العلاقات الروسية الشرق- أوسطية وثائق دبلوماسيين ومستشرقين ومؤرخين روس للدكتورة جمال القرى

العلاقات الروسية الشرق- أوسطية وثائق دبلوماسيين ومستشرقين ومؤرخين روس للدكتورة جمال القرى

مود اسطفان هاشم*

اسمحوا لي بداية بالتشبيه التالي: لقد أوحى لي الكتاب خلال قراءتِه أنني أمام قطعة من لوحة puzzle كانت مفقودة، وقد أتت هذه القطعة لتُكملَ اللوحة وتقع تماما في المكان الذي كان ينتظرها… فقد يساهم هذا الكتاب، الغني بدقة معلوماته، في استكمال صورة الإطار التاريخي والجيو- سياسي لفترة التوسّع الاستعماري في الشرق الأوسط.

إننا نقرأ الكثير عن علاقة الشرق الأوسط التاريخية ببريطانيا وبفرنسا، ولكن ماذا نعرف عن العلاقة بروسيا، رغم أنها كانت حامية لقسم هام من شعوب هذه المنطقة؟ وكمثال لأهمية العلاقة بين روسيا والطائفة الأرثودوكسية في الشرق الأدنى، روى لنا صديقٌ عن ذكريات طفولته في منطقة الكورة الأرثوذكسية في خمسينيات القرن 20، فقال أن القدّاس يوم الأحد كان ينتهي آنذاك بدعاء لطول عمر ستالين ولنصره! … 

يتتبّع هذا الكتاب كل أوجه العلاقة المتبادلة بين الإمبراطورية الروسية وبلدان الشرق الأوسط، لا سيما منطقة الشرق الأدنى، ويسرد تطوّرَها منذ بداية القرن 19، مظهراً الدور الكنسي المركزي في هذه العلاقة. 

كما يُبيّن التجاذبات التي أثّرت بالبنى الاجتماعية في بلادنا وجعلتها هشّة. فنقرأ عن التنافس مع السلطات الاستعمارية الأوروبية، الذي تجسّد بشرذمة الطوائف المسيحية، ونتتبّع بدقّة سَيرَ العلاقات بين التبشيريين، واستغلالَ الدول العظمى للاضطرابات بين المرجعيات الدينية في منطقتنا.

ونتابع كيف تطوّرت السياسة الدبلوماسية الروسية وعلاقتها بالكنيسة وبالبعثات الروحية إلى الشرق، وكيف أدّت هشاشة العلاقات هذه إلى إضعاف الدور الروسي في المنطقة، مقارنة بالدور البريطاني والفرنسي ومن ثم الأميركي.

والجدير بالاهتمام، هو أن ما ترويه د. جمال القرى يستند إلى مصادر روسية أصلية، منها ما يسمى بالمصادر الثانوية، أي دراسات المؤرخين الروس أنفسهم، ومنها ما يُعتبر مصادر أوّلية أي التي وُضعت وقت الحدث، كالتقارير الدبلوماسية والرسائل القنصلية وغيرها من الوثائق الأرشيفية.   

تستند د. جمال القرى في كتابتها إلى أعمال المستشرقين الروس الجدد، أي الذين كتبوا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتحديداً بعد العام 2000، مراجعين تاريخ السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط بنظرة جديدة ونقدية محرّرة من القيود الإيديولوجية التي كانت مفروضة على المؤرخين في العهد السوفياتي. وكان همّها إلقاء الضوء على هؤلاء المستشرقين ولفت نظر الباحثين العرب إلى أعمالهم وكذلك حثّ كل من يهتم بالواقع الجيو- سياسي المحيط بنا على تنويع المصادر.

ومن خلال اطّلاعها المسبق بالدراسات المنشورة باللغة العربية حول موضوع علاقة روسيا بالشرق الأوسط، استطاعت د. جمال أن تكتشف في الكتابات الروسية ما هو جديد ومُلفت، فقامت بتوليفه وتقديمه إلى القرّاء العرب، كما ترجمت أهم الوثائق الواردة في هذه الدراسات الروسية. نذكر من بين هذه الوثائق الأولية رسائل القناصل إلى وزارة الخارجية الروسية وتقاريرهم التي تصف بدقّة ما يجري في فلسطين وسوريا ولبنان من تفاصيل الحياة اليومية والصراعات الداخلية.  

كما اطًلعت على أرشيف الجمعية الإمبراطورية الأرثوذكسية الفلسطينية، وهي جمعية روسية غير حكومية تهدف إلى مساعدة الحجّاج ودعم الأرثوذكسية في الشرق ونشر الدراسات حول أوضاع المنطقة.  فحصلت من خلالها على الكثير من المعلومات حول نشاط الجمعية وامتلاكها للأراضي وتشييد المدارس والمستشفيات وأماكن استقبال الحجّاج. ونتعرّف مثلا على عدد المدارس في بيروت والقرى اللبنانية وأماكن تواجدها وعدد تلامذتها. ومن بينهم ميخائيل نعيمة الذي تعلّم في مدرسة بسكنتا. وسوف يساهم البعض من هؤلاء التلاميذ في حركة ترجمة الأدب الروسي إلى العربية والتعريف به لاحقاً.

بينما تتناول الأقسام الأولى للكتاب السياسة الخارجية الروسية التي استندت أساساً على الكنيسة الأرثوذكسية، يستعرض القسم الخامس والأخير العلاقات الثقافية والأدبية بين روسيا والشرق الأوسط. وباختيارها معالجة موضوع التبادل الثقافي في الجزء الأخير من كتابها، أولت المؤلّفة هذا الجانب الأهمية التي يستحقُّها فعلًا لجعل العلاقات بين الشعوب أكثر عمقاً وتفاهماً.  

يعرض هذا القسم الأخير حركة الاستشراق أولاً، وكيف أثّرت صورة الشرق والإسلام على الأدباء الروس ثانياً، ومدى تأثّر الأدباء والنقّاد العرب بالأدب الروسي ثانياً، ويعرض أخيراً حركة الترجمة من الروسية إلى العربية لأعمال العمالقة مثل غوغول وتورغينيف وتشيخوف وتولستوي ودوستويفسكي. والجدير بالذكر أن ترجمة الأعمال الأدبية من لغة إلى أخرى تشكّل أداة فعّالة للدبلوماسية، فهي – إذ تثير المشاعر عند القرّاء- تقوّي الروابط العاطفية بين الشعوب.

لقد احتكّ الشعب الروسي بالشرق والإسلام تحديدا منذ أن توسّعت الإمبراطورية الروسية نحو الشرق، فتباينت المواقف بين من دعا الى “التغرّب” ومن دعا الى التقرّب من الحضارة الشرقية، وبين من كان يعبّر عن موقف استعلائي ومن يصبو الى الشرق على خلفية تأثّره بالنظرة الرومنطيقية له. مهما كانت المواقف، فإن للاستشراق دورًا في تشكّل الهوية الوطنية الروسية. وقد تضمّن الكتاب صفحات مثيرة الاهتمام تبيّن العلاقة الروحية للأدباء الروس بالمشرق ولا سيما بالدين الإسلامي.

ومثال على ذلك القصائد التي قامت بترجمتها د. جمال، لبوشكين ولغيره من الأدباء، وهي قصائدٌ عن الإسلام وعن النبي محمد. وكان للاستشراق أثر على الأدب والمذكّرات والرسم وغيرها من الفنون. ومن جهته عرّف أدب الرحّالة بمنطقتنا، إذ وصف الطبيعة والآثار القديمة في سوريا ولبنان ومصر، فأغنى الخيال الأدبي الروسي بهذه الصور وساهم في تطوير نظرة القرّاء الروس لبلاد الشرق ولشعوبه وتقاليده.

من جهتهم، قدّر الأدباء العرب ما قام به المستشرقون الروس من ترجمة تراثهم ودراسته. وقد عبّر عن هذا التقدير ميخائيل نعيمة في رسائله إلى كراتشكوفسكي، المستشرق الذي ترجم الى الروسية عدداً كبيراً من الأعمال الأدبية ولا سيما الأدب المسيحي العربي. وقد ترجمتها د. جمال وضمّنتها في الكتاب.

وبالمقابل، كان للصحف العربية في مصر ولبنان وسوريا وفلسطين دور كبير في التعريف بالأدباء الروس ونشر رواياتهم وأشعارهم، وقد تأثّر الشعراء العرب بشعر تورغينيف النثري، وبالواقعية الجديدة في قصص تشيخوف، وبفلسفة تولستوي الإنسانية.

وفي سياق الكلام عن تولستوي، لا بد أن نذكر، من بين الأخبار الطريفة التي ضمّنتها المؤلّفة في كتابها، رسالة من فتاة في زحلة كتبت إلى تولستوي تطلب منه أن يرسل لها صورة شخصية له لأن الصور الواردة في الصحف غير واضحة!

والجدير بالذكر أن الترجمات من الروسية استفادت من امتلاك خريجي المدارس الروسية هذه اللغة، بعد أن كانت أولى الترجمات العربية ترتكز على ترجمات فرنسية وإنكليزية، فصارت الترجمة أدق وربما أقرب الى الروح الروسية، كما ركّزت على القواسم المشتركة بين الثقافة الروسية والثقافة العربية. فقد حاول المترجمون العرب تقريب التعابير والكتابات الروسية من قرّائها العرب من خلال اجراء بعض التعديلات لتتكيّف مع ثقافتهم. وقد تتبّعت المؤلفة حركة الترجمة هذه، مبيّنة جميع إصدارات الأدب الروسي المترجم إلى العربية خلال القرن 19 وبداية القرن 20، لدى دور النشر وفي الصحف العربية، مقدّمة بذلك عملًا ببليوغرافياً هاماً جداً. 

آمل في الختام أن يُعمل على تثمين الجهد المبذول لجمع هذه المعلومات الوفيرة وترجمتها وتوليفها وعرضها بسلاسة، وأن يُعمل على تسهيل وصول الباحثين إليها، وذلك من خلال انتاج كشافاً بالأسماء والأحداث، يضاف على الطبعة الثانية التي نأمل أن تصدر قريباً نظراً لحاجة الباحثين لهذا العمل.

 

أستاذة علم التوثيق والمكتبات في الجامعة اللبنانية *                                                                                                                                                                                                                 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
شارك الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة