس والصلاة والصوم وكل العادات الدينية لكنهم بالمقابل لا يتوقفون عن صياغة المؤمرات الواجبة لفرض سيطرتهم ومفاهيم ناتجة عن جهل مطلق ومشاعر سلبية غير صادقة.

ومع ذلك يبدو ان حبال الحب التي تجمع والدة دوغا بعم فاتح يمكن ان تخفف من حدة الصراع او بالاحرى تعقلنه ليتقبل كل طرف الطرف الأخر او ما يمكن تسميته تدوير الزاويا الذي ينجح حينا ويفشل أحيانا بسبب الثقافة المختلفة.

إسم مسلسل شراب التوت البري مأخوذ من مثل شعبي تركي يعني “إن  تقيأت الدم قل شربت شراب التوت البري”، ومعناه اخفاء الضيق والمعاناة والألم وكون شراب التوت البري لونه أحمر تماماً كالدماء، لا يظهر حنقنا وضعفنا أمام الآخرين.

حقق المسلسل شعبية كبيرة وتصدر التريند مع عرض ونال شهرة واسعة واثار جدلا كبيرا عبر مواقع السوشيال ميديا، وكان في جزئه الاول تم ايقافه بقرار قضائي بعد تحقيق فتحته هيئة رقابة الاذاعة والتلفزيون بشأن ما ادعته ان مسلسل “شراب التوت” يروّج للعنف ضد المرأة واضطهادها، وفرضت الهيئة الرقابية عقوبة مالية بنسبة 5% ضد قناة العرض شو تي في ومنع عرض المسلسل خمسة أسابيع، ما دفع بالقناة الى تقديم اعتراض على قرار الهيئة واستانفت وخلال في تلك الفترة ليستمر عرض المسلسل.

وحينها اشارت المعلومات ان أحد أعضاء هيئة الرقابة RTÜK عبّر عن استيائه من القرار وكشف ان الهيئة كانت تريد معاقبة قناة Showtv بسبب برنامج Güldür من تقديم علي سونال الذي انتقد المسؤولين وطلب استقالتهم بعد الزلزال، لكن لم تستطع معاقبته فعاقبت القناة على المسلسل.

وقد ابكت الحلقة التي عرضت متابعي الدراما التركية حول العالم حيث عالجت الحلقة الزواج بالاكراه حيث قرر السيد عبدالله رجل الاعمال الثري والمتديّن تزويج ابنته نورسيما بالقوة من ابن صديقه رجل الاعمال على الرغم من معرفته بفسق الشاب وقلة ادبه وذلك لمنع تماديها بحب شاب عادي لا يناسب عائلتهم ومستواهم الاجتماعي ما جعل الشابة تعاني من بؤس وحزن شديدين فرفضت ان يقترب زوجها منها بعد الزفاف فحاول اجبارها على ذلك معنفاً اياها من خلال دفعها على الارض بداية ولاحقاً من خلال دفعها من النافذة بعدما طلبت الا يقترب منها فوقعت من الطابق الثالث وبقيت فاقدة للوعي ومدرجة بدمائها.

وقد استهجن الجمهور موقف الرقابة في تركيا ولم يفهم ان كانت تساند المرأة او تتحامل عليها فالمسلسل وضع الاصبع على جرح النساء النازف مضيئاً على هول ما يحصل من عنف ضد المرأة.

في الجزء الثاني شهد المشاهدون العواقب المحزنة لحادث مروري كبير وقع فيه والدة دوغا كيفيلجم وعم فاتح عمر. وفي الوقت نفسه، تم عرض الألم المفجع الذي عاشته دوغا وفاتح، اللذان فقدا أحد طفليهما التوأم بشكل مأساوي، على الشاشة أيضًا. مواجهة دوغا مع خيانة فاتح ورفع دعوى قضائية من أجل حضانة ابنتهما جيمري وضعت العائلتين وجهاً لوجه. وبدأت نورسما وأوموت، اللذان تزوجا أخيرًا بعد محاربة طويلة للحصول على ذلك، في اكتشاف منذ الأيام الأولى أن حياتهما لن تكون سهلة على الإطلاق وأن الاختلافات تزعجهم ومن الممكن أن تقف عقبة في حياتهما.

يشارك في بطولة مسلسل شراب التوت البري كل من: باريش كيليتش، إفريم ألاسيا، سيلا تورك أوغلو، دوكان جونجور، سيلين تركمان. وهو من تأليف ميليس شيفليك، وزينب غور، وإخراج هاكان كيتشي، الذي قدم باقة من المسلسلات الناجحة، أبرزها “المنظمة”، و”أجمل منك”.

شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *